منتديات أطياب العراق

اهلا وسهلا بكم في منتدياتكم منتديات أطياب العراق

منتديات أطياب العراق اسلاميه اجتماعيه ثقافيه سياسيه رياضيه ترفيهيه والمزيد...........

  اعلان هام جدا     " ان منتديات أطياب العراق بحاجه الى اعضاء ومشرفين فمن يجد في نفسه القدره على ذلك ماعليه سوى التسجيل في المنتدى ثم كتابه شيء بسيط من سيرته الذاتيه في قسم الشكاوي والاقتراحات وان واجه اي مشكله في التسجيل يمكنه طرح مايريد في منتدى الزوار والذي يقع داخل قسم الشكاوي والاقتراحات (علما ان الترشيح لكلا الجنسين). "       الاداره

    الشاعر بدرشاكر السياب

    شاطر
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:09 am

    [center]بدر شاكر السياب


    بدر شاكر السياب (24 ديسمبر 1926-1964م) شاعر عراقي ولد بقرية جيكور جنوب شرق البصرة.


    ويؤكدالباحث جمال الدين فالح الكيلاني وهوباحث متخصص بالانساب ان ال السياب في البصرة من قبيلة ربيعة العدنانية وان جدهم سياب من امراء ربيعة وهذاماكدته الروايات والمصادر التاريخية المتعلقة بالموضوع وهذه الاسرة انجبت العديدمن رجال العلم والادب والسياسة في تاريخ العراق الحديث



    درس الابتدائية في مدرسة باب سليمان في أبي الخصيب ثم انتقل إلى مدرسة المحمودية وتخرج منها في 1 أكتوبر 1938م. ثم أكمل الثانوية في البصرة ما بين عامي 1938 و 1943م.



    ثم انتقل إلى بغداد فدخل جامعتها دار المعلمين العالية من عام 1943 إلى 1948م، والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته.



    سيرته الأدبية


    اتسم شعره في الفترة الأولى بالرومانسية وبدا تأثره بجيل علي محمود طه من خلال تشكيل القصيد العمودي وتنويع القافية ومنذ 1947 انساق وراء السياسة وبدا ذلك واضحا في ديوانه أعاصير الذي حافظ فيه السياب على الشكل العمودي وبدأ فيه اهتمامه بقضايا الإنسانية وقد تواصل هذا النفس مع مزجه بثقافته الإنجليزية متأثرا بإليوت في أزهار وأساطير وظهرت محاولاته الأولى في الشعر الحر



    وقد ذهبت فئة من النقاد إلى أن قصيدته "هل كان حبا" هي أول نص في الشكل الجديد للشعر العربي ومازال الجدل قائما حتى الآن في خصوص الريادة بينه وبين نازك الملائكة، و من ثم بينهما وبين شاذل طاقه و البياتي.


    وفي أول الخمسينات كرس السياب كل شعره لهذا النمط الجديد واتخذ المطولات الشعرية وسيلة للكتابة فكانت "الأسلحة والأطفال" و"المومس العمياء" و"حفار القبور" وفيها تلتقي القضايا الاجتماعية بالشعر الذاتي.



    مع بداية الستينات نشر السياب ديوانه "أنشودة المطر" الذي انتزع به الاعتراف نهائيا للشعر الحر من القراء وصار هو الشكل الأكثر ملائمة لشعراء الأجيال الصاعدة وأخذ السيات موقع الريادة بفضل تدفقه الشعري وتمكنه من جميع الأغراض وكذلك للنفس الأسطوري الذي أدخله على الشعر العربي بإيقاظ أساطير بابل واليونان القديمة كما صنع رموزا خاصة بشعره مثل المطر، تموز، عشتار، جيكور قريته التي خلدها.


    وتخللت سنوات الشهرة صراعات السياب مع المرض ولكن لم تنقص مردوديته الشعرية وبدأت ملامح جديدة تظهر في شعره وتغيرت رموزه من تموز والمطر في "أنشودة المطر" إلى السراب والمراثي في مجموعته "المعبد الغريق" ولاحقا توغل السياب في ذكرياته الخاصة وصار شعره ملتصقا بسيرته الذاتية في "منزل الأقنان" و"شناشيل ابنة الجلبي" .



    سافر السياب في هذه الفترة الأخيرة من حياته كثيرا للتداوي وكذلك لحضور بعض المؤتمرات الأدبية وكتب في رحلاته هذه بوفرة ربما لاحساسه الدفين باقتراب النهاية.



    توفي عام 1964م بالمستشفى الأميري في الكويت، عن 38 عام ونقل جثمانه إلى البصرة و دفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير.

    سيدة البحر العميق


    كان يعشق البصرة بكل فلكورياتها وجمالياتها ..
    كان يستعين بسوقها كي يلتقي بالناس من كل الاجناس .. كانت البصرة بالنسبة اليه ، سيدة للبحر ، وعمق النهر ومفتاح البر ، ومفصل الأمم ، وسوق الدنيا ..

    كان يرى في البصرة ، امّا حقيقية لقريته التي لا يمكن لها ان تعيش يوما واحدا من دون البصرة ..

    البصرة عنده ، ضرورة حياة لا بجمالياتها حسب ، بل لأنها مستودع العيش ، ومحطة للانتقال ، وضفة النهر بكل مياهه المتدفقة .. ورأس البحر العميق ..

    كانت البصرة بالنسبة اليه هي المجتمع المتلون من كل الأجناس ، وهي الديوان الفخم الذي يستقبل اهله ، وكل الزائرين بكرم غير معهود ..

    كان يعدها صاحبة السيف والقلم ، ومنها انبثقت تصاريف لغة الضاد العريقة ، وشكّلت مدرستها النحوية ، ركنا أساسيا في حياة الحضارة العربية وحيويتها على امتداد الزمن ..



    جيكور : صورة جديدة


    كانت بلدة ابو الخصيب تهجع مع لواحقها وقراها .. ولم يكن احدا يتذكر جيكور حيث يقفز ذلك " الصبي " من مكان لآخر .. قريته التي عشقها والتي لا يتجاوز عدد سكانها عن الالف ومائتي نسمة ، والطريق الى جيكور قريب ، ولكنه ملئ بالملتويات .. واذا كانت جيكور عند رأس مثلث متساوي الاضلاع ، فان قريتي بكيع وكوت بازل تقعان عند قاعدة جغرافية ،

    وطالما تنّقل الصبي في ذلك المحيط لوحده من اجل اكتشاف صورة جديدة لم يألفها وجدانه ليرسمها خاطره .. وهو في مسارب ترابية بين الاشجار ، ولا يلمح من قريب او بعيد الا بيوت طين وسعف نخيل ..

    ولم يكن يحب الماء راكدا ، ابدا ، بل يعشقه يجري من هنا او هناك .. يركض ومجراه وهو يرقب شيئا ما ، ويصغي بكل جوارحه لخريره !


    عشق جيكور بكل احاسيسه ومشاعره ، ويقال انه بقي يتردد اليها طوال سنوات عمره القصير على عكس زميله الشاعر سعدي يوسف الذي انجبته ابي الخصيب قرب البصرة ، ولكنه لم تشغل ذاكرته وتعيش معه ابدا ..

    وجيكور تلك القرية الصغيرة المأخوذة من عبارة فارسية هي ( جوي كور ) ( اي : الجدول الاعمى ) والمقصود به : نهير بويب الذي تغنى به السياب كثيرا .. وهي يتهادى ماؤه في اراض تعود ملكيتها لآل السياب وهو يتفرع من نهر كبير ..

    آل السياب يملكون بساتين نخيل ، لكنهم ليسوا من كبار الملاكين في جنوب العراق .


    بيت العميان

    بقي الشاعر وهو في طور التكوين الأول ،
    يعيش هواجس الزمن ، وذاكرة المكان ، فاذا كان الزمن قد اتعبه كثيرا بكل تناقضات الحياة الصعبة ،
    فان المكان ، ليس جيكور فحسب ، بل منطقة ( بكيع ) كلها ( : بكيع : كلمة فارسية تعني بيت العميان ) والتي تبعد عن ابي الخصيب بما يقارب الكيلوين من الامتار ، مثار الأسئلة الصعبة ، ومنها :

    لماذا أسموها ببيت العميان ؟ وما حقيقة ذلك ؟ هل ثمة أسطورة عتيقة تختفي في ذاك البيت ؟ ..

    أما جيكور ، المطلة على شط العرب ، فهي عنده بمثابة أمرأة ساحرة الجمال ، وهي مترعة بالحيوية والتوثّب، وأمامها جزيرة بارعة الجمال اسمها ( الطويلة ) تلك التي كان السياب يقضي فيها الساعات الطوال متأملا شاردا في كل الاتجاهات .. وهو يلتفت ، وقد جلس قبالة الغرب ذات اليمين فيرى المسافات البرية والنهرية الطويلة نحو بغداد ، أو ذات الشمال ، فيرى المسافات البحرية الخليجية نحو العالم .

    زورق يندفع ..

    حدثتني اوراق قديمة ، أن صبيا ، كان يصنع له زورقا من ورق ، ليدفعه في مجرى نهر يتراءى للناظر انه راكد المياه ، ولكن الصبي يجد ، أن زورقه قد اندفع من خلال تيار يجري في العمق .. كان نهيرا اشبه بجدول ماء يسمونه بنهر ابو فلوس من شط العرب .. كان الصبي النحيل بثوبه المقّلم يزيغ بصره بعيدا حتى يختفي زورقه بين كتل اشجار النخيل الباسقة .. كان الصبي يدرك ، أن زورقه لا يختفي الا عند ساعة الغسق .. كان الصبي يعشق رؤية الشفق .. كان يتأمل في منظر النخيل وهو يحجب عنه قرص الشمس البرتغالي من مكان لآخر .. ولكنه يتنبأ بالظلام الذي سيجثو على كل المقبرة (= العراق ) .

    ثورة العصافير عند كل مساء


    كان يرسم في ذهنه صورا خيالية تفيض روعة وجمالا عن واقع حقيقي يراه كل يوم ، بل ويذهب خصيصا لاكتشافه ، وهو يلهو بزوارق من ورق .. كان يعود ليحكي كل مساء " لوحة " غاية في الجمال .. كان يهوى الصمت في برّ بساتين النخيل ، ولا يعجبه الا اصوات الطيور عند المغيب .. ثم ثورة العصافير الجياشة ، كل يوم ، وهي تبحث لها عن المأوى فوق الاشجار .. كانت موسيقاه لا تبدأ الا عند مغيب الشمس .. كان شط العرب في الافق البعيد تتلاطم امواجه الصاخبة عند الجنوب الشرقي من البصرة ..




    غابة من نسوة فارعات بشعرهن المتدلي


    كان يصف اي شجرة نخل ، بامرأة فارعة ، وقد فرشت شعرها على كتفيها .. يتخيلها واقفة لا تجلس ابدا ، وهي حزينة منذ آلاف السنين .. وكلما انحنت ذات يمين او ذات شمال ، فقد قض الحزن مضجعها .. يكتشفها دائمة البكاء ، وهي تكره الغربان السوداء التي لا تجد امكنتها على رؤوسها أبدا .. فتنكث شعرها ، وتبقى مضطربة لا تعرف ماذا تقول ، ولا تعرف ماذا تقول ..

    كان يكتشف ان الغربان تكثر يوما بعد آخر وهي تنعق لتمزق الصور الجميلة الهادئة التي كان الصبي يرسمها لوحده في تلك البراري التي كان لوحده يتصورها بعيدة ، ولكنها قريبة جدا من بيته ! كان لا يستأنس من ناس قريته ، أو ناس قرى اخرى ، فيبقى منعزلا عن الاخرين وان وجدوه مع بقية رعيل الصغار ، فانه يبقى لوحده يلفه صمت قاتل بين اشجار النخيل السامقة ..



    غربان ونوارس وعصافير


    كان ينتظر لوحده وبيده خيزرانة من القصب ، يرسم بها على الارض ، خطوطا بانتظار لحظات الشفق وصورته التي يعشقها عشقا لا متناهيا .. انه يعشق وقت الغسق حتى اوان الغروب .. كان يكره اصوات الغربان ، وهي تشق الصمت بنعيبها ، ولكنها تتبدد بأصوات آلاف العصافير التي تريد ان تأوي الى اعشاشها وقت الغروب ، وهي تجيش بأصواتها حتى تهدأ عند خيوط الليل الاولى ..

    كان يكره نعيب الغربان في اوقات الشتاء ، ويشمئز من زعيق النوارس اوقات الصيف ، ولكنه يستأنس للعصافير عند الامسيات ، وأغنيات البلابل عندما يشق الفجر نفسه من اقاصي الشرق بكل سحره وجماله .. فالفجر ، أو عندما يطلع الصبح عنده ، هو غير لحظات الغسق .

    كان يستوقف الصبيان معه ، وهم يلعبون كي يعلمهم بتغيير الالوان عند المغيب ولا يجد له من مستجيب !






    البلح الاخضر اقوى من قصر الامير


    نعود إليه .. إلى أهله الذين عاشوا حياة محترمة في اعراف الحياة العراقية المحلية وقت ذاك ،

    وكان العائلة كبيرة وكثيرة الابناء ولكن تقّلص عددهم مع توالي السنين ، وتداول الأيام ، وخصوصا ، اثر انتشار وباء الطاعون في العراق عام 1831. وكان الجد الأكبر سّياب بن محمد بن بدران المير ( المير هو الامير مختصرا بالتركية )

    قد فقد جميع افراد عائلته ، وابتلي بالحزن الذي دخل حتى عظامه ، وان اسمه من " سيب وحيدا " .. وهناك من يقول ، إن معنى السيّاب نوع من البلح او البسر الاخضر.

    الاشباح في منزل الاقنان


    ان الأب شاكر بن عبد الجبار السّياب ، قد تزوج بابنة عمه ، فرزق منها بكل من بدر وعبد الله ومصطفى ، وكان فخورا بهم متمنيا ان يكبروا ليساعدوه في حياته ، ولكنهم ذهبوا في مسارب اخرى لحياة العراق الجديدة التي تبلورت لما بين الحربين العظميين ، ولم يساعده احدهم ..

    وقد استلهم بدر صورا رائعة من طفولته وبدايات تكوينه ليضمنها " منزل الاقنان " متخيلا ذلك البيت الكبير الذي يزدحم بالعبيد ، وهو يعود للأمير الكبير منذ العهد التركي ولم يسمع عنه الا قصص الاشباح التي رسمها في شعره ، وكأنها لوحة تشكيلية خارقة ابدعها بريشة فنان !

    ملامح المومس العمياء

    او يجد في قريته ( جيكور ) او منطقتها ( بكيع ) ملامح مومس عمياء .. ! أو وهو يمشي في ازقة البصرة وابي الخصيب التي تخيلها ابنة الجلبي ،

    وهي تتميز بشناشيلها الرائعة ومزججاتها الملونة التي تعكس شمس المغيب ، فتتراءى ألوانها العجيبة .. أو مترجما ما كان يسمعه من اغنيات محلية فولكلورية الى مقاطع شعرية !

    ومنذ بواكيره يريد ان يعّرف العالم كله بكل جيكور ، فكان ان نشر صحيفة باسمها تدور على اصدقائه ، وكأنه يترجم رحلة رأي وخبر من الذي كان يسمعه في عقد الثلاثينيات الذي ازدحم بالصحافة والصحافيين .. وعند نهاية النهار ترجع اليه جريدته ( جيكور ) ليعلقها على احد الجدران .




    روايات الاعاجيب

    كان يهوى الاقاصيص التي يستسلم لسماعها من عجائز بيته ، والتي يختلط فيها المبهم بالصحيح ، ومعظمها حكايات غرست في ذاكرته ، وبقيت تعيش معه كل حياته .

    ولقد شكّلت تلك " الاقاصيص " لديه عالما زاخرا بالاعاجيب ، وانها فتحت لديه المجال لقراءة أساطير وملاحم ، جعلت منه صاحب خيال خصب لا يمكن الاحاطة بكل ابعاده أو مسافاته ..

    ونكاد نلمس من معظم اشعاره تأثير اغلب الحكايات والخرافات والاساطير التي كان يعالجها تفكيره من خلال تدفق ذكرياته ومؤثراته سواء عن البحر ، أو النهر ، أو الوحش ، أو السندباد ، أو عروس البحر ، أو أشباح الليل ، أو حدائق غنّاء .. الخ

    الابتدائية.. الاولوية

    لقد كانت ابتدائيته في مدرسة باب سليمان بأبي الخصيب ، ومنها الى المحمودية التي أسسها محمود جلبي العبد الواحد أحد اعيان ابي الخصيب سنة 1910 ابان العهد العثماني ( منح لقب الباشوية بعد ذلك ، وكانت له اسهامات وطنية وخدمية للعراق )،

    وتخرج السيّاب في اروقتها بتاريخ 1 اكتوبر 1938. ومن سجلاتها ،

    نسخ محمود العبطة المعلومات التالية ( عن سجل رقم 6 ، صفحة 757) : إن السيّاب دخل المدرسة في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1936 مقبولا في الصف الخامس ، ومنقولا إليها من مدرسة باب سليمان وانه أكمل ابتدائيته فيها وكان قد رسب في الصف السادس عام 1937 . ومن صفاته ابيض اللون ، واسود العينين . صحته جيدة وسيرته جيدة .


    درجات الصف السادس - (البكلوريا) للشاعر


    اللغة العربية - الانكليزية - الحساب - الجغرافية - التأريخ - الهندسة - الانشاء و الصحة - المعلومات المدنية



    76- 88 -51- 83- 65- 75- 85- 85


    على التوالي


    يبكي وحيدا عند قبر امه



    لقد عاش بدر طفولة غير متجانسة برغم سعادته فيها ، إلا أنها لم تخل من المنغصات ،

    فقد توفيت امه وعمره لا يتجاوز السبع سنوات .. لقد رحلت عام 1932 اثناء المخاض ، وهي في الثالثة والعشرين من العمر لتترك ابنائها الثلاثة وهم صغارا ..

    وتلك اول صدمة حطمت قلب بدر حينما اخذ وهو بعد يافعا يركض في كل الاتجاهات ولم يجد امه ، وكان يفقه ما تأويلات والده وعمته ليذهب وحيدا الى قبر امه كي يمتلأ حزنا وكمدا .. يبكي لوحده وهو يناجيها ، ولكنها لم تعد اليه ابدا .. انه يدرك انها ترقد في قبرها عند السفح الذي يراه من قلب القرية .. انه ادرك غيبتها .. فراح يختزن طيفها في ذاكرته الغضة حتى وهو يلعب في البساتين .. او قرب نهر بويب .

    لقد شكّل غياب أمه في تكوينه شيئا مهما جدا ، إذ بقي طوال حياته يبحث عن حنان مفقود لدى امرأة يعشقها كالطفل .


    الحرمان منتج الصدمات

    كان يلجأ الى جدته لأبيه ( امينة ) دوما كي تكون مستودع همومه وآلامه ، وابتعد بدر عن ابيه اثر زواج الاب بأمرأة أخرى ، ورحل وإياها إلى دار أخرى بعيدا عن اولاده ، ولكنها دار في بقيع ،

    وبقي السياب وكل من أخويه في دار الجد بجيكور .. لقد نما شعور سايكلوجي مرير لدى السياب بالحرمان من الامومة والابوة معا منذ طفولته ، وليعشق قربه من جدته ويحتمي بها من قسوة الحياة ، ومن الشعور بالحرمان .. ولم تتوقف الصدمات ، بل تفاقمت ازمات العائلة بوقوعها تحت طائلة الديون ، فبيعت الأرض

    ، وتبددت الأملاك القديمة لعائلة المير ، ولم يبق منها الا فتات الاشياء مذكرا اياهم بعز الاسلاف !







    المزججات الملونة وشناشيل بنت الجلبي




    كان يقف ، وهو في طريقه الى مدرستة المحمودية ليستمتع بمناظر البيت الفخم الذي كانت تزينه الشرفات الخشبية التي تعلوها المزججات الملونة ، وقد انعكست عليها اضواء الشمس ، فتكّون الشناشيل اروع صورة في مخيلة ذلك الصبي الذي لا يقف عن التأمل في المعاني والاشياء ..

    لقد ولدت شناشيل ابنة الجلبي منذ زمن الطفولة .. كان يلمح ابنة الجلبي في تلك الشناشيل او يتخيلها جالسة هناك في الاعالي وهي تقاسم الشمس الاضواء ، وخصوصا بعد زخات مطر مفاجئة .. لم يكن أحد يعرف من تكون ابنة الجلبي ، ولكنني تأكدت بعد بحث عميق من هي تلك " الابنة " التي كانت تقف عند تلك الشناشيل الجميلة التي تميزت بها واجهات بيت آل العبد الواحد .



    رحيل جدته أمينة



    نعم ، بدأ منذ مرحلة مبكرة ينظم الشعر بالعراقية الدارجة ، وهو يصف الطبيعة بأبهى صورها ، او يسخر من بعض زملائه مثيرا الانتباه .. وقع شعره عند مسامع معلميه ، فانتبهوا إليه .. اخذوا يشجعونه على كتابة الشعر بالفصحى .. كان يغيب ، ثم يعود .. مرحلة مراهقة صعبة من حياته ، يهاجر فيها بخياله إلى أماكن يتخيلها وهو يتأمل اسرار المكان الجميل .. كان قوي الارادة بحيث يختزن احزانه ولواعجه في الأعماق ، ولكنه يبدو هاشا باشا ومسرورا بحياته المفعمة بكل جديد ، فهو يعد نفسه ابن عراق جديد أسسه فيصل الأول ..

    ويبدو انه اكتوى بنار الحب عندما عشق راعية اسمها هاله ، وأحبها ليس إلا تعويضا للحب الذي افتقده .. ولكنه اكتوى بحزن جديد من جديد للانسان التي احبها ، ولمن كانت مستودعه .. لقد ماتت جدته أمينة التي منحته الاهتمام والعطف والمحبة ..

    ولكنه كان قد صلب عوده عندما رحلت في ايلول/سبتمبر 1942 وهو في السابعة عشرة من العمر . رثاها وهو يذرف الدمع عليها ويئن من شدة الاسى ..









    تجربة الانسحاق: مرجل للبركان العراقي





    لقد مرت به تجربة الشعور بالظلم ، اذ ترسخت لديه المشاعر ان عائلته قد ظلمتها قوى الملاكين الكبار التي استغلت اهله واملاكهم ..

    لم يكن واقعيا في فهم الحياة ، بل عالجها برؤى رومانسية ، كشاعر خصب العاطفة وبخيال جامح .. كان يؤمن بالمثاليات فتراه دوما يصطدم بواقعية الاشياء الصعبة وممارساتها بحيث يفتري القوي على الضعيف ، فيكبحه ويسيطر عليه .. كان يشعر انه واسرته قد تعرضوا لظلم كبير ..

    وان الإحساس بالظلم من أصعب الأشياء التي تسحق الإنسان ، وان الإحساس بالانسحاق يولّد الانفجار .. كان مسحوقا بابويه ومسحوقا باسرته ومسحوقا بشكله الذي كان يؤذيه كلما وجد نفسه امام المرآة .. كان لا يتخلص من تعليقات هذا او ذاك .. لقد تكّون في اعماق السيّاب سيابا بركانيا هائلا .. لا يقوى السيّاب العادي من ايقاف امواجه الصاخبة التي ستتدفق طوال حياته القصيرة .

    ان احاسيسه بالانسحاق بعد رحيل جدته ، ومشكلات الجد المالية ، قد جعلته يهرب بشكل عادي نحو بغداد ليتشّكل السيّاب الجديد ويترك السيّاب القديم في جيكور !!



    التحّول الى انسان جديد في القطار نحو بغداد



    لقد رحل السّياب عن موطنه الذي عشقه عشقا لا متناهيا ، وهو في القطار الصاعد نحو بغداد تاركا السّياب الاول كي تبدأ حياة السّياب الثاني مذ ولد سيابا جديدا ببغداد التي اكمل فيها ثانويته ،

    وبعد تخرّجه من الثانوية صيف 1943 ، وقـبل طالبا ، وهو في مقتبل العمر في دار المعلمين العالية ببغداد .. وكانت تلك " الدار " من اشهر اكاديميات الشرق الاوسط قاطبة نظرا لامكاناتها المعرفية ، ونظام التعليم فيها وازدحامها بالمبدعين القادمين والزاحفين عليها بجدارة متناهية من كل أنحاء العراق وبقيت منارة حضارية وثقافية عراقية تشع بنخبة رائعة من أقوى المبدعين العراقيين الذين اثروا الثقافة العربية بأروع الأعمال .. ولكنها ، ويا للأسف الشديد ، انهارت بعد العام 1958 ،

    لتغدو كلية بائسة لا يتخرج فيها الا البعض من الخريجين العاديين وزاد انسحاقها عندما غدت مصنعا مؤدلجا وأداة نظام حكم جائر .. كان بدر في السابعة عشرة من عمره ليقضى فيها أربعة أعوام ..





    الحنين الى البصرة .. من خصب شوق بغداد



    لقد شعر السّياب الجديد انه انسان حر يمتلك ارادته هنا ، ويقول ما يؤمن به ها هنا .. ويلوذ بالاشعار التي وجد فيها مخلصا من كل مخزونه ، ومعبرأ اساسيا عن كل ما طواه اللا وعي عنده منذ سنين ..

    لقد كتب السياب خلال تلك الفترة عدة قصائد مترعة بالحنين والشوق إلى القرية التي كانت حاضنته الاولى ، وكتب الى الراعية هالة التي احبها ..

    ويكتب قصائده العمودية أغنية السلوان و تحية القرية.. الخ
    في بغداد الواسعة الكبيرة يمضي في شوارعها ، وهو شاب هزيل لا يعرفه أحد ، يرتاد مقاهيها ويجالس بعض ادبائها ، فينتصر لنفسه عندما ينشر له ناجي العبيدي اول قصيدة شعرية في جريدة الاتحاد ..

    وهي اول قصيدة تنشر لبدر ، فيفرح فرحا شديدا يجعله لا ينام الليل من هذا الانتصار الذي حققه ببغداد .. فما وجده في بغداد يعاكس كل ما لاقاه وصادفه في موطنه الاول ..

    ولكن السياب الجديد لا ينفصل ابدا عن ذاك القديم بكل انسحاقاته ، فالسياب الجديد يعّبر الآن سايكلوجيا عن سياب قديم بكل مرارة ولوعة .



    صانع العباقرة العراقيين





    لقد حظي السياب باروع عميد اكاديمي في حياة العراق إبان القرن العشرين ، كان يسمى بالدكتور متي عقراوي عميد تلك " الدار " الرائعة ..

    وغدا اول رئيس لجامعة بغداد .. وكان الرجل قد فسح المجال امام الشباب المبدعين لينطلقوا بمواهبهم وملكاتهم وثقافتهم في تلك الدار العالية .. ووافق في العام 1944-1945 على تأسيس الشباب جماعة اسموها " اخوان عبقر" وكانت تقيم الحفلات والمواسم الشعرية ، فكان بدر من المؤسسين الى جانب زميلته الشاعرة نازك الملائكة وغيرهما ..

    في حين لم ينضم اليها غيرهم من الشعراء الطلبة الشباب . وفي كل من الدار صباحا ، والمقاهي الأدبية مساء يلمع نجم السيّاب في كل من البرازيلية والبلدية والزهاوي ..

    وهناك يتشكّل لأول مرة نظام رواد حركة الشعر الحر التي ضمت السياب وبلند والبياتي وعبد الرزاق عبد الواحد ورشيد ياسين وسليمان العيسى وشاذل طاقة .. وثمة تجمعا أشبه بتشكيل من نوع آخر جمع حازم سعيد واحمد الفخري وعاتكة وهبي الخزرجي وغيرهم .

    لقد حظيت الثقافة العراقية الحديثة في كل من عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين بأهم مرحلة حرة من الإبداع والمنجزات الهائلة .. وتعد مرحلة الستينيات امتداد لها حتى حلول الفجيعة التاريخية !





    غرابة الشاعر واعجوبة الشكل والمضمون





    بدر في حجم جسمه ، صغير نحيل ضئيل، له عنق مشرأب ، وعلى جنبي رأسه أذنان كبيرتان .. ويمتد تحت جبهته العريضة خشم كبير مع ملمح لعينين صغيرتين تتحركان بلولبية سريعة على الجانبين ..وفم واسع تبرز الشفة العليا عالية ويصعب عليه اطباقها على الشفة السفلى ..
    وتبرز أسنانه كل مرة نظرا لاضطراب الوجه الذي اخذ لون القمح العراقي ، وبوجنتين ناتئتين تمثلان علامتي استفهام لكل حياتنا العراقية التي لا منتهى لاسئلتها الصعبة أبدا ..

    هذا الشاعر الشاب النحيل القادم من اعماق الجنوب الدافئ .. يعترف به وبسرعة البرق كل الجمع المثقف في دار المعلمين العالية ، ويشتهر فجأة على مهوى البنات قبل البنين .. بدأن يتناقلن شعره من دفتره الذي ضمه عيون شعره ، وهو نفسه الذي اصدره عام 1947 بعنوان " ازهار ذابلة " .





    نحو عالم جديد برفقة عالمية





    يقتحم السياب عالم الشعر الحديث بالانكليزية بعد أن يصرف الساعات الطوال ليخوض في عوالم ومرئيات وابداعات وود زورت وكيتس وشيلي .. واليوت واديث سيتويل .. وغيرهم ، ويقرأ ترجمة " أزهار الشر " لبودلير فيهواها من اعماقه ..

    كما يعشق احدى زميلاته الشاعرات الذكيات ، إلا أنها تطارحه الهوى حينا وتحجم احيانا .. يتعذب ويتلظى ، ولكنها تسهم أيضا في تكوينه الأخير .. ولا اعتقد أن دينهما قد ابعدهما عن بعضهما الآخر ،

    بقدر ما كان لكل من الاثنين طبيعته وافكاره وتربيته .. فيزيد ذلك من احباطه ، خصوصا ، إذا علمنا بأنه قد تعّلق بها أكثر مما هي تعلّقت به .. وربما كانت تتلاعب بعواطفه ، وربما أحبته هي الأخرى ، ولكن ثمة أشياء جعلتها لا تواصل حياتها معه ، فيهرب إلى أن يكون صاحب تجربة سياسية ماركسية في مخاض لا يستقيم وانفاسه وحريته كشاعر وفنان ..





    تجربة المثقف والسياسي السجين



    وكان الثمن ، الفصل من الدراسة لسنة اكاديمية كاملة في الكلية ، ومن ثم إدخاله السجن عام 1946 لفترة وجيزة ، وسجن ثانية في العام 1948 اثر صدور ديوانه " أزهار ذابلة " بتقديم من الصحفي العراقي الكبير روفائيل بطي ،

    اذ قام الاخير بجهده في نشر الديوان بمصر ، وكانت الانطلاقة التاريخية بذكاء منقطع النظير سواء في حرية البناء الشعري ، أو انطلاقة القافية من مهجعها ، أو التناغم مع اوزان الشعر من بيت شعري لآخر ، وكان يحاكي الشعر الغربي ..

    وهنا تتمثّل جرأة السياب وشجاعته في ابتكار ما لم يكن مألوفا في الحياة الشعرية العربية وبمنتهى الذكاء في الخروج من جمود الطرق التقليدية .. السجن محطة زادت من كرهه للنظام الحاكم ،

    ولكنه كما يبدو لي ، إن الرجل لم يعرف الاستقرار على كراهية الأشياء ، إذ سرعان ما تتغلب عنده نزعة الرضى والمودة للأشياء .. إذ كان ، وربما لا يشعر بذلك ، انه اكبر من بقية الأشياء التافهة .





    واخيرا .. الخلود على مر العصور





    هكذا ، كان التكوين وتطور الموهبة الى ان انصقلت

    بمعرفة واسعة ، وببطولة يصعب الأداء فيها من قبل الاخرين .. فلقد كان تكوينا غير عادي ابدا لشاعر

    لم يطل به الشوط ، اذ رحل مبكرا وهو في قمة العطاء ، ولكن ليسجل أروع النصوص التي ستبقى رمزا لما انجبه العراق . إن السيّاب هو علامة فارقة لما نتج عن مرحلة صعبة مزدحمة بالتناقضات ،

    ولكنه يعد ابنها الحقيقي لجيل ولد على عهد تأسيسي للعراق الحديث ، أي على عهد فيصل الأول ، وهو جيل رائع بعطائه الثر في مختلف واجهاته الثقافية ..

    لقد كان السيّاب ـ أيضا ـ صاحب مشروع شعري متميز في الثقافة العربية الحديثة ، ولأول مرة ، رفقة زملائه الآخرين الذين شاركوه تكوينه الأكاديمي .

    إن ما يميّز السياب في تكوينه الأول منطلقاته التي رأيناها منذ طفولته : الطبيعة .. البيت .. الأم .. القرية .. الأشجار .. أصوات الطيور .. خرير الماء وصولا إلى الشعور بالظلم والانسحاق .. البصرة وشناشيلها والرحلة بالقطار نحو بغداد .

    سيبقى السياب رمزا للعراق في القرن العشرين إلى جانب بقية رموز أخرى . وسيبقى بدر شاكر
    السياب خالدا على مد العصور .

    مؤلــفـات الســيــــاب


    الكتب الشعرية




    أزهار ذابلة- مطبعة الكرنك بالفجالة- القاهرة- ط ا- 1947


    أساطـير- منشورات دار البيان- مطبعـة الغرى الحديثـة- النجف- ط 1-


    حفار القبور- مطبعة الزهراء- بغداد- ط ا- 1952


    المومس العمياء- مطبعة دار المعرفة- بغداد- ط 1- 1954


    الأسلحة والأطفال- مطبعة الرابطة- بغداد- ط ا- 1954


    أنشودة المطر- دار مجلة شعر- بيروت- ط 1- 1960


    المعبد الغريق- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1962


    منزل الأقنان- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1963


    أزهار وأساطير- دار مكتبة الحياة- بيروت- ث ا- د. ت


    شناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1964


    إقبال- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965


    إقبال وشناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965. 13- قيثارة


    الريح- وزارة الأعلام العراقية- بغداد- ط ا- 1971


    أعاصير- وزارة الأعلام العراقية- بغداد- ط ا- 1972


    الهدايا- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974


    البواكيرـ- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربـي- بـيروت- ط ا- 1974


    فجر السلام- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974 365






    الترجمات الشعرية



    عيون الزا أو الحب و الحرب

    عن أراغون- مطبعة السلام- بغداد- بدون تاريخ

    قصائد عن العصر الذري

    عن ايدث ستويل- دون مكان للنشر ودون تاريخ

    قائد مختارة من الشعر العالمي الحديث

    دون مكان للنشر ودون تاريخ

    قصائد من ناظم حكمت

    مجلة العالم العربي، بغداد – 1951



    الأعمال النثرية

    الالتزام واللالتزام في الأدب العربي الحديث،

    محاضرة ألقيت في روما ونشرت في كتاب الأدب العربي

    المعاصر، منشورات أضواء، بدون مكان للنشر ودون تاريخ




    الترجمات النثرية


    ثلاثة قرون من الأدب - مجموعة مؤلفين،

    دار مكتبة الحياة- بيروت- جزآن، الأول

    بدون تاريخ،و الثاني 1966

    الشاعر و المخترع و الكولونيل،

    مسرحية من فصل واحد لبيتر أوستينوف، جريدة


    الأسبوع- بغداد- العدد 23- 1953


    [
    /center]




    عدل سابقا من قبل اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 7:10 am عدل 1 مرات
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:24 am


    المجموعة الكاملة للشاعر


    بدر شاكر السياب




    غريب على الخليج


    الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيل

    وعلى القلوع تظل تطوى أو تنشر للرحيل

    زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار

    .منكل حاف نصف عاري

    و على الرمال ، على الخليج

    جلس الغريب، يسرح البصر المحير فيالخليج

    : و يهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيجأعلى من العباب يهدر رغوه ومن الضجيج"

    ، صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى : عراق .كالمد يصعد ، كالسحابة، كالدموع إلى العيون

    الريح تصرخ بي : عراق

    و الموج يعول بي : عراق ، عراق ،ليس سوى عراقالبحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون

    و البحر دونك يا عراق

    .. بالأمس حين مررت بالمقهى ، سمعتك يا عراقوكنت دورة أسطوانه

    هيدورة الأفلاك في عمري، تكور لي زمانه

    .في لحظتين من الأمان ، و إن تكن فقدتمكانه

    هي وجه أمي في الظلام

    ، وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنامو هيالنخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب

    فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب

    ،منالدروب وهي المفلية العجوز وما توشوش عن

    (حزام)
    1
    وكيف شق القبر عنه أمام عفراءالجميلة


    .فاحتازها .. إلا جديلهزهراء أنت .. أتذكرين

    تنورنا الوهاجتزحمه أكف المصطلين ؟

    وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟

    ووراء بابكالقضاء

    قد أوصدته على النساء

    أبد تطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال

    .كانالرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال

    أفتذكرين ؟ أتذكرين ؟

    سعداء كنا قانعين

    . بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء

    ،حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه .كنا مداريه اللذين ينام بينهما كيانه

    أفليس ذاك سوى هباء ؟

    حلم ودورةأسطوانه ؟

    ان كان هذا كل ما يبقى فأين هو العزاء ؟

    ،أحببت فيك عراق روحي أوحببتك أنت فيه

    يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساء

    .و الليل أطبق ،فلتشعا في دجاه فلا أتيه

    لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء

    الملتقىبك و العراق على يدي .. هو اللقاءشوق يخض دمي إليه ، كأن كل دمي اشتهاء

    جوعإليه .. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء

    شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلىالولاده

    إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

    أيخون إنسان بلاده؟

    إن خانمعنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟

    الشمس أجمل في بلادي من سواها ، والظلام

    .حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق

    واحسرتاه ، متىأنام

    فأحس أن على الوساده

    ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق ؟


    بين القرىالمتهيبات خطاي و المدن الغريبة

    ،غنيت تربتك الحبيبة

    وحملتها فأنا المسيح يجرفي المنفى صليبه ،

    فسمعت وقع خطى الجياع تسير ، تدمي من عثار

    .فتذر في عيني ،منك ومن مناسمها ، غبارما زلت اضرب مترب القدمين أشعث ، في الدروب

    ،تحتالشموس الأجنبيهمتخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديه

    صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب

    ،بين العيون الأجنبيهبين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو ( خطيه) 2
    (و الموت أهون من (خطيه

    من ذلك الإشفاق تعصره العيونالأجنبيه

    قطرات ماء ..معدنيه

    ،فلتنطفئ ، يا أنت ، يا قطرات ، يا دم ، يا ..

    نقود
    يا ريح ، يا إبرا تخيط لي الشراع ، متى أعود

    إلى العراق ؟ متى أعود؟

    يا لمعة الأمواج رنحهن مجداف يرود

    .بي الخليج ، ويا كواكبه الكبيرة .. يانقود

    ليت السفائن لا تقاظي راكبيها من سفار

    أو ليت أن الأرض كالأفقالعريض ، بلا بحار

    ما زلت أحسب يا نقود ، أعدكن و استزيد ،

    ما زلت أنقض ، يانقود ، بكن من مدد اغترابي

    ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي

    في الضفةالأخرى هناك . فحدثيني يا نقود

    متى أعود ، متى أعود ؟

    أتراه يأزف ، قبل موتي، ذلك اليوم السعيد ؟

    سأفيق في ذاك الصباح ، و في السماء من السحاب

    ،كسر، وفيالنسمات برد مشبع بعطور آبو أزيح بالثوباء بقيا من نعاسي كالحجاب

    :منالحرير ، يشف عما لا يبين وما يبين .عما نسيت وكدت لا أنسى ، وشك فييقين

    ويضئ لي _ وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي-

    ما كنت ابحث عنه في عتمات نفسيمن جواب

    لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب ؟

    اليوم _ و اندفق السرور علييفجأني- أعود


    واحسرتاه .. فلن أعود إلى العراق

    وهل يعود

    من كان تعوزهالنقود ؟ وكيف تدخر النقود

    و أنت تأكل إذ تجوع ؟ و أنت تنفق ما تجود

    بهالكرام ، على الطعام ؟

    لتبكين على العراق

    فما لديك سوى الدموع

    .وسوىانتظارك ، دون جدوى ، للرياح وللقلوع

    الكويت 1953
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:27 am


    أنشودة المطر

    عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ،

    أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .

    عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

    وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهَرْ

    يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر

    كأنما تنبض في غوريهما ، النّجومْ ...

    وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

    كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء ،

    دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،

    والموت ، والميلاد ، والظلام ، والضياء ؛

    فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء

    ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء

    كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر !

    كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

    وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر ...

    وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم ،

    ودغدغت صمت العصافير على الشجر

    أنشودةُ المطر ...

    مطر ...

    مطر ...

    مطر ...

    تثاءب المساء ، والغيومُ ما تزالْ

    تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ .

    كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :

    بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ

    فلم يجدها ، ثمَّ حين لجّ في السؤال

    قالوا له : "بعد غدٍ تعودْ .. "

    لا بدَّ أن تعودْ

    وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ

    في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ

    تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛

    كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباك

    ويلعن المياه والقَدَر

    وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ .

    مطر ..

    مطر ..

    أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟

    وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟

    وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟

    بلا انتهاء – كالدَّم المراق ، كالجياع ،

    كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !

    ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

    وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ

    سواحلَ العراق بالنجوم والمحار ،

    كأنها تهمّ بالشروق

    فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ .

    أَصيح بالخليج : " يا خليجْ

    يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى ! "

    فيرجعُ الصّدى

    كأنّه النشيجْ :

    " يا خليج

    يا واهب المحار والردى .. "

    أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ

    ويخزن البروق في السّهول والجبالْ ،

    حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ

    لم تترك الرياح من ثمودْ

    في الوادِ من أثرْ .

    أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

    وأسمع القرى تئنّ ، والمهاجرين

    يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ،

    عواصف الخليج ، والرعود ، منشدين :

    " مطر ...

    مطر ...

    مطر ...

    وفي العراق جوعْ

    وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

    لتشبع الغربان والجراد

    وتطحن الشّوان والحجر

    رحىً تدور في الحقول ... حولها بشرْ

    مطر ...

    مطر ...

    مطر ...

    وكم ذرفنا ليلة الرحيل ، من دموعْ

    ثم اعتللنا – خوف أن نلامَ – بالمطر ...

    مطر ...

    مطر ...

    ومنذ أنْ كنَّا صغاراً ، كانت السماء

    تغيمُ في الشتاء

    ويهطل المطر ،

    وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ

    ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ .

    مطر ...

    مطر ...

    مطر ...

    في كل قطرة من المطر

    حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ .

    وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة

    وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ

    فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد

    أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ

    في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة !

    مطر ...

    مطر ...

    مطر ...

    سيُعشبُ العراق بالمطر ... "

    أصيح بالخليج : " يا خليج ..

    يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "

    فيرجع الصدى

    كأنَّه النشيج :

    " يا خليج

    يا واهب المحار والردى . "

    وينثر الخليج من هِباته الكثارْ ،

    على الرمال ، : رغوه الأُجاجَ ، والمحار

    وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق

    من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

    من لجَّة الخليج والقرار ،

    وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ

    من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى .

    وأسمع الصدى

    يرنّ في الخليج

    " مطر ..

    مطر ..

    مطر ..

    في كلّ قطرة من المطرْ

    حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ .

    وكلّ دمعة من الجياع والعراة

    وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ

    فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد

    أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ

    في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة . "

    ويهطل المطرْ ..




    أنشودة المطر باللغة الانكليزية


    RAIN SONG



    Your eyes are two palm tree forests in early light,

    Or two balconies from which the moonlight recedes

    When they smile, your eyes, the vines put forth their leaves,
    And lights dance . . . like moons in a river

    Rippled by the blade of an oar at break of day;

    As if stars were throbbing in the depths of them . . .


    And they drown in a mist of sorrow translucent

    Like the sea stroked by the hand of nightfall;

    The warmth of winter is in it, the shudder of autumn,

    And death and birth, darkness and light;

    A sobbing flares up to tremble in my soul

    And a savage elation embracing the sky,

    Frenzy of a child frightened by the moon.

    It is as if archways of mist drank the clouds

    And drop by drop dissolved in the rain . . .

    As if children snickered in the vineyard bowers,

    The song of the rain


    Rippled the silence of birds in the trees . . .

    Drop, drop, the rain
    Drip
    Dropthe rain

    Evening yawned, from low clouds

    Heavy tears are streaming still.

    It is as if a child before sleep were rambling on

    About his mother (a year ago he went to wake her, did not find her,

    Then was told, for he kept on asking,

    "After tomorrow, she'll come back again . . .

    That she must come back again,

    Yet his playmates whisper that she is there

    In the hillside, sleeping her death for ever,

    Eating the earth around her, drinking the rain;

    As if a forlorn fisherman gathering nets

    Cursed the waters and fate
    And scattered a song at moonset,

    Drip, drop, the rain

    Drip, drop, the rain

    Do you know what sorrow the rain can inspire?

    Do you know how gutters weep when it pours down?

    Do you know how lost a solitary person feels in the

    rain?

    Endless, like spilt blood, like hungry people, like love,

    Like children, like the dead, endless the rain.

    Your two eyes take me wandering with the rain,

    Lightning's from across the Gulf sweep the shores of

    Iraq

    With stars and shells,

    As if a dawn were about to break from them, But night

    pulls over them a

    coverlet of blood. I cry out to the Gulf: "O Gulf,

    Giver of pearls, shells and death!"

    And the echo replies,


    As if lamenting:

    "O Gulf,

    Giver of shells and death .


    I can almost hear Iraq husbanding the thunder,

    Storing lightning in the mountains and plains,

    So that if the seal were broken by men

    The winds would leave in the valley not a trace of Thamud.

    I can almost hear the palmtrees drinking the rain,

    Hear the villages moaning and emigrants

    With oar and sail fighting the Gulf

    Winds of storm and thunder, singing

    "Rain . . . rain . . .

    Drip, drop, the rain . . .

    And there is hunger in Iraq,

    The harvest time scatters the grain in-it,

    That crows and locusts may gobble their fill,

    Granaries and stones grind on and on,

    Mills turn in the fields, with them men turning . . .

    Drip, drop, the rain . . .
    Drip

    Drop

    When came the night for leaving, how many tears we

    shed,

    We made the rain a pretext, not wishing to be blamed

    Drip, drop, the rain

    Drip, drop, the rain

    Since we had been children, the sky

    Would be clouded in wintertime,


    And down would pour the rain,

    And every year when earth turned green the hunger

    struck us.

    Not a year has passed without hunger in Iraq.

    Rain . . .

    Drip, drop, the rain . . .

    Drip, drop . . .

    In every drop of rain

    A red or yellow color buds from the seeds of flowers.

    Every tear wept by the hungry and naked people

    And every spilt drop of slaves' blood

    Is a smile aimed at a new dawn,

    A nipple turning rosy in an infant's lips

    In the young world of tomorrow, bringer of life.

    Drip.....

    Drop..... the rain . . .In the rain.

    Iraq will blossom one day '

    I cry out to the Gulf: "O Gulf,

    Giver of pearls, shells and death!"

    The echo replies


    As if lamenting:

    'O Gulf,

    Giver of shells and death."

    And across the sands from among its lavish gifts

    The Gulf scatters fuming froth and shells

    And the skeletons of miserable drowned emigrants

    Who drank death forever

    From the depths of the Gulf, from the ground of its

    silence,

    And in Iraq a thousand serpents drink the nectar

    From a flower the Euphrates has nourished with dew.

    I hear the echo


    Ringing in the Gulf:
    "Rain . . .

    Drip, drop, the rain . . .

    Drip, drop."

    In every drop of rain

    A red or yellow color buds from the seeds of flowers.

    Every tear wept by the hungry and naked people

    And every spilt drop of slaves' blood

    Is a smile aimed at a new dawn,

    A nipple turning rosy in an infant's lips

    In the young world of tomorrow, bringer of life.

    And still the rain pours down
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:32 am

    النهر و الموت


    1

    بويب

    بويب

    أجراس برج ضاع في قارة البحر

    الماء في الجرار، و الغروب في الشجر

    وتنضج الجرار أجراسا من المطر

    بلورها يذوب في أنين

    " بويب .. يا بويب"

    فيدلهم في دمي حنين

    إليك يا بويب

    يا نهري الحزين كالمطر

    أود لو عدوت في الظلام

    أشد قبضتي تحملان شوق عام

    في كل إصبع كأني أحمل النذور

    إليك من قمح و من زهور

    أود لو أطل من أسرة التلال

    لألمح القمر

    يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال

    و يملأ السلال


    بالماء و الأسماك و الزهر

    أود لو أخوض فيك أتبع القمر

    و اسمع الحصى يصل منك في القرار

    صليل آلاف العصافير على الشجر


    أغابة من الدموع أنت أم نهر؟

    و السمك الساهر هل ينام في السحر؟

    و هذه النجوم هل تظل في انتظار

    تطعم بالحرير آلاف من الإبر ؟

    و أنت يا بويب

    أود لو غرقت فيك ألقط المحار

    أشيد منه دار

    يضيء فيها خضرة المياه و الشجر

    ما تنضح النجوم و القمر

    و أغتدي فيك مع الجزر إلى البحر

    فالموت عالم غريب يفتن الصغار

    وبابه الخفي كان فيك يا بويب


    2
    بويب .. يا بويب

    عشرون قد مضين كالدهور كل عام

    و اليوم حين يطبق الظلام


    و استقر في السرير دون أن أنام

    و ارهف الضمير دوحة إلى السحر

    مرهفة الغصون و الطيور و الثمر

    أحس بالدماء و الدموع كالمطر

    ينضحهن العالم الحزين

    أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين

    فيدلهم في دمي حنين

    إلى رصاصة يشق ثلجها الزؤام

    أعماق ، كالجحيم يشعل العظام

    أود لو عدوت أعضد المكافحين

    اشد قبضتي ثم أصفع القدر

    أود لو غرقت في دمي إلى القرار

    لأحمل العبء مع البشر

    و أبعث الحياة ، إن موتي انتصار.





    DEATH AND THE RIVER
    Buwayb

    Buwayb

    Bells of a tower lost in the sea bed

    dusk in the trees, water in the jars
    spilling rain bells

    crystals melting with a sigh

    `Buwayb ah Buwayb,"

    and a longing in my blood darkens

    for you Buwayb

    river of mine, forlorn as the rain.

    I want to run in the dark

    gripping my fists tight

    carrying the longing of a whole year

    in each finger, like someone bringing you

    gifts of wheat and flowers.

    I want to peer across the crests of the hills,

    catch sight of the moon
    as it wades between your banks, planting shadows filling baskets

    with water and fish and flowers.

    I want to plunge into you, following the moon,



    hear the pebbles hiss in your depths,

    sibilance of a thousand birds in the trees.

    Are you a river or a forest of tears?

    And the insomniac fish, will they sleep at dawn?

    And these stars, will they stop and wait

    feeding thousands of needles with silk?

    And you Buwayb .

    I want to drown in you, gathering shells,

    building a house with them, where the overflow

    from stars and moon

    soaks into the green of trees and water,

    and with your ebb in the early morning go to the sea. For death is a

    strange world fascinating to children, and its door was in you,


    mysterious,

    Buwayb . Buwayb ah Buwayb.

    twenty years have passed each one a lifetime.

    And this day when the dark closes in,

    when I lie still and do not sleep,

    and listen with my conscience keen-a great tree reaching toward

    first

    light, sensitive


    its branches, birds, and fruit-

    I feel like rain the blood, the tears shed

    Shed by the sad world;

    my death bells ring and shake my veins,

    and in my blood a longing darkens

    for a bullet whose deadly ice

    might plow through my soul in its depths, hell

    setting the bones ablaze.

    I want to run out and link hands with others in the struggle,

    clench my fists and strike Fate in the face.

    I want to drown in my deepest blood

    that I may share with the human race its burden

    and carry it onward, giving birth to life


    My death


    shall be a victory.


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:35 am

    سفر أيوب


    كتب الشاعر هذه القصيدة بعد ان أصيب بمرض السل الرئوي في

    الخمسينات حتى إذا تفاقم عليه المرض الذي كان من الأمراض

    الصعبة العلاج آنذاك

    توجه إلى لندن لغرض العلاج، وقد أبدع قلمه بالأبيات

    المدوّنة أدناه وهو على سرير المستشفى هناك يشُكر فيها

    الباري على نِعمه التي لا تحصى .


    سفر أيوب



    لك الحمد مهما استطال البلاء

    ومهما استبدّ الألم

    لك الحمد، إن الرزايا عطاء

    وإن المصيبات بعض الكرم

    ألم تُعطني أنت هذا الظلام

    وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

    فهل تشكر الأرض قطر المطر

    وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

    *****

    شهور طوال وهذي الجراح

    تمزّق جنبي مثل المدى

    ولا يهدأ الداء عند الصباح

    ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى

    ولكنّ أيّوب إن صاح صاح:

    لك الحمد، إن الرزايا ندى

    وإنّ الجراح هدايا الحبيب

    أضمّ إلى الصّدر باقاتها

    هداياك في خافقي لا تغيب

    هداياك مقبولة. هاتها

    *****

    أشد جراحي وأهتف

    بالعائدين:

    ألا فانظروا واحسدوني

    فهذى هدايا حبيبي

    جميل هو السّهدُ أرعى سماك

    بعينيّ حتى تغيب النجوم

    ويلمس شبّاك داري سناك

    جميل هو الليل أصداء يوم

    وأبواق سيارة من بعيد

    وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

    أساطير آبائها للوليد

    وغابات ليل السُّهاد الغيوم

    تحجّبُ وجه السماء

    وتجلوه تحت القمر

    وإن صاح أيوب كان النداء:

    لك الحمد يا رامياً بالقدر

    ويا كاتباً، بعد ذاك، الشّفاء

    بدر شاكر السياب

    لندن


    26/12/1962
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:39 am

    شناشيل أبنة الجلبي


    و أذكر من شتاء القرية النضاح فيه النور

    من خلل السحاب كأنه النغم


    تسرب من ثقوب المعزف - ارتعشت له الظلم

    وقد غنى - صباحا قبل

    فيم أعد ؟ طفلا كنت أبتسم

    لليلي أو نهاري أثقلت أغصانه

    النشوى عيون الحور

    وكنا - جدنا الهدار يضحك أو يغني

    في ظلال الجوسق القص

    وفلاحيه ينتظرون : " غيثك يا اله"

    و أختي في غابة اللعب

    يصيدون الأرانب و الفراش

    و (أحمد) الناطور

    نحدق في ظلال الجوسق السمراء في النهر

    ونرفع للسحاب عيوننا : سيسل بالقطر

    وأرعدت السماء فرن قاع النهر

    و ارتعشت ذرى السعف

    و أشعلهن ومض البرق أزرق ثم أخضر ثم تنطفئ

    وفتحت السماء لغيثها المدرار بابا بعد باب

    عاد منه النهر يضحك وهو ممتلئ

    تكلله الفقائع، عاد أخضر

    عاد أسمر، غص بالأنغام واللهف

    وتحت النخل حيث تظل تمطر كل ما سعفه

    تراقصت الفقائع وتفجر- انه الرطب

    تساقط في يد العذراء وهي تهز في لهفه

    بجذع النخلة الفرعاء تاج

    وليدك الأنوار لا الذهب،

    سيصلب منه حب الآخرين ،سيبرئ الأعمى

    ويبعث من قرار القبر ميتا هده التعب

    من السفر الطويل إلى ظلام الموت

    يكسو عظمه اللحما ويوقد قلبه الثلجي فهو بحبه يثب

    و أبرقت السماء … فلاح، حيث تعرج النهر

    وطاف معلقا من دون يلثم الماءا

    شناشيل ابنة الجلبي نور حوله الزهر

    (عقود ندى من اللبلاب تسطع منه بيضاءا

    و آسية الجملية كحل الأحداق

    منها الوجد و السهر

    يا مطرا يا حلبي

    عبر بنات الجلبي

    يا مطرا يا شاشا

    عبر بنات الباشا

    يا مطر من ذهب

    تقطعت الدروب، مقص هذا الهاطل المدار

    قطعها و واراها،

    و طوقت المعابر من جذوع النخل في الأمطار

    كغرقي من سفينة سندباد

    كقصة خضراء أرجأها و خلاها

    إلى الغد (أحمد) الناطور

    وهو يدير في الغرفة

    كوؤس الشاي، يلمس بندقيته

    ويسعل ثم يعبر طرفه الشرفه

    ويخترق الظلام

    وصاح ( يا جدي) أخي الثرثار

    " أنمكث في ظلام الجوسق المبتل ننتظر؟

    متى يتوقف المطر؟

    و أرعدت السماء، فطار منها ثمة انفجرا

    شناشيل ابنة الجلبي …

    ثم تلوح في الأفق

    ذرى قوس السحاب . وحيث كان يسارق النظرا

    شناشيل الجميلة لا تصيب العين الا حمرة الشفق

    ثلاثون انقضت، وكبرت : كم حب وكم وجد

    توهج في فؤادي

    غير أني كلما صفقت يدا الرعد

    مددت الطرف أرقب : ربما ائتلق الشناشيل

    فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي

    ولم أرها هواء كل أشواقي ، أباطيل

    و نبت دونتا ثمر ولا ورد

    لندن 24 - 2 - 1962
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:44 am



    في السوق القديم


    -1-

    الليل ،والسوق القديم

    خفتت به الأصوات ،إلا غمغمات العابرين

    وخطى .. الغريب

    وما تبثّ الريح من نغم حزين

    في ذلك الليل البهيم

    والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب

    مثل الضباب على الطريق

    من كل حانوت عتيق

    بين الوجوه الشاحبات

    كأنّه نغم يذوب

    في ذلك السوق القديم

    -2-

    كم طاف قبلي من غريب

    في ذلك السوق الكئيب

    فرأى وأغمض مقلتيه ، وغاب في الليل البهيم

    و ارتجّ في حلق الدخان

    خيال نافذة تضاء

    والريح تعبث بالدخان ......

    الريح تعبث ، في فتور واكتئاب ، بالدخان

    وصدى .. غناء

    يذكّر بالليالي المقمرات... وبالنخيل

    وأنا .الغريب أظل أسمعه... وأحلم بالرحيل

    في ذلك السوق القديم

    -3-

    وتناثر الضوء الضئيل على البضائع .. كالغبار

    يرمي الظلال ..على الظلال

    كأنّها اللحن الرتيب

    ويريق ألوان المغيب الباردات ، على الجدار

    بين الرفوف الرازحات ، كأنها سحب المغيب

    الكوب يحلم بالشراب وبالشفاه

    ويدٍ تلونها الظهيرة... والسراج

    أو النجوم

    ولربما بردت عليه ، وحشرجت فيه الحياة

    في ليلة ظلماء.. باردة الكواكب والرياح

    في مخدع سهر السراج به

    وأطفأه .. الصباح

    -4-

    ورأيت من خلل الدخان ، مشاهد الغد ..كالظلال

    تلك المناديل الحيارى... وهي توميء بالوداع

    أو تشرب الدمع الثقيل .. وما تزال

    تطفو .. وترسب في خيالي

    هوّم العطر المضاع فيها

    وخضّبها ..الدم الجاري

    لون الدّجى ... وتوقّد النار

    يجلو الأريكة ثم تخفيها الظلال الراعشات

    وجه أضاء ... شحوبه اللهب

    يخبو ... ويسطع ... ثم يحتجب

    ودم

    يغمغم وهو يقطر ثم يقطر

    مات ... مات

    -5-

    الليل، والسوق القديم، وغمغمات العابرين

    وخطى الغريب

    وأنت أيتها الشموع ستوقدين

    في المخدع المجهول في الليل الذي لن تعرفيه

    تلقين ضوءك في ارتخاء مثل امساء الخريف

    حقل تموج به السنابل تحت أضواء الغروب

    تتجمع الغرباء فيه

    تلقين ضوءك في ارتخاء مثل امساء الخريف

    في ليلة قمراء سكرى بالأغاني في الجنوب

    نقر [الداربك] من بعيد

    يتهامس السعف الثقيل به ويصمت من جديد !

    -6-

    قد كان قلبي مثلكن، وكان يحلم باللهيب

    نار الهوى ويد الحبيب

    ما زال يحترق الحياة، وكان عام بعد عام

    يمضي، ووجه بعد وجه مثلما غاب الشراع

    بعد الشراع وكان يحلم في سكون، في سكون

    بالصدر، والفم، والعيون

    والحب ظلله الخلود .. فلا لقاء ولا وداع

    لكنه الحلم الطويل

    بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل

    -7-

    بالأمس كان وكان ثم خبا، وأنساه الملال

    واليأس، حتى كيف يحلم بالضياء- فلا حنين

    الصيف يحتضن الشتاء ويذهبان وما يزال

    كالمنزل المهجور تعوي في جوانبه الرياح

    كالسلم المنهار، لا ترقاه في الليل الكئيب

    قدم ولا قدم ستهبطه إذا التمع الصباح

    ما زال قلبي في المغيب

    ما زال قلبي في المغيب فلا أصيل ولا مساء

    حتى أتت هي والضياء!

    -8-

    ما زال لي منها سوى أنا التقينا منذ عام

    عند المساء، وطوقتني تحت أضواء الطريق

    ثم ارتخت عني يداها وهي تهمس والظلام

    أتسير وحدك في الظلام

    أتسير والأشباح تعترض السبيل بلا رفيق

    فأجبتها والذئب يعوى من بعيد من بعيد

    أنا سوف أمضي باحثا عنها سألقاها هناك

    عند السراب وسوف أبني مخدعين لنا هناك

    قالت ورجع ما تبوح به الصدى أنا من تريد

    أنا من تريد فأين تمضي ؟ فيم تضرب في القفار

    مثل الشريد أنا الحبيبة كنت منك على انتظار

    أنا من تريد وقبلتني ثم قالت والدموع

    في مقلتيها غير أنك لن ترى حلم الشباب

    بيتا على التل البعيد يكاد يخفيه الضباب

    لولا الأغاني وهي تعلو نصف وسنى والشموع

    تلقى الضياء من النوافذ في ارتخاء في ارتخاء

    أنا من تريد وسوف تبقى لا ثواء ولا رحيل

    حب إذا أعطى الكثير فسوف يبخل بالقليل

    لا يأس فيه ولا رجاء

    -10-

    أنا أيها النائي القريب

    لك أنت وحدك غير أنى لن أكون

    لك أنت أسمعها وأسمعهم ورائي يلعنون

    هذا الغرام أكاد أسمع أيها الحلم الحبيب

    لعنات أمي وهي تبكي أيها الرجل الغريب

    إني لغيرك بيد أنك سوف تبقى لن تسير

    قدماك سمرتا فما تتحركان ومقلتاك

    لا تبصران سوى طريقي أيها العبد الأسير

    أنا سوف أمضي فاتركيني : سوف ألقاها هناك

    عند السراب

    فطوقتني وهي تهمس : لن تسير

    -11-

    أنا من تريد، فأين تمضي بين أحداق الذئاب

    تتلمس الدرب البعيد

    فصرخت : سوف أسير ما دام الحنين إلى السراب

    في قلبي الظامي دعيني أسلك الدرب البعيد

    حتى أراها في انتظاري : ليس أحداق الذئاب

    أقسى على من الشموع

    في ليلة العرس التي تترقبين، ولا الظلام

    والريح والأشباح أقسى منك أنت أو الأنام !

    أنا سوف أمضي ! فارتخت عني يداها والظلام

    يطغي ...

    و لكني وقفت وملء عيني الدموع !

    في ليلة العرس التي تترقبين، ولا الظلام

    والريح والأشباح أقسى منك أنت أو الأنام !

    أنا سوف أمضي ! فارتخت عني يداها والظلام

    يطغي ...
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:46 am


    في الليل


    الغرفة موصدة الباب

    والصمت عميق

    وستائر شباكي مرخاة

    رب طريق

    يتنصت لي يترصد بي خلف الشباك وأثوابي

    كمفزع بستان سود

    أعطاها الباب المرصود

    نفسا ذربها حسا فتكاد تفيق

    من ذاك الموت و تهمس بي و الصمت عميق

    لم يبق صديق

    ليزورك في الليل الكابي

    و الغرفة موصدة الباب

    و لبست ثيابي في الوهم

    و سريت ستلقاني امي

    في تلك المقبرة الثكلى

    ستقول اتقتحم الليلا

    من دون رفيق

    جوعان أتأأكل من زادي

    خروب المقبرة الصادي

    و الماء ستنهله نهلا

    من صدر الارض

    الا ترمي

    اثوابك و البس من كفني

    لم يبل عن مر الزمن

    عزريل الحائك اذ يبلى

    يرفوه تعال و نم عندي

    اعددت فراشا في لحدي

    لك يا اغلى من اشواقي

    للشمس لامواه النهر

    كسلى تجري

    لهتاف الديك اذا دوى في الافاق

    في يوم الحشر

    سآخذ دربي في الوهم

    و أسير فتلقاني أمي
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:49 am

    ي القرية الظلماء


    -1-

    الكوكب الوسنان يطفيء ناره خلف التلال

    و الجدول الهدار يسبره الظلام

    إلا وميضاً لا يزال

    يطفو و يرسب مثل عين لا تنام

    ألقى به النجم البعيد

    يا قلب ما لك لست تهدأ ساعة؟ ماذا تريد؟

    النجم غاب و سوف يشرق من جديد بعد حين

    و الجدول الهدار هينم ثم نام

    أما الغرام دع التشوق يا فؤادي و الحنين!

    **

    -2-

    أأظل أذكرها و تنساني ؟

    وأبيت في شبه احتضار و هي تنعم بالرقاد ؟

    في ناظريها المسبلين على الرؤى أما فؤادي

    فيظل يهمس في ضلوعي

    باسم التي خانت هواي يظل يهمس في خشوع

    أني سأغفو بعد حين سوف أحلم في البحار:

    هاتيك أضواء المرافيء و هي تلمع من بعيد

    تلك المرافيء في انتظار

    تتحرق الأضواء فيها مثل أصداء تبيد

    **

    -3-

    القرية الظلماء خاوية المعابرة و الدروب

    تتجاوب الأصداء فيها مثل أيام الخريف

    جوفاء في بطء تذوب

    واستيقظ الموتى هناك على التلال على التلال

    الريح تعول في الحقول و ينصتون إلى الحفيف

    يتطلعون إلى الهلال

    في آخر الليل الثقيل و يرجعون إلى القبور

    يتساءلون متى النشور!!

    و الآن تقرع في المدينة ساعة البرج الوحيد

    لكني في القرية الظلماء في الغاب البعيد

    **

    -4-

    دعها تحب سواي تقضي في ذراعيه النهار

    و تراه في الأحلام يعبس أو يحدث عن هواه

    فغداً سيهوى ساعداه

    مثل الجليد على خطوط باهتات في إطار

    و على الرفوف الشاحبات رسائل

    عادت تلف على نسيج العنكبوت بها الوعود

    و الريح تهمس لن يعود

    ويلون المرآة ظل من سراج ذابل

    و حياله امرأة تحدق في كتاب

    بال و تبسم في اكتئاب

    **

    -5-

    الكوكب الوسنان يطفيء ناره خلف التلال

    و الجدول الهدار يسبره الظلام

    إلا وميضاً لا يزال

    يطفو و يرسب مثل عين لا تنام

    ألقى به النجم البعيد

    يا قلب مالك في إكتئاب لست تعرف ما تريد؟
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:52 am

    المسيح بعد الصلب


    بعدما أنزلوني ، سمعت الرياح
    في نواح طويل تسف النحيل
    و الخطى وهي تنأى . إذن فالجراح
    و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل
    لم تمتني . و أنصت : كان العويل
    يعبر السهل بيني و بين المدينه
    مثل حبل يشد السفينه
    وهي تهوي إلى القاع . كان النواح
    مثل خيط من النور بين الصباح
    .و الدجى ، في سماء الشتاء الحزينه
    .ثم تغفو ، على ما تحس ، المدينه

    حينما يزهر التوت و البرتقال
    حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال
    حين تخضر عشباً يغني شذاها
    ،و الشموس التي أرضعتها سناها
    ،حين يخضر حتى دجاها
    .يلمس الدفء قلبي ، فيجري دمي في ثراها
    قلبي الشمس إذا تنبض الشمس نورا
    ،قلبي الأرض ، تنبض قمحا ، و زهرا ، وماء نميرا
    قلبي الماء ، قلبي هو السنبل
    .موته البعث ، يحيا بمن يأكل
    في العجين الذي يستدير
    ويدحى كنهد صغير ، كثدي الحياه
    .مت بالنار : أحرقت ظلماء طيني ن فظل الإله
    .كنت بدء ، وفي البدء كان الفقير
    ،مت ، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم
    كم حياة سأحيا : ففي كل حفره
    ،صرت مستقبلا ، صرت بذره
    صرت جيلا من الناس ، في كل قلب دمي
    .قطرة منه أو بعض قطره

    ..هكذا عدت ، فاصفر لما رآني يهوذا
    فقد كنت صره
    كان ظلا ، قد اسود مني ، وتمثال فكره
    جمدت فيه واستلت الروح منها
    خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه
    عيناه صخره)
    (راح فيها يواري عن الناس قبره
    .خاف من دفئها ، من محال عليه ، فخبر عنها
    - " أنت ؟ أم ذاك ظلي قد ابيض وارفض نورا؟
    .أنت من عالم الموت تسعى ؟ هو الموت مره
    " هكذا قال آباؤنا ، هكذا علمونا ، فهل كان زورا ؟
    .ذاك ما ظن لما رآني ، وقالته نظره

    قدم تعو ، قدم ، قدم
    القبر يكاد بوقع خطاها ينهدم
    أترى جاءوا ؟ من غيرهم ؟
    قدم .. قدم .. قدم
    ،ألقيت الصخر على صدري
    .أو ما صلبوني أمس ؟ .. فها أنا في قبر
    فليأتوا - إني في قبري
    من يدري أني .. ؟ من يدري ؟
    ورفاق يهوذا ؟ من سيصدق ما زعموا ؟
    ..قدم
    .قدم

    : ها أنا الآن عريان في قبري المظلم
    ،كنت بالأمس ألتف كالظن ، البرعم
    ،تحت أكفاني الثلج ، يخضل زهر الدم
    كنت كالظل بين الدجى و النهار
    .ثم فجرت نفسي كنوزا فعريتها كالثمار
    حين فصلت جيبي قماطا وكمي دثار
    حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار
    حين عريت جرحي ، وضمدت جرحا سواه
    .حطم السور بيني و بين الإله

    فاجأ الجند حتى جراحي ودقات قلبي
    فاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبره
    فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمره
    .سرب جوعى من الطير في قرية مقفره

    أعين البندقيات يأكل دربي
    شرع تحلم النار فيها بصلبي
    إن تكن من حديد ونار ، فأحداق شعبي
    من ضياء السموات ، من ذكريا وحب
    تحمل العبء عني فيندى صليبي ، فما أصغره
    .ذلك الموت ، موتي ، وما أكبره

    بعد أن سمروني و ألقيت عيني نحو المدينه
    : كدت لا أعرف السهل و السور و المقبره
    ،كان شئ ، مدى ما ترى العين
    ،كالغابة المزهره
    .كان ، في كل مرمى ، صليب و أم حزينه
    قدس الرب
    .هذا مخاض المدينه
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:54 am

    ذهبت


    ذهبت فاستحال بعدك النهار

    كأنه الغروب

    كأنما سحبت من خيوطه النّضار

    و ظلّل المدارج انكسار

    و مثلها انكسرت غام في خيالي الجنوب

    ينوء بالخريف

    تعرب الكروم و الجداول انطفأن و الحفيف

    يموت في ذرى النخيل و الدروب

    بصمتها انتظار

    كحل عينيك سواد نار

    تشب من قلبك من براعم النهود

    يهتف بي إذا نظرت : أنت في استعار

    يا أيها البركان من ورود

    أواه لو أشدّ عينيك إلى النهار

    إلى غد فوق دمي يحوم

    أي سماء أشعلتها رعشة النجوم

    و أثقل الظلام فيها من ندى المطر

    نظرت من قرارها إليّ كالغيوم

    تكن في اربدادها الزهر

    يا نظرة تخطفتني ريحها السموم

    إلى الضفاف الخضر من نهر

    غرقت فيه أشعليني أطفئي اللهيب

    يا نظرة يشد قلبي بالسما وتر

    يعزف مرّها عليه غنوة القمر
    .
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:57 am

    _::: هرم المغني:::_


    بالأمس كنت إذا كتبت قصيدة فرح الدم

    فأغمغم

    و أهيم ما بين الجداول و الأزاهر و النخيل

    أشدو بها أترنّم

    زاد لروحي منذ سقسقة الصباح إلى الأصيل

    زاد و لكن عنه قد صدفت تجوع و لا تريد

    ما ينعش الآمال فيها

    هي حشرجات الروح أكتبها قصائد لا أفيد

    منها سوى الهزء المرير على ملامح قارئيها

    **

    هرم المغنّي هدّ منه الداء فارتبك الغناء

    بالأمس كان إذا ترنّم يمسك اللّيل الطروب

    بنجومه المترنحات فلا تخر على الدروب

    و اليوم يهتف ألف آه لا يهز مع المساء

    سعف النخيل و لا يرجح زورق العرس المحلّى

    بعيون أرام و دفلى

    و درابك ارتعدت حناجرها فأرعدت الهواء

    **

    هرم المغني فاسمعوه برغم ذلك تسعدوه

    و لتوهموه بأن من أبد شبابا من لحون

    و هوى ترقرق مقلتاه له و ينفح منه فوه

    هو مائت أفتبخلون

    عليه حتى بالحطام من الأزاهر و الغصون

    أصغوا إليه لتسمعوه

    يرثي الشباب و لا كلام سوى نشيج بالعيون

    سلم على إذا مررت

    أتى و سلّم صدّقوه

    هرم المغنّي فارحموه

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 5:58 am

    _::: مرحى غيلان :::_


    بابا بابا

    ينساب صوتك في الظلام إليّ كالمطر الغضير

    ينساب من خلل النعاس و أنت ترقد في السرير

    من أي رؤيا جاء ؟ أي سماوة ؟ أي انطلاق

    و أظل أسبح في رشاش منه أسبح في عبير

    فكأن أودية العراق

    فتحت نوافذ من رؤاك على سهادي كلّ واد

    وهبته عشتار الأزاهر و الثمار كأنّ روحي

    في تربة الظلماء حبة حنطة و صداك ماء

    أعلنت بعثي يا سماء

    هذا خلودي في الحياة تكنّ معناه الدماء

    بابا كأنّ يد المسيح

    فيها كأن جماجم الموتى تبرعم في الضريح

    تموز عاد بكل سنبلة تعابث كل ريح

    بابا بابا

    أنا في قرار بويب أرقد في فراش من رماله

    من طينه المعطور و الدم من عروقي في زلاله

    ينثال كي يهب الحياة لكل أعراق النخيل

    أنا بعل أخطر في الجليل

    على المياه أنث في الورقات روحي و الثمار

    و الماء يهمس بالخرير يصل حولي بالمحار

    و أنا بويب أذوب في فرحي و أرقد في قراري

    بابا بابا

    يا سلم الأنغام أيّة رغبة هي في قرارك

    سيزيف يرفعها فتسقط للحضيض مع انهيارك

    يا سلم الدم و الزمان من المياه إلى السماء

    غيلان يصعد فيه نحوي من تراب أبي و جدي

    و يداه تلتمسان ثم يدي و تحتضنان خدّي

    فأرى ابتدائي في انتهائي

    بابا بابا

    جيكور من شفتيك تولد من دمائك في دمائي

    فتحيل أعمدة المدينة

    أشجار توت في الربيع و من شوارعها الحزينة

    تتفجر الأنهار أسمع من شوارعها الحزينة

    ورق البراعم و هو يكبر أو يمص ندى الصباح

    و النسغ في الشجرات يهمس و السنابل في الرياح

    تعد الرّحى بطعامهنّ

    كأنّ أوردة السماء

    تتنفّس الدم في عروقي و الكواكب في دمائي

    يا ظلي الممتد حين أموت يا ميلاد عمري من جديد

    الأرض ( يا قفصا من الدم و الأظافر و الحديد

    حيث المسيح يظل ليس يموت أو يحيا كظلّ

    كيد بلا عصب كهيكل ميت كضحى الجليد

    النور و الظلماء فيه متاهتان بلا حدود

    عشتار فيها دون بعل

    و الموت يركض في شوارعها و يهتف يا نيام

    هبوا فقد ولد الظلام

    و أنا المسيح أنا السلام

    و النار تصرخ يا ورود تفتحي ولد الربيع

    و أنا الفرات و يا شموع

    رشي ضريح البعل بالدم و الهباب و بالشحوب

    و الشمس تعول في الدروب

    بردانة أنا و السماء تنوء بالسحب الجليد

    بابا بابا

    من أيّ شمس جاء دفؤك أي نجم في السماء

    ينسلّ للقفص الحديد فيورق الغد في دمائي

    **
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:01 am


    _::: تعتيم :::_


    حين يذرّ النّور

    يلقى به التنور

    عن وجهك الظلماء

    و يهمس الديجور

    آهاته السمراء

    على محيّاك

    تهجس عيناك

    بكل حزن الدهور

    وكل أعيادها

    أفراح ميلادها

    و غمغمات النذور

    وزهرها و الخمور

    النور و الظلماء

    أسطورة منحوتة في الصخور

    كم ذاد بالنار

    من أسد ضاري

    وكم أخاف النمور

    إنسان تلك العصور

    بالنور و النار

    فأطفئي مصباحنا أطفئيه

    و لنطفئ التنور

    و ندفن الخبز فيه

    كي لا تعيد الصخور

    أسطورة للنار ظلت تدور

    حتى غدا أول ما فيها

    آخر ما فينا و ليل القبور

    أول ما فيها

    كي لا ترانا نمور

    تجوس في الظلماء

    لترجم الأحياء

    من غابة في السماء

    بالصخر و النار

    و تسبيح القبور
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:03 am

    _::: المخبر :::_


    أنا ما تشاء أنا الحقير

    صبّاغ أحذية الغزاة و بائع الدم و الضمير

    للظالمين أنا الغراب

    يقتات من جثث الفراخ أنا الدمار أنا الخراب

    شفة البغيّ أعفّ من قلبي و أجنحة الذباب

    أنقى و أدفأ من يدي كما تشاء أنا الحقير

    لكن لي من مقلتي إذا تتبعتا خطاك

    و تقرتا قسمات وجهك و ارتعاشك إبرتين

    ستنسجان لك الشراك

    و حواشي الكفن الملطخ بالدماء و جمرتين

    تروعان رؤاك إن لم تحرقاك

    و تحول دونهما ودونك بين كفيّ الجريدة

    فتندّ آهتك المديدة

    و تقول أصبح لا يراني بيد أن دمي يراك

    إني أحسّك في الهواء و في عيون القارئين

    لم يقرأون لأن تونس تستفيق على النضال

    و لأن ثوار الجزائر ينسجون من الرمال

    و من العواصف و السيول و من لهاث الجائعين

    كفن الطغاة ؟ و ما تزال قذائف المتطوعين

    يصفرن في غسق القنال

    لم يقرأون و ينظرون إليّ حينا بعد حين

    كالشامتين ؟

    سيعلمون من الذي هو في ضلال

    و لأيّنا صدأ القيود لأينا صدأ القيود

    لأيّنا

    نهض الحقير

    و سأقتفيه فما يفرّ سأقتفيه إلى السعير

    أنا ما تشاء أنا اللئيم أنا الغبيّ أنا الحقود

    لكنّما أنا ما أريد أنا القويّ أنا القدير

    أنا حامل الأغلال في نفسي أقيد من أشاء

    بمثلهنّ من الحديد و أستبيح من الخدود

    ومن الجباه أعزهن أنا المصير أنا القضاء

    الحقد كالتنور في إذا تلهّب بالوقود

    الحبر و القرطاس أطفأ في وجوه الأمّهات

    تنورهنّ و أوقف الدم عن ثدي المرضعات

    في البدء كان يطيف بي شبح يقال له الضمير

    أنا منه مثل اللص يسمع وقع أقدام الخفير

    شبح تنفّس ثمّ مات

    و اللص عاد هو الخفير

    في البدء لم أك في الصراع سوى أجير

    كالبائعات حليبهنّ كما تؤجّر للبكاء

    و لندب موتى غير موتاهنّ في الهند النساء

    قد أمعن الباكي على مضض فعاد هو البكاء

    الخوف و الدم و الصغّار فأي شيء أرتجيه

    فعلى يديّ دم و في أذنيّ وهوهة الدماء

    و بمقلتيّ دم و للدم في فمي طعم كريه

    أثقل ضميرك بالآثام فلا يحاسبك الضمير

    و انس الجريمة بالجريمة و الضحية بالضحايا

    لا تمسح الدم عن يديك فلا تراه و تستطير

    لفرط رعبك أو لفرط أساك و احتضن الخطايا

    بأشدّ ما وسع احتضان تنج من وخز الخطايا

    قوتي و قوت بني لحم آدمي أو عظام

    فليحقدن علي كالحمم الأنام

    كي لا يكونوا إخوة لي آنذاك و لا أكون

    و ريث قابيل اللعين سيسألون

    عن القتيل فلا أقول

    أأنا الموكل و يلكم بأخي فإن المخبرين

    بالآخرين موكّلون

    سحقا لهذا الكون أجمع و ليحلّ به الدمار

    مالي و ما للناس لست أبا لكل الجائعين

    و أريد أن أروى و أشيع من طوى كالآخرين

    فلينزلوا بي ما استطاعوا من سباب و احتقار

    لي حفنة القمح التي بيدي و دانية السنين

    خمس و أكثر أو أقل هي الربيع من الحياة

    فليحلموا هم بالغد الموهوم يبعث في الفلاة

    روح النماء و بالبيادر و انتصار الكادحين

    فليحملوا إن كانت الأحلام تشبع من يجوع

    إني سأحيا رجاء و لا اشتياق و لا نزوع

    لا شيء غير الرعب و القلق الممض على المصير

    ساء المصير

    ربّاه إن الموت أهون من ترقّبه المرير

    ساء المصير

    لم كنت أحقر ما يكون عليه إنسان حقير
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:05 am

    _::: غارسيا لوركا :::_


    في قلبه تنّور

    النار فيه تطعم الجياع

    و الماء من جحيمه يفور

    طوفانه يطهّر الأرض من الشرور

    و مقلتاه تنسجان من لظى شراع

    تجمعان من مغازل المطر

    خيوطه و من عيون تقدح الشرر

    و من ثدي الأمهات ساعة الرضاع

    و من مدى تسيل منها الثمر

    و من مدى للقابلات تقطع السرر

    و من مدى الغزاة و هي تمضغ الشعاع

    شراعه الندي كالقمر

    شراعه القوي كالحجر

    شراعه السريع مثل لمحة البصر

    شراعه الأخضر كالربيع

    الأحمر الخضيب من نجيع

    كأنه زورق طفل مزّق الكتاب

    يملأ مما فيه بالزوارق النهر

    كأنه شراع كولمبس في العباب

    كأنه القدر
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:07 am


    _::: عرس في القرية :::_


    مثلما تنفض الريح ذرّ النضار

    عن جناح الفراشة مات النهار

    النهار الطويل

    فاحصدوا يا رفاقي فلم يبق إلاّ القليل

    كان نقر الدّرابك منذ الأصيل

    يتساقط مثل الثمار

    من رياح تهوم بين النخيل

    يتساقط مثل الدموع

    أو كمثل الشرار

    إنها ليلة العرس بعد انتظار

    مات حب قديم و مات النهار

    مثلما تطفئ الريح ضوء الشموع

    الشموع الشموع

    مثل حقل من القمح عند المساء

    من ثغور العذارى تعبّ الهواء

    حين يرقصن حول العروس

    منشدات نوار اهنئي يا نوار

    حلوة أنت مثل الندى يا عروس

    يا رفاقي سترنو إلينا نوار

    من عل في احتقار

    زهدتها بنا حفنه من نضار

    خاتم أو سوار و قصر مشيد

    من عظام العبيد

    و هي يا رب من هؤلاء العبيد

    و لو أنا و آباءنا الأولين

    قد كدحنا طوال السنين

    و ادخرنا على جوع أطفالنا الجائعين

    ما اكتسبناه في كدنا من نقود

    ما اشترينا لها خاتما أو سوار

    خاتم ضم في ماسه الأزرق

    من رفات الضحايا مئات اللحود

    اشتراها به الصيرفيّ الشقي

    مثلما تنثر الريح عند الأصيل

    زهرة الجلنّار

    أقفر الريف لمّا تولّت نوار

    بالصبابات يا حاملات الجرار

    رحن و اسألنها يا نوار

    هل تصيرين للأجنبي الدخيل

    للذي لا تكادين أن تعرفيه

    يا ابنة الريف لم تنصفيه

    كم فتى من بنيه

    كان أولى بأن تعشقيه

    إنهم يعرفونك منذ الصغر

    مثلما يعرفون القمر

    مثلما يعرفون حفيف النخيل

    و ضفاف النهر

    و المطر

    و الهوى يا نوار

    احصدوا يا رفاقي فإن المغيب

    طاف بين الروابي يرش اللهيب

    من أباريق مجبولة من نضار

    و الزغاريد تصدى بها كل دار

    أوقد القصر أضواءه الأربعين

    فاتبعوني إليها مع الرائحين

    اتركوني أغني أمام العريس

    و أراقص ظلي كقرد سجين

    و أمثّل دو المحب التعيس

    ضاحكا من جراحات قلبي الحزين

    من هواي المضاع

    من قلوب الجياع

    حين تهوي و من ذلة الكادحين

    سوف آكل حتى ينزّ الدم

    من عيوني فما زال عندي فم

    كل ما عندنا نحن هذا الفم

    كان وهما هوانا فان القلوب

    و الصبابات وقف على الأغنياء

    لا عتاب فلو لم نكن أغبياء

    ما رضينا بهذا و نحن الشعوب
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:10 am

    _::: قافلة الضياع :::_


    أرأيت قافلة الضّياع ؟ أما رأيت النزحين

    الحاملين على الكواهل من مجاعات السنين

    آثام كل الخاطئين

    النازفين بلا دماء

    السائرين إلى وراء

    كي يدفنوا هابيل و هو على الصليب ركام طين

    قابيل أين أخوك أين أخوك

    جمعت السماء

    آمادها لتصيح كورت النجوم إلى نداء

    قابيل أين أخوك

    يرقد في خيام اللاجئين

    السل يوهن ساعديه و جئته أنا بالدواء

    و الجوع لعنة آدم الأولى و إرث الهالكين

    ساواه و الحيوان ثم رماه أسفل سافلين

    و رفعته أنا بالرغيف من الحضيض إلى العلاء

    الليل يجهض و السفائن مثقلات بالغزاة

    بالفاتحين من اليهود

    يلقين في حيفا مراسيهن كابوس تراه

    تحت التراب محاجر الموتى فتجحظ في اللحود

    الليل يجهض فالصباح من الحرائق في ضحاه

    الليل يجهض فالحياة

    شيء ترجح لا يموت و لا يعيش بلا حدود

    شيء تفتح جانباه على المقابر و المهود

    شيء يقول هنا الحدود

    هذا لكل اللاجئين و كل هذا لليهود

    النار تصرخ في المزارع و المنازل و الدروب

    في كل منعطف تصيح أنا النضار أنا النضار

    من كل سنبلة تصيح و من نوافذ كل دار

    أنا عجل سيناء الإله أنا الضمير أنا الشعوب

    أنا النضار

    النار تتبعنا كأن مدى اللصوص و كل قطاع الطريق

    يلهثن فيها بالوباء كأن ألسنة الكلاب

    تلتز منها كالمبارد و هي تحفر في جدار النور باب

    تتصبب الظلماء كالطوفان منه فلا تراب

    ليعاد منه الخلق و انجرف المسيح مع العباب

    كان المسيح بجنبه الدامي و مئزره العتيق

    يسد ما حفرته ألسنة الكلاب

    فاجتاحه الطوفان حتى ليس ينزف منه جنب أو جبين

    إلا دجى كالطين تبنى منه دور اللاجئين

    النار تركض كالخيول وراءنا أهم المغول

    على ظهور الصافنات و هل سألت الغابرين

    أروضوا أمس الخيول

    أم نحن بدء الناس كل تراثنا أنصاب طين

    النار تصهل من ورائي و القذائف لا تنام

    عيونها و أبي على ظهري و في رحمي جنين

    عريان دون فم و لا بصر تكور في الظلام

    في بركة الدم و هو يفرك أنفه بيد و كالجرس الصغير

    يرن ملء دمي صداه تكاد تومض كل روحي بالسلام

    حتى أكاد أراه في غبش الدماء المستنير

    عريان دون فم كأفقر ما يكون بلا عظام

    و بلا أب و بدون حيفا دون ذكرى كالظلام

    أسريت أعبر تحت أجنحة الحديد به الزمان

    من الحقول إلى المراعي فالكهوف

    و الأرض تطمس من وراء ظهورنا كالأبجدية

    ألدور فيها و الدوالي شاخصات كالحروف

    فكأن أمس غد يلوح و ليس بينهما مكان

    لم يخرجونا من قرانا و حدهنّ و لا من المدن الرخيّة

    لكنهم قد أخرجونا من صعيد الآدميّة

    فاليوم تمتلئ الكهوف بنا و نعوي جائعين

    و نموت فيها لا نخلف للصغار على الصخور

    سوى هباب ما نقشنا فيه من أسد طعين

    و نموت فيها لا نخلف بعدنا حتى قبور

    ماذا نحط على شواهدها أ كانوا لاجئين

    اليوم تمتلئ الكهوف بنا تظلل بالخيام

    و بالصفيح و قد تغلهن بالآجر دور

    و النور كالتابوت فيها ليس فيه سوى ظلام

    بين الكهوف و بين حيفا من ظلام ألف عام أو يزيد

    بين الكهوف و بين أمس هناك بئر لا قرار

    لها كهاوية الجحيم تلز فاها دون نار

    تتعلق الأحداث فيها كالجلامد في جدار

    لحدا على لحد أزيح الطين عنها و الحجار

    من يدفن الموتى و قد كشفوا و ماتوا من جديد

    من يدفن الموتى

    ليولد تحت صخرة كل شاهدة و ليد

    من يدفن الموتى لئلا يزحموا باب الحياة

    على أكف القابلات

    من يدفن الموتى لنعرف أننا بشر جديد

    في كل شهر من شهور الجوع يومىء يوم عيد

    فنخف نحمل من تذاكرنا صليب اللاجئين

    يا مكتبا للغوث في سيناء هب للتائهين

    مناو سلوى من شعير و المشيمة للجنين

    و اجعل له المطّاط سره

    وارزقه ثديا من زجاج واحش بالإدريج صدره

    و بأيما لغة نقول فيستجيب الآخرون

    و نورث الدم للصغار

    أعلمت حين نقول دار أو سماء أي دار

    أو سماء تخطران على العيون

    هيهات ليس للاجئين و لاجئات من قرار

    أو ديار

    إلا مرابع كان فيها أمس معنى أن نكون

    سنظل نضرب كالمجوس نجس ميلاد النهار

    كم ليلة ظلماء كالرحم انتظرنا في دجاها

    نتلمس الدم في جوانبها و نعصر من قواها

    شع الوميض على رتاج سمائها مفتاح نار

    حتى حسبنا أن باب الصبح يفرج ثم غار

    و غادر الحرس الحدود

    و اختصّ رعد في مقابر صمتها يعد القفار

    ثم اضمحل إلى غبار بين أحذية الجنود

    الليل أجهض ناره الحمى و ديمته انتحاب الضائعين

    الليل أجهض ليس فيه سوى مجوس اللاجئين

    النار تركض كالخيول وراءنا أهم المغول

    على ظهور الصافنات ؟ و هل سألت الغابرين

    أروضوا أمس الخيول

    أم نحن بدء الناس كل تراثتا أنصاب طين

    **
    * *
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:12 am


    _::: يوم الطغاة الأخير :::_


    إلى الملتقى و انطوى الموعد

    و ظل الغد

    غد الثائرين القريب

    يدا بيد من غمار اللهيب

    سنرقى إلى القمة العالية

    و شعرك حقل حباه المغيب

    أزاهيره القانية

    نرى الشمس تنأى وراء التلال

    و بين الظلال

    قد رف مثل الجناح الكسير

    على كومة من حطام القيود

    على عالم بائد لن يعود

    سناها الأخير

    تقولين لي هل رأيت النجوم

    أأبصرتها قبل هذا المساء

    لها مثل هذا السّنا و النّقاء

    تقولين لي هل رأيت النجوم

    و كم أشرقت قبل هذا المساء

    على عالم لطخته الدماء

    دماء المساكين و الأبرياء

    تقولين لي هل رأيت النجوم

    تطل على أرضنا و هي حرّة

    لأول مرّة

    نعم أمس حين التفتّ إليك

    تراءين كالهجس في مقلتيك

    و إذ يستضيء المدى بالحريق

    فيندكّ سجن و يجلى طريق

    و يذكي بأطيافه الدافئة

    محيّاك باللهفة الهانئة

    تقولين نحن ابتداء الطريق

    و نحن الذين اعتصرنا الحياة

    من الصّخر تدمى عليه الجباه

    و يمتص ريّ الشفاة

    من الموت في موحشات السجون

    من البؤس من خاويات البطون

    لأجيالها الآتية

    لنا الكوكب الطالع

    و صبح الغد الساطع

    وآصاله الزاهية

    **
    * *
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:14 am


    _::: إلى جميلة بوحيرد :::_


    لا تسمعيها إن أصواتنا

    تخزى بها الريح التي تنقل

    باب علينا من دم مقفل

    و نحن في ظلمائنا نسأل

    من مات ؟ من يبكيه ؟ من يقتل

    من يصلب الخبز الذي نأكل

    نخشى إذا واريت أمواتنا

    أن يفزع الأحياء ما يبصرون

    إذ يقفر الكهف الذي يأهلون

    إن عربد الوحش الذي يطعمون

    من أكبد الموتى فمن يبذل

    يا أختنا المشبوحة الباكية

    أطرافك الدامية

    يقطرن في قلبي و يبكين فيه

    يا من حملت الموت عن رافعيه

    من ظلمة الطين التي تحتويه

    إلى سماوات الدم الوارية

    حيث التقى الإنسان و الله و الأموات و الأحياء في شهقة

    في رعشة للضربة القاضية

    الأرض أم الزهر و الماء و الأسماك و الحيوان و السنبل

    لم تبل في إرهابها الأول

    من خضة الميلاد ما تحملين

    ترتج قيعان المحيطات من أعماقها ينسح فيها حنين

    و الصخر منشد بأعصابه حتى يراها في انتظار الجنين

    الأرض ؟ أم أنت التي تصرخين

    في صمتك المكتظّ بالآخرين

    في ذلك الموت المخاض المحب المبغض المنفتح المقفل

    و نحن أم أنت التي تولدين

    أسخى من الميلاد ما تبذلين

    و الموت أقسى منه من كل ما عاناه أجيال من الهالكين

    أنّ الذي من دونه الجلجلة

    و السوط و السّجان و المقصلة

    أن الذي يفديك أتفتدين

    غير الذي آذاه بالنار أو بالعار و الماء الذي تشربين

    عبء من الآجال ما أثقله

    كم حاول الجلاد أن ينزله

    كم ودّ أن تلقيه إذ تعجزين

    مشبوحة الأطراف فوق الصليب

    مشبوحة العينين عبر الظلام

    يأتيك من وهران يا للزحام

    حشد مشع باشتعال المغيب

    يأتيك كل الناس كل الأنام

    يرجون مما تبذلين الطعام

    و الأمن و النعماء و العافية

    و أنت مثل الدوحة العارية

    لم يبق منك البغي إلا الجذور

    الموت واه دونها و النشور

    فيها و تجري دونك الساقية

    ما شب في وهران من برعم

    أو أزهرت في أطلس عوسجة

    إلا ودبت في مسيل الدم

    نمنمة منعشة مبهجة

    توحي بأن الأرض ظلت تدور

    طاحونة للقاتل المجرم

    تسحق منه واهن الأعظم

    و أن ألوان الأذى و العذاب

    ذخر لنا نجلوه يوم الحساب

    نسقي به الباغين نروي التراب

    من لفحة أن الهوى و الشباب

    لم يذهبا أن البعاد اقتراب

    أن من الدمع الذي تسكبين

    أسلحة في أذرع الثائرين

    جاء زمان كان فيه البشر

    يفدون من أبنائهم للحجر

    يا رب عطشى نحن هات المطر

    رو العطاشى منه روّ الشجر

    و جاء حين عاد فيه البشر

    يفدون بالأنعام ما تحبس السماء في أعماقها من قدر

    و جاء عصر سار فيه الإله

    عريان يدمى كي يروّي الحياة

    و اليوم و لى محفل الآلهة

    اليوم يفدي ثائر بالدماء

    الشيب و الشبان يفدي النساء

    يفدي زروع الحقل يفدي النماء

    يفدي دموع الأيّم الوالهة

    بالأمس دوى في ثرى يثرب

    صوت قوي من فقير نبي

    ألوى ببغي الصخر لم يضرب

    و حطم التيجان أي انطلاق

    في مصر في سوريّة في العراق

    في أرضك الخضراء كان انعتاق

    بالأمس و ارى قومك الآلهة

    عشتار أم الخصب و الحب و الإحسان تلك الربّة الوالهة

    لم تعط ما أعطيت لم ترو بالأمطار ما روّيت قلب الفقير

    لم يعرف الحقد الذي يعرفون

    و الحسد الآكل حتى العيون

    نحن بنو الفقر الذي يزعمون

    في كل عصر أنهم وارثوه

    قابيل فينا ما تهاوى أخوه

    من ضربة الحقد التي يضربون

    يوم ابتدأنا كان عبء السماء

    ملقى على أطلس

    يزحمه بالمنكب الأملس

    ثم ارتقى إيفل تم البناء

    فانحط ذاك العبء حينا عليه

    ثم انطلقنا نحن من جانبيه

    حتى حملنا عبئها كل ما فيها من الأبراج و الأنجم

    يا أختنا المشبوحة الباكية

    أطرافك الدامية

    يقطرن في قلبي و يبكين فيه

    لم يلق ما تلقين أنت المسيح

    أنت التي تفدين جرح الجريح

    أنت التي تعطين لا قبض ريح

    يا أختنا يا أمّ أطفالنا

    يا سقف أعمالنا

    يا ذروة تعلو لأبطالنا

    ما حزّ سوط البغي في ساعديك

    إلا و في غيبوبة الأنبياء

    أحسست أن السوط أن الدماء

    أنّ الدجى أن الضحايا هباء

    من أجل طفل ضاحكته السماء

    فرحان في أرضه

    و بعضه فرحان من بعضه

    أحسسته يحبو على راحتيك

    سمعته يضحك في مسمعيك

    يهتف يا جميلة

    يا أختي النبيلة

    يا أختي القتيلة

    لك الغد الزاهي كما تشتهين

    و أنت إذ أحسست إذ تسمعين

    تعلو بك الآلام فوق التراب

    فوق الذرى فوق انعقاد السحاب

    تعلين حتى محفل الآلهة

    كالربة الواهلة

    كالنسمة التائهة

    لا تسمعيها إنّ أصواتنا

    تخزى بها الريح التي تنقل

    باب علينا من دم مقفل

    و نحن نحصي ثم أمواتنا

    الله لولا أنت يا فادية

    ما أثمرت أغصاننا العارية

    أو زنبقت أشعارنا القافية

    إنا هنا في هوة داجية

    ما طاف لولا مقلتاك الشعاع

    يوما بها نحن العراة الجياع

    لا تسمعي ما لفقوا ما يذاع

    ما زينوا ما خط ذاك اليراع

    إنا هنا كوم من الأعظم

    لم يبق فينا من مسيل الدم

    شيء نروي منه قلب الحياة

    إنا هنا موتى حفاة عراة

    لا تسمعيها إن أصواتنا

    تخزى بها الريح التي تنقل

    باب علينا من دم مقفل

    و نحن في ظلمائنا نسأل

    من مات ؟ من يبكيه ؟ من يقتل ؟

    يا نفحة من عالم الآلهة

    هبّت على أقدامنا التائهة

    لا تمسحيها من شواظ الدماء

    إنا سنمضي في طريق الفناء

    و لترفعي أوراس حتى السماء

    حتى تروى من مسيل الدماء

    أعراق كل الناس كل الصخور

    ....

    حتى نثور

    **
    * *
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:17 am


    لامس شعرُها شعري
    مرت فلامس شعرها شعري
    فإذا الهوى بجوانحي يسري
    مرت ولم ارها,سوى نبأً
    عذب البشائر ذاع في صدري
    القلب يعرفها بمشيتها
    بالظل بالانفاس بالعطر
    يا ليت شعرينا اذا اعتنقا
    عُقدا فما انفرطا مدى الدهر
    يا ليت مسرعة الخطى وقفت
    ووقفت حتى ساعة الحشر
    اشكو الغرام لها فتبتسم لي
    وتلين إن اسمعتها شعري
    ...........................
    أدعوكِ واسمكِ لست اعرفه
    دعوات حر ضاق بالاسرِ
    آنست منكِ تطلعاً ملكتْ
    نظراته الجماح من فكري
    أفعن هوى ما كان من نظرٍ
    أم كان لهوا عاجل المرِ
    بوحي بسركِ,لا,بل اتئدي
    أخشى الاسى إن بحت بالسرِ
    فدعي الفؤاد يعيش مغتبطاً
    جذلان ما بين الؤى الزهرِ
    يا ليتني وقد ابتعدت مدى
    قبلتُ ما لامستِ من شَعري
    بل ليت ما لامست منه غدا
    حمراء مشرقة من الزهرِ
    تكسين شعرك من مفاتنها
    ثوناً من الالاء والنشرِ



    بغداد 17/11/1944
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:21 am


    _::: ثعلب الموت :::_




    كم يمضّ الفؤاد أن يصبح الإنسان صيدا لرمية الصياد

    مثل أيّ الظباء أيّ العصافير ضعيفا

    قابعا في ارتعادة الخوف يختضّ ارتياعا لأن ظلا مخفيا

    يرتمي ثمّ يرتمي في اتّئاد

    ثعلب الموت فارس الموت عزرائيل يدنو و يشحذ

    النصل . أه

    منه آه يصكّ أسنانه الجوعى و يرنو مهددا يا إلهي

    ليت أن الحياة كانت فناء

    قبل هذا الفناء هذي النهاية

    ليت هذا الختام كان ابتداء

    واعذاباه إذ ترى أعين الأطفال هذا المهدد المستبيحا

    صابغا بالدماء كفّيه في عينيه نار و بين فكيه نار

    كم تلوّت أكفّهم و استجاروا

    و هو يدنو كأنه احتثّ ريحا

    مستبيحا

    مستبيحا مهدّدا مستبيحا

    من رآها دجاجة الريف إذ يمسي عليها المساء في بستانه

    حين ينسل نحوها الثعلب الفرّاس يا للصريف من أسنانه

    و هي تختص شلّها الرعب أبقاها بحيث الردى

    كأنّ الدروب

    استلّها مارد كأنّ النيوبا

    سور بغداد موصد الباب لا منجى لديه و لا خلاص ينال

    هكذا نحن حينما يقبل الصياد عزريل

    رجفة فاغتيال



    **************************************
    _::: المبغى :::_





    بغداد مبغى كبير

    لاحظ المغنّية

    كساعة تتكّ في الجدار

    في غرفة الجلوس في محطّة القطار

    يا جثة على الثرى مستلقية

    الدود فيها موجة من اللهيب و الحرير

    بغداد كابوس ( ردى فاسد

    يجرعه الراقد

    ساعاته الأيام أيامه الأعوام و العام نير

    العام جرح ناغر في الضمير )

    عيون المها بين الرصافة و الجسر

    ثقوب رصاص رقشت صفحة البدر

    و يسكب البدر على بغداد

    من ثقبي العينين شلالا من الرماد

    الدور دار واحدة

    و تعصر الدروب كالخيوط كلّها

    في قبضة ماردة

    تمطّها تشلّها

    تحيلها دربا إلى الهجير

    و أوجه الحسان كلهنّ وجه ناهدة

    حبيبتي التي لعابها عسل

    صغيرتي التي أردافها جبل

    و صدرها قلل

    و نحن في بغداد من طين

    يعجنه الخزّاف تمثالا

    دنيا كأحلام المجانين

    و نحن ألوان على لجها المرتجّ أشلاء و أوصالا

    بالأمس كان العيد عيد الزهور

    الزاد تحثوه الربى و الخمور

    و الرقص و الأغنيات

    و الحب و الكركرات

    ثم انتهى إلا بقايا طيور

    تلتقط الحبّ و إلاّ دماء

    مما نماه الحقل طير وشاء

    و غير أطفال يطوفون أور

    العيد من قال انتهى عيدنا

    فلتملأ الدنيا أناشيدنا

    فالأرض ما زالت بعيد تدور

    بالأمس كان العيد عيد الزهور

    و اليوم ما نفعل

    نزرع أم نقتل

    أهذه بغداد

    أم أن عامورة

    عادت فكان المعاد

    موتا و لكنني في رنّة الأصفاد

    أحسست ماذا صوت ناعورة

    أم صيحة النّسغ الذي في الجذور

    **
    * *



    **********************************************


    احبيني




    وما من عادتي نكران ماضيً الذي كانا
    ولكن..... كل من أحببت قبلك ما أحبوني
    ولا عطفوا علي عشقت سبعاً كن احيانا
    ترف شعورهن علي تحملني الى الصين
    سفائن من عطر نهودهن أغوص في بحر من الاوهام والوجد
    فالتقط المحار أظن فيه الدر ثم تظلني وحدي
    جدائل نخلة فرعاء
    فابحث بين اكوام المحار لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمه
    وإذا تدمى يداي وتنزع الاظفار عنها لاينز هناك غير الماء
    وغير الطين من صدف المحار فتقطر البسمه
    على ثغري دموعاً من قرار القلب تنبثق
    لان جميع من أحببت قبلك ما أحبوني
    وأجلسهن في شرف الخيال...وتكشف الحرق
    ظلالاً عن ملامحهن:آه فتلك باعتني بمأفون
    لاجل المال, ثم صحا فطلقها وخلاها
    وتلك..لانها في العمر أكبر أم لان الحسن أغراها
    بأني غير كفء,خلفتني كلما شرب الندى ورقُ
    وفتح برعم مثلتها وشممتُ رياها؟
    وأمسِ رأيتها في موقف للباص تنتظرُ
    فباعدت الخطى ونأيت عنها,لا أريد القرب منها,
    هذهِ الشمطاءُ
    لها الويلات؟ثم عرفتها:أحسبتِ أن الحسن ينتصرُ
    على زمن تحطم سور بابل منه والعنقاء
    رماد لا يذكيه بعث فهو يستعرُ
    وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحرُ
    عيون الفل واللبلاب عافتني الى قصر وسيارة
    الى زوج تغير منه حالٌ فهو في الحاره
    فقيرٍ يقرأ الصحف القديمه عند باب الدار في إستحياء
    يحدثها عن الامس الذي ولى فيأكل قلبها الضجر
    وتلك زوجها عبداً مظاهر ليلها سهر
    وخمر أو قمار ثم يوصد صبحها الاغفاء
    عن النهر المكركر للشراع يرف تحت الشمس والانداء
    وتلك؟تلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها
    شربت الشعر من أحداقها ونَعَستُ في أفياء
    تنشرها قصائدها علي :فكل ماضيها
    وكل شبابها كان أنتظاراً لي على شط يهوم فوقه القمر
    وتنعس في حماه الطير رش نعاسها المطر
    فنبهها فطارت تملا الافاق بالاصداء ناعسة
    تؤج النور مرتعشاً قوادمها وتخفق في خوافيها
    ظلال الليل أين أصيلنا الصيفي في جيكور؟
    وسار بنا يوسوس زورق في مائه البلور؟
    وأقرأ وهي تصغي والروابي والنحل والاعناب تحلم في دواليها
    تفرقت الدروب بنا نسير لغير ما رجعه
    وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه
    فتذكرني وتبكي غير أني لست أبكيها
    كفرتِ بأمة الصحراء
    ووحي الانبياء على ثراها في مغاور مكة أوعند واديها
    وآخرهن؟؟
    آه...زوجتي,قدري كان الداء
    ليقعدني كأني ميت سكران لولاها
    وهأنا..كل من احببت قبلك ما أحبوني
    وأنتِ؟لعله الاشفاق؟
    لستُ لأ عذر الله
    إذا كان عطف منه,لا الحب الذي خلاه يسقيني
    كؤوساً من نعيم
    آه ,هاتي الحب رويني
    به نامي على صدري أنيميني
    على نهديكِ , أواها
    من الحُرق التي رضعتِ فؤادي ثمة افترست شراييني
    أحبيـــــــــــــــــني
    لأني كل من احببت قبلكِ لم يحبوني

    باريس 19/3/1963


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:25 am


    من اغاني الربيع




    حُلمٌ بآفاق السرور.......رسمته اجنحةُ الطيورِ

    وبشائر فوق الربى......بين الخمائل,في الصدورِ

    ونسائم رقصت على.....زهر الجنائن والغدير ِ

    وفراشةٌ قد روحتْ.......عن زهرة الحقل النضير

    تعلو وتهبط في الرياض....كأنها النغم الحبور ِ

    الفجر يبني للندى......وكناً جميلاً في الزهور ِ

    فلنبنِ من قبلاتنا......للحب عشاً في الثغور ِ

    ****************************************


    الباب تقرعه الرياح




    الباب ما قرعته غير الريح في الليل العميق

    الباب ما قرعته كفك

    أين كفك و الطريق

    ناء بحار بيننا مدن صحارى من ظلام

    الريح تحمل لي صدى القبلات منها كالحريق

    من نخلة يعدو إلى أخرى و يزهو في الغمام

    الباب ما قرعته غير الريح

    آه لعل روحا في الرياح

    هامت تمر على المرافيء أو محطات القطار

    لتسائل الغرباء عني عن غريب أمس راح

    يمشي على قدمين و هو اليوم يزحف في انكسار

    هي روح أمي هزها الحب العميق

    حب الأمومة فهي تبكي

    آه يا ولدي البعيد عن الديار

    ويلاه كيف تعود وحدك لا دليل و لا رفيق

    أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار

    لا باب فيه لكي أدق و لا نوافذ في الجدار

    كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون

    من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار

    كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون

    يتراكضنون على الطريق و يفزعون فيرجعون

    و يسائلون الليل عنك و هم لعودك في انتظار

    الباب تقرعه الرياح لعل روحا منك زار

    هذا الغريب هو ابنك السهران يحرقه الحنين

    أماه ليتك ترجعين

    شبحا و كيف أخاف منه و ما امحت رغم السنين

    قسمات وجهك من خيالي

    أين أنت أتسمعين

    صرخات قلبي و هو يذبحه الحنين إلى العراق

    الباب تقرعه الرياح تهب من أبد الفراق


    لندن 13/3/1963


    ******************************************


    من ليالي السهاد




    1- ليلة في لندن

    كما ينسل نور خائف من فرجة الباب

    إلى الظلماء في غرفة

    سمعت هتافه المجروح يعبر نحوي الشرفه

    ليرفع من سماوة لندن الليل المطل بلونه الكابي

    على الطرقات ترقد في دثار الثلج ملتفه

    و أمس سمعت في إيران صوت الديك في الفجر

    و من أفق المنائر في الكويت وزرقه البحر

    أهاب فرش جفني بالنعاس ( رنين أكواب

    بماء البصرة الرقراق تملأ ثم تسقيني )

    نداء راح ينثره المؤذن أطفيء الفانوس رف ضياؤه رفه

    وبعثره الظلام

    و ليلي الأواه في بيروت يحييني

    لأبصر فيه وجه الموت راح يذيبه نبع من اللهفه

    تدفق من فؤاد البلبل المسكوب بين غصون لبلاب

    ليال من عذاب من سنام لست أنساها

    غريبا كنت حتى حين أحلم لست في جيكور

    و لا بغداد أمشي في صحارى قلبي المسعور

    يريد الماء فيها ماء أين الماء و هي تريه أفواها

    على آفاقها الربداء ظمآى تشرب الديجور

    فلا تروى أأقصى العمر في صحراء في ليل من العطش

    أفتش عن عيون الماء عن إشراقه الغبش

    كأعمى نال منه السكر صاح ورفرفت كفاه بين مساند الماخور

    ليبحث عن رفيق أين جاري أين داري أين أواها

    أميرتي التي كانت تناولني كؤوس النور

    فيبصر قلبي الدنيا و يلقاها

    كأن الصبح أشرق في العراق و تعبر الرؤيا

    بحارا بي و تطوي ألف درب في الدجى تاها

    تراجع عالم و أطل ثان عالم يحيا

    على الأقمار تولد ثم تكمل ثم تندثر

    و ما لبس الجديد بغير يوم العيد يدخر

    ويجمع ثم ينفق ثم يضحك و هو يفتخر

    بأن الله يرزق حين يرزق هكذا الدنيا

    شتاء ثم صيف ليس في جيكور محتكر

    و لا فيها مصارف أو جرائد ليل كوريا

    يرى شفقا من النيرا

    فالنيران فيها حين تستعر

    تضيء لحى الشيوخ يحدثون و أعين النسوه

    تحدق في الطعام و ترقب الأطفال في نشوة

    أعدني يا إله الشرق و الصحراء و النخل

    إلى أيامي الحلوة

    إلى داري إلى غيلان ألثمه إلى أهلي

    لندن 3/2/1963

    ******************************************


    أم البروم





    (المقبرة التي أصبحت جزء اً من المدينة)
    (وهي الان ساحة لنقل الركاب في العشار)(علاء)

    رأيت قوافل الأحياء ترحل عن مغانيها

    تطاردها وراء الليل أشباح الفوانيس

    سمعت نشيج باكيها

    و صرخة طفلها و ثغاء صاد مواشيها

    وفي وهج الظهيرة صارخا يا حادي العيس

    وعلى ألم مغنيها

    و لكن لم أر الأموات يطردهن حفار

    من الحفر العتاق و يترع الأكفان عنها أو يغطيها

    و لكن لم أر الأموات قبل ثراك يجليها

    مجون مدينة و غناء راقصة و خمّار

    يقول رفيقي السكران دعها تأكل الموتى

    مدينتا لتكبر تحضن الأحياء تسقينا

    شرابا من حدائق برسفون تعلّنا حتى

    تدور جماجم الأموات من سكر مشى فينا

    مدينتنا منازلها رحى و دروبها نار

    لها من لحمنا المعروك خبز فهو يكفيها

    علام تمد للأموات أيديها و تختار

    تلوك ضلوعها و تقيئها للريح تسفيها

    تسلّل ظلها الناريّ من سجن و مستشفى

    ومن مبغى و من خمارة من كل ما فيها

    و سار على سلالم نومنا زحفا

    ليهبط في سكينة روحنا ألما فيبكيها

    و كانت إذ يطلّ الفجر تأتيك العصافير

    تساقط كالثمار على القبور تنقّر الصمتا

    فتحلم أعين الموتى

    بكركرة الضياء و بالتلال يرشّها النور

    و تسمع ضجة الأطفال أمّ ثلاثة ضاعوا

    يتامى في رحاب الأرض إن عطشوا و إن جاعوا

    فلا ساق و لا من مطعم في الكوخ ظلوا و اعتلى النعش

    رؤوس القوم و الأكتاف ..أفئدة و أسماع

    و لا عين ترى الأمّ التي منها خلا العشّ

    و في الليل

    إذا ما ذرذر الأنوار في أبد من الظلمة

    ودبّت طفلة الكفّين عارية الخطى نسمة

    تلمّ من المدينة كالمحار و كالحصى من شاطئ رمل

    نثار غنائها و بكائها لم تترك العتمة

    سوى زبد من الأضواء منثور

    يذوب على القبور كأنه اللبنات في سور

    يباعد عالم الأموات عن دنيا من الذلّ

    من الأغلال و البوقات و الآهات و الزّحمة

    و أوقدت المدينة نارها في ظلّة الموت

    تقلّع أعين الأموات ثم تدسّ في الحفر

    بذور شقائق النعمان تزرع حبة الصمت

    لتثمر بالرنين من النقود و ضجّة السفر

    و قهقهة البغايا و السكارى في ملاهيها

    و عصّرت الدفين من النهود بكل أيديها

    تمزّقهن بالعجلات و الرقصات و الزمر

    و تركلهنّ كالأكر

    تفجرها الرياح على المدارج في حواشيها

    و حيث تلاشت الرعشات و الأشواق و الوجد

    و عاد الحب ملمس دودة و أنين إعصار

    تثاءبت المدينة عن هوى كتوقد النار

    تموت بحرها ورمادها و دخانها الهاري

    و يا لغة على الأموات أخفى من دجى الغابة

    ترددها المقاهي ذلك الدلال جاء يريد أتعابه

    إذا سمعوك رن كأنه الجرس الجديد يرن في السحر

    صدى من غمغمات الريف حول مواقد السمر

    إذا ما هزت الأنسام مهد السنبل الغافي

    و سال أنين مجداف

    كأن الزورق الأسيان منه يسيل في حلم

    عصرت يديّ من ألم

    فأين زوارق العشاق من سيارة تعدو

    ببنت هوى ؟ و أين موائد الخمار من سهل يمد موائد القمر ؟

    على أمواتك المتناثرين بكل منحدر

    سلام جال فيه الدمع و الآهات و الوجد

    على المتبدلات لحودهم و الغاديات قبورهم طرقا

    و طيب رقادهم أرقا

    يحنّ إلى النشور و يحسب العجلات في الدرب

    و يرقب موعد الربّ

    21/7/1961

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:31 am


    إرم ذات العماد
    (عند المسلمين "شداد ابن عاد" بنى جنة لينافس بها جنة الله هي "إِرَم" وحين اهلك الله قوم عاد, اختفت "إِرَم" وظلت تطوف,وهي مستورة,في الارض لا يراها إنسان إلا مرة في كل أربعين عام وسعيد من أنفتح له بابها)

    من خلل الدخان من سيكاره

    من خلل الدخان

    من قدح الشاي وقد نشر وهو يلتوي ازاره

    ليحجب الزمان والمكان

    حدثنا جد أبي فقال يا صغار

    مقامرا كنت مع الزمان

    نقودي الأسماك لا الفضة والنضار

    والورق الشباك والوهار

    وكنت ذات ليله

    كأنما السماء فيها صدا وقار

    أصيد في الرميله

    في خورها العميق أسمع المحار

    موسوسا كأنما يبوح للحصى وللقفار

    بموطن اللؤلؤة الفريده

    فأرهف السمع لعلي أسمع الحوار

    وكان من ندى الخريففي الدجى بروده

    تدب منها رعشة في جسدي فأسحب الدثار

    وانفرج الغيم فلاحت نجمة وحيده

    ذكرت منها نجمتي البعيده

    تنام فوق سطحها وتسمع الجرار

    تنضح يا وقع حوافر على الدروب

    في عالم النعاس ذاك عنتر يجوب

    دجى الصحارى ان حي عبلة المزار

    فسرت والسماء وجهتي ولا دليل

    أرقب نجمها الوحيد والشعاع

    يخفت أو يؤج مانعا ومانحا وكالشراع

    ترفع أو تحطه الرياح في الصراع

    أسرت ألف خطوة أسرت ألف ميل

    لم أدر الا أنني أمالمني السحر

    الى جدار قلعة بيضاء من حجر

    كأنما الأقمار منذ ألف عام

    كانت له الطلاء

    كأنما النجوم في المساء

    سلن عليه ثم فاض حوله الظلام

    وسرت حول سورها الطويل

    أعد بالخطى مداه مثل سندباد

    يسير حول بيضة الرخ ولا يكاد

    يعود حيث ابتدأ

    حتى تغيب الشمس غشى نورها سواد

    حتى اذا ما رفع الطرف رأى وما رأى

    حتى بلغت في الجدار موضع العماد

    تقوم فيه كالدجى بوابة رهيبه

    غلفها الحديد مد حولها نحيبه

    أراه بالعيون لا تحسه المسامع

    وقفت عندها أدق

    يا صدى أراجع

    أنت من المقابر الغريبه

    أحس في الصدى

    برودة الردى

    أشم فيه غفن الزمان والعوالم العجيبه

    من ارم وعاد

    وحين كل ساعدي

    وملني الوقوف في الظلام

    كناسك كعابد

    يرفضه الاله في معبده يظل لا ينام

    ولا يريد الماء والطعام

    يصيح كن على الهوى مساعدي

    يا رافع السماء يا موزع الغمام

    جلست عند بابها كسائل ذليل

    جلست أسمع الصدى كأنه العويل

    يلهث خلف حائط من حجر ثقيل

    كان بين دقة ودقة يمر ألف عام

    وما أجاب العدم الخواء

    وحين أوشك الصباح يهمس الضياء

    نعست نمت واستفقت مر ألف جيل

    الشمس والفلاه

    والغيم والسماء

    وكل ما أراه

    هنالك حيث كان سورها المياه

    تشع في الخليج

    وقال جدنا ولج في النشيج

    ولن أراها بعد ان عمري انقضى

    وليس يرجع الزمان ما مضى

    سوف أراها فيكم فأنتم الأريج

    بعد ذبول زهرتي فان رأى ارم

    واحدكم فليطرق الباب ولا ينم

    ارم

    في خاطري من ذكرها ألم

    حلم صباي ضاع آه ضاع حين تم

    وعمري انقضى


    لندن 27/2/1963




    ****************************************************

    في غابة الظلام





    عيناي تحرقان غابة الظلام

    بجمرتيهما اللتين منهما سقر

    ويفتح السهر

    مغالق الغيوب لي...... فلا أنام

    وأسير الأرض الى قرارهاالسحيق

    ألم في قبورها العظام

    فطالعتني- كالسراج في لظى الحريق -

    تكشيرة رهبية رهبية

    تليحها جمجمتي الكتيبه

    سخرية الالهبالأنام
    *
    عيناي من سريري الوحيد

    تحدقان في المدى البعيد

    الليل وحش تطعنانه مع النجوم

    بخنجريهما وخنجر السحر

    الليل خترير الردى العنيد

    يشق خنجراهما اهابه الغشوم

    لأامح العراق مرغ القمر

    على ترابه البليل ضوءه الحزين
    *
    وقلتا غيلان تومضان بالحنين

    يرقب من فراشه ذوائب الشجر

    أمضه السهاد عذبته زحمة الفكر

    أين من الطفولة السهاد والفكر

    عيناه في الظلام تسريان كالسفين

    بأي حقل تحلمان أيما نهر

    بعودة الأب الكسيح من قرارة الضريح

    (أميت فيهتف المسيح

    من بعد أن يزحزح الحجر

    هلم يا عازر ؟)

    عيناه لظى وريح

    تحرق في أضالعي مضارب الغجر
    *
    أليس يكفي أيها الآله

    أن الغناء غابي الحياه

    فتصبغ الحياة بالقتام

    تحلني بلا ردى حطام

    سفينة كسيرة تطفو على المياه

    هات الردى أريد أن أنام

    بين قبور أهلي البعثره

    وراء ليل المقبره

    رصاصة الرحمة يا اله

    الكويت 9/7/1964
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:34 am


    يا نهر

    يا نهر عاد إليك من أبد اللحود و من خواء الهالكين

    راعيك في الزمن البعيد يسرح البصر الحزين

    في ضفتيك و يسأل الأشجار عندك عن هواه

    أوراقها سقطت و عادت ثم أذبلها الخريف

    و تبدلت عشرين مرة

    هيهات يسمع إذ توسوس في الدجى أصداء آه

    بالأمس أطلقها لديك ترن في جرس الحفيف

    كم قبلة عادت دوائر في مياهك مستسرة

    دنياه كانت أمس فيك فهل تعود إلى الحياة

    ليود من شغف بمائك لو غدا

    ظلا يداعب فيه جنيّاته

    متعلقا بشراع كل سفينة

    ليجاذب الملاح أغنيّاته

    وتلوذ أنوار النجوم بصدره

    و تراقص الأمواج من ضحكاته

    ما أخيب الموتى إذا رجعوا إلى الدنيا القديمة

    و تلصصوا يتطلعون كما تطلع من كوى دار شريد

    و رأى ثمار الجمر سار عصيرها دفئا و جال عبيرها المهدود

    ما أخيب الموتى تكاد موتهم الهزيمة

    شيئا أمرّ من الحياة

    ما أخيب الموتى تغير كل شيء كل باق

    مما أطلّ على الحياة لانهم كانوا كواه

    أم مات ما عرفوه إذ ماتوا فليس سوى رؤاه ؟

    فتكبدوا ألم الفراق

    ألم التغرب مرتين فيا ضفاف النهر يا أمواجه و محاره

    ماذا تبقى فيك من أمس الهوى ؟

    الدوح أسلم للبلى ورقاته

    و هي التي سمعت لديك حواره

    و هي التي أودعت فيها في الضحى

    قبلاتنا وطويت فيها ناره

    إتى ذويت مع الظلام كما ذوى

    ياليت لي شفة فتلثم أو يدا فتمسّ ماءك

    إني لأكثر من غريب غربة و أشد حيرة

    لم يبق فيك سوى الزمان و ليس ما فيك قطرة

    من ماء أمس كأن فجرك عاد قبل غد مساءك

    و كأن ضفتك الحبيبة ضفّة الأبد البعيد

    يا نهر أن وردتك " هالة " و الربيع الطلق في نيسانه

    و لى صباها فهي ترتجف الكهولة و هي تحلم بالورود

    في حين أثقلها الجليد كأن نبعا في اللحود

    تمتص منه عروقها دمها فقل لم ينس عهدك

    و هو في أكفانه .

    ابو الخصيب 2/2/1962


    **************************************



    ليلة وداع




    أوصدي الباب فدنيا لست فيها

    ليس تستأهل من عيني نظرة

    سوف تمضين و أبقى أي حسرة

    أتمنى لك ألا تعرفيها

    آه لو تدرين ما معنى ثواني في سرير من دم

    ميت الساقين محموم الجبين

    تأكل الظلماء عيناي و يحسوها فمي

    تائها في واحة خلف جدار من سنين

    و أنين

    مستطار اللب بين الأنجم

    في غد تمضين صفراء اليد

    لا هوى أو مغنم نحو العراق

    و تحسين بأسلاك الفراق

    شائكات حول سهل أجرد

    مدها ذاك المدى ذاك الخليج

    و الصحارى و الروابي و الحدود

    أي ريش من دموع أو نشيج

    سوف يعطينا جناحين نرود

    بهما أفق الدجى أو قبة الصبح البهيج

    للتلاقي

    كل ما يربط فيما بيننا محض حنين و اشتياق

    ربما خالطه بعض النفاق

    آه لو كنت كما كنت صريحة

    لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحة

    ربما أبصرت بعض الحقد بعض السأم

    خصلة من شعر أخرى أو بقايا نغم

    زرعتها في حياتي شاعره

    لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقي دمي

    إنها ذكرى و لكنك غيرى ثائرة

    من حياة عشتها قبل لقانا

    وهوى قبل هوانا

    أوصدي الباب غدا تطويك عني طائرة


    غير حب سوف يبقى في دمانا

    21/8/1964
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:37 am

    الأسلحة والأطفال
    1
    عصافير أم صبية تمرح
    عليها سنا من غد يلمح
    وأقدامها العاريه
    محار يصلصل في ساقيه
    لأذيالهم رفة الشمأل
    سرت عبر حقل من السنبل
    وهسهسة الخبز في يوم عيد
    وغمغمة الأم باسم الوليد
    تناغيه في يومه الأول
    كأني أسمع خفق القلوع
    وتصخاب بحاره السندباد
    رأى كتره الضخم بين الضلوع
    فما اختار الاه كترا وعادا
    صدى عابر من وراء العصور
    من الكهف والغاب والمعبد
    سرى دافئا من عروق الصخور
    وازميل نحاتها المجهد
    يغني بأشواقه العاتيه
    الينا الى القمه العاليه
    الى أن يفل الردى بالحياه
    وتلقاه أجيالها الآتيه
    على صخرة حملتها يداه
    تحاياه في بسمة في الشفاه
    وفي أعين حجرت مقلتاه
    عليها دموعها الجاريه
    صدى رجعته الأكف الصغار
    يصفقن في الشارع المشرق
    كخفق الفراشات مر النهار
    عليها بفانوسه الأزرق
    وكم من أب آيب في المساء
    الى الدار من سعيه الباكر
    وقد زم من ناظريه العناء
    وغشاهما بالدم الخاثر
    تلقاه في الباب طفل شرود
    يكركر بالضحكة الصافيه
    فتنهل سمحاء ملء الوجود
    وتزرع آفاقه الداجيه
    نجوما وتنسيه عبء القيود
    وهم في ليالي الشتاء الطوال
    ربيع من الدفء والعافيه
    تلم العجائز فيه الورود
    ويلمحن عهد الصبا ثانيه
    ويرقصن بين التلال
    يرجحن أرجوحة في الخيال
    بعذراء في ليلة مقمره
    وفي ظل تفاحة مزهره
    تنام العصافير فيها
    وهم في الصباح
    خطى خافقات على السلم
    وأيد على أوجه النوم
    يدغدغنها في مزاح
    وأغنية من أغاني الطريق
    يلحن سوى لحنها الأول
    وشأو من الصوت مستعجل
    وهم رفقة الأم اذ تستفيق
    واذ تشعل النار في الموقد
    كخيط ترى فيه بدء الغد
    2
    عصافير أم صبية تمرح
    أم الماء من صخرة ينضج
    فيخضل عشب وتندى زهور
    زهور ونور
    وقبرة تصدح
    وتفاحة مزهرة
    لخفق العصافير فيها
    صدى قبلة الأم تلقى بنيها
    دعيني فما تلك بالقبرة
    دعيني أقل أنه البلبل
    وان الذي لاح ليس الصباح
    أتلك السفين التى تعول
    على مرفا ناوحته الرياح
    تلوح منهاأكف الجنود
    لألف كجولييت فوق الرصيف
    وداعا وداع الذي لا يعودا
    وأم كما استوحشت في الخريف
    وراء الدجى دوحة عاريه
    وفرت عصافيرها الشاديه
    عصافير أم صبية تمرح
    أم الماء من صخرة ينضح
    ولكن على جثة داميه
    وقبرة تصدح
    ولكن على خربة باليه
    عصافير
    بل صبية تمرح
    وأعمارها في يد الطاغية
    وألحانها الحلوة الصافيه
    تغلغل فيها نداء بعيد
    حديد عتيق
    رصاص
    حديد
    وكالظل من ياشق في الفضاء
    اذا اجتاح كالمدية الماضيه
    عصافير تشدو على رابيه
    ترامى الى الصبية الأبرياء
    نداء تنشقت فيه الدماء
    حديد عتيق
    حديد عتيق
    رصاص فحتى كأن الهواء
    رصاص وحتى كأن الطريق
    حديد عتيق
    وينفض كالمعول الحافر
    صدى راعب من خطى التاجر
    له الويل ماذا يؤيد
    حديد عتيق
    رصاص
    حديد
    لك الويل من تاجر أشأم
    ومن خائض في مسيل الدم
    ومن جاهل أن ما يشتريه
    لدرء الطوى والردى عن بنيه
    قبور يوارون فيها بنيه
    حديد عتيق
    رصاص000ص
    حديد
    حديد عتيق لموت جديد
    3
    حد00يد
    لمن كل هذا الحديد
    لقيد سيلوى على معصم
    ونصل على حلمة أو وريد
    وقفل على الباب دون العبيد
    وناعورة لاغتراف الدم
    رصاص
    لمن كل هذا الرصاص
    لأطفال كورية البائسين
    وعمال مرسيليا الجائعين
    وأبناء بغداد والآخرين
    اذا ما أرادوا الخلاص
    حديد
    رصاص
    رصاص
    رصاص
    حديد
    وأصغي الى التاجر
    وأصغي الى الصبية الضاحكين
    وكالنصل قبل انتباه الطعين
    وكالبرق ينفض في خاطري
    ستار وكالجرح اذ يترف
    أرى الفوهات التى تقصف
    تسد المدى واللظى والدماء
    وينهل كالغيث ملء الفضاء
    رصاص ونار ووجه السماء
    عبوس لما اصطك فيه الحديد
    حديد ونار حديد ونار
    وثم ارتطام وثم انفجار
    ورعد قريب ورعد بعيد
    وأشلاء قتلى وأنقاض دار
    حديد عتيق لغزوجديد
    حديد ليندك هذا الجدار
    بما خط في جانبيه الصغار
    و ما استودعوا من امان كبار
    سلام
    كان السنا في الحروف
    تخطى اليها ظلام الكهوف
    بامال انسانها الاول
    و ما اختط من صورة في الحجار
    تحدى بها الموت فهي انتصار
    و توق الى العالم الافضل
    حديد
    رصاص
    حديد عتيق
    رصاص ليخلو هذا الطريق
    من الضحكة الثرة الصافيه
    و خفق الخطى و الهتاف الطروب
    فمن يملا الدار عند الغروب
    بدفء الضحى و اخضلال السهوب
    لظى الحقد في مقلة الطاغيه
    و رمضاء انفاسه الباقيه
    يطوفان بالدار عند الغروب
    و اطلالها الباليه
    حديد عتيق
    نحاس عتيق
    و اصداء صفارة للحريق
    4
    حديد حديد
    و ام تبيع السرير العتيق
    تبيع الحديد الذي امس كان
    مهادا عليه التقا عاشقان
    و شد نداء الحياة العميق
    دراعا باخرى فما تخفقان
    فيا حسرتا حين يمسى غدا
    شظايا تدوي و بعض المدى
    تنحى بها عن ذراع ذراع
    و ينهد مهد و يخبو شعاع
    امن حيث كان التقاء الشفاه
    على الحب ينسجن خيط الحياه
    يحوك الردا غزله الاسودا
    دما او دخانا يحوك الردى
    شباكا من النار حول البيوت
    على صبية او صبايا تموت
    و يرتد حتى حديد السرير
    جناحا عليه المنايا تغير
    و حتى الذي في عيون الدمى
    من المعدن الزئبقي الحسير
    رصاصا ابح الصدى مرزما
    5
    حديد عتيق حديد حديد
    و اقدامها العاريه
    محار يصلصل في ساقيه
    و يعتاد بالي كرعد بعيد
    ضجيج الخطى و انهيار الصخور
    و خفق الفوانيس في المنجم
    و ما نض من عاريات الظهور
    و ما انسح في سعلة من دم
    و ملء السنا من غبار الحديد
    نواقيس فيها يرن السكون
    و اجراس مركبة من بعيد
    يخف لها صبية يلعبون
    نواقيس في الفجر و اليوم عيد
    و في الماء اضلال جسر جديد
    و همس النواعير و الزارعون
    و في كل حقل كنبض الحياه
    تهز المحاريث قلب الثرى
    و تبني القرى
    قرى طينها من رميم الطغاه
    و تخضل حتى الصخور الضنينه
    و يثمر حتى سراب الفلاه
    مدينه
    فاخرى فاخرى الى منتهاه
    حديد حديد
    و اقدامها العاريه
    و خفق الفوانيس في المنجم
    و اعماقه الرطبة الداجيه
    كظل الردى فاغرات الفم
    كبئر من الظلمة الطاميه
    ستمتاح منها الوف القبور
    و يهوي من الزعزع العاتيه
    عمى من دجاها على كل نور
    على النور من باب كوخ مضاء
    ومن كوة في خيام الرعاء
    ومن شرفة ظلها الياسمين
    دعيني اقل انة البلبل
    وان الذي لاح ليس الصباح
    على النور من موقد السامرين
    ومن مدرج بالسنا يغسل
    على كل نور تذر الرياح
    ظلال الطواغيت في المنجم
    كناعورة لاغتراف الدم
    تذر الرياح الرياح الرياح
    أراجيح في الملعب المظلم
    وخفق الفوانيس والأنجم
    وخفق الخطى والأكف الصغار
    وخفق الفراشات مر النهار
    عليها بفانوسه المعتم
    فمن يملأ الدار عند الغروب
    بدفء الضحى واخضلال السهوب
    رصاص حديد رصاص حديد
    وآهات ثكلى وطفل شريد
    ومن يفهم الأرض أن الصغار
    يضيقون بالحفرة الباردة
    اذا استترلوها وشط المزار
    فمن يتبع الغيمة الشارده
    ويلهو بلقط المحار
    ويعدو على ضفة الجدول
    ويسطو على العش والبلبل
    ومن يتهجى طوال النهار
    ومن يلثع الراء في المكتب
    ومن يرتمي فوق صدر الأب
    اذا عاد من كده المتعب
    ومن يؤنس الأم في كل دار
    أسى موجع أن يموت الصغار
    أسى ذقت منه الدموع الدموع
    أجاجا ومثل اللظى في الفم
    وأحسست فيه اشتعال الدم
    بعيني من نازفات الضلوع
    عويل من القرية النائية
    وشيخ ينادي فتاه الغريق
    بهذا الطريق وذاك الطريق
    ويسعى الى الضفة الخالية
    يسائل عنه المياه
    ويصرخ بالنهر يدعو فتاه
    ومصاباحه الشاحب
    يغني سدى زيته الناضب
    محال تراه
    ويحتو على الصفحة القاتمه
    يحدق في لهفة عارمه
    فما صادفت مقلتاه
    سوى وجهه المكفهر الحزين
    ترجرجه رعشة في المياه
    تغمغم لا لن تراه
    6
    حديد عتيق ورعب جديد
    حديد
    رصاص
    لأن الطغاه
    يريدون ألا تتم الحياه
    مداها وألا يحس العبيد
    بأن الرغيف الذي يأكلون
    أمر من العلقم
    وأن الشراب الذي يشربون
    أجاج بطعم الدم
    وأن الحياه الحياه انعتاق
    وأن ينكروا ما تراه العيون
    فلا بيدر في سهول العراق
    ولا صبية في الضحى يلعبون
    ولا همس طاحونه من بعيد
    ولا يطرق الباب ساعي البريد
    يبشرى ولا مترل
    يضيء الدجى منه نور وحيد
    سخي كما استضحك الجدول
    ولا هدهدات ولا جلجل
    يرن بساق الوليد
    وبين الربى في رقاب الجداء
    ولا وسوس الشاي فوق الصلاء
    ولا قصة في ليالي الشتاء
    لأن الطواغيت لا يسمعون
    صداح العصافير في المغرب
    كما صلصل الفضة القامرون
    ولا زفة السنبل المذهب
    لأن الطواغيت لا يحلمون
    بغير المبيعات والأسهم
    ان الطواغيت لا يسمعون
    سوى رنة الفلس والدرهم
    لأن الطواغيت لا يبصرون
    على الشاطىء الأسيوي البعيد
    سوى أن سوقا يباع الحديد
    وتستهلك الريح والنار فيها
    تدر العطايا على فاتحيها
    7
    بأقدام أطفالنا العاريه
    يمينا وبالخبز والعافيه
    اذا لم نعفر جباه الطغاه
    على هذه الأرجل الحافيه
    وأنلم نذوب رصاص الغزاه
    حروفا هي الأنجم الهاديه
    فمنهن في كل دار كتاب
    ينادي ففي واصدأي يا حراب
    وأن لم نضو القرى الداجيه
    ولم نخرس الفوهات الغضاب
    ونجل المغيرين عن آسيه
    فلا ذكرتنا بغير السباب
    أواللعن أجيالنا الآتيه
    سلام على العالم الأرحب
    على الحقل والدار والمكتب
    على معمل للدمى والنسيج
    على العش والطائر الأزغب
    على التوت وسنان فيه الأريج
    ووقح المجاديف في المغرب
    على زهرة في وساد العروس
    على صبية في انتظار الأب
    على شاعر تستحم الشموس
    بعينيه يصغي الى جندب
    سلام على العالم الأرحب
    سلام على الكنج فاض النعيم
    ورنت أغاريد في ضفتيه
    قرى من سنا عاصرات عليه
    عناقيد من ضوئهن العظيم
    سلام على الصين والحاصدين
    وصياد أسماكها الأسمر
    وما أنبتت من دم الثائرين
    وما افتر في البيرق الأحمر
    على صبية في قراها البعاد
    وفي ظل تفاحها المزهر
    وما جررت في ليالي الحصاد
    ثيان العذراى على البيدر
    سلام لأن الربيع
    يمر بودياننا كل عام
    وما زال قوس الغمام
    ولولا الذي كدسوا من نضار
    به يستضيئون دون النهار
    تجوع الملايين عن جانبيه
    وينحط في كل يوم عليه
    دم من عروق الورى أو نثار
    كذر الغبار
    لما هزت الأمهات المهود
    على هوة من ظلام اللحود
    ولم تذرف الدمع عبر البحار
    وعبر الصحارى نساء الجنود
    ولم يرفع الزراع الأشيب
    الى مقلتيه اليد الراجفه
    يحدق في عتمة العاصفه
    ويصغي وفي روعه القاصفه
    ولم يبك صرعى بنيه الأب
    جزوعا بأن يثكل الآخرين
    ولا شردت نومة العاشقين
    كوابيس من أعين الهالكين
    وارنان صفارة تنعب
    وغى فاستفاقوا ولا كوكب
    ولا لمعة من سراج تبين
    سوى قعقعات السلاح
    وعصف الرياح
    ولا ساءل الأم طفل غرير
    ألا بلدة ليس فيها سماء
    فلا قاذفات المنايا تغير
    ولا من شظايا تسد الفضاء
    ولا اختض في الصرصر اللاجئون
    ولألاء يافا تراه العيون
    وقد حال من دونه الغاصبون
    بما أشرعوا من عطاش الحراب
    وما استأجروا من شهود كذاب
    وما صفحوا بالردى من حصون
    سلام على العالم الأرحب
    على مشرق منه أو مغرب
    سلام لآفون لروى عروق
    شكسبير والزهر والداليه
    أفق شاعر النور أن الشروق
    تهدده غيمة داجيه
    سعى مكبث تحتها في احتراس
    لقتل النعاس
    لقتل النعاس البريء
    سلام لباريس روبسبيي
    والوار والغابة الحالمه
    وعشاقها في المساء الأخير
    تذريهم قوة ظالمه
    كدوامة من رياح السعير
    على تونس من لظاها ظلال
    وحول الرباط المدمى هدير
    وفي جيرة الصين حل انخذال
    بقطعانها الفظة الضارية
    لك المجد يا أسيه
    سلام لفينيس والكرنفال
    وأضوائه الثرة الزاهيه
    وهمس المحبين بين الظلال
    وفي دفء قمرائه الضاحيه
    8
    عصافير أم صبية تمرح
    أم الماء من صخرة ينضح
    وأقدامها العاريه
    مصابيح ملء الدجى تلمح
    هتكنا بها مكمن الطاغيه
    وظلماء أو جاره الباليه
    علينا لها أنها الباقيه
    وأن الدواليب في كل عيد
    سترقى بها الريح جذلى تدور
    ونرقى بها من ظلام العصور
    الى عالم كل ما فيه نور
    رصاص رصاص رصاص حديد
    حديد عتيق
    لكون جديد


    *****************************************************
    ****************************************
    **********************

    ها..ها..هوه



    تنامين أنت الآن و الليل مقمر

    غانيه أنسام وراعيه مزهر

    و في عالم الأحلام من كل دوحة

    تلقاك معبر

    و باب غفا بين الشجيرات أخضر

    لقد أثمر الصمت ( الذي كان يثمر

    مع الصبح بالبوقات أو نوح بائع

    بتين من الذكرى و كرم يقطر

    على كل شارع

    فيحسو و يسكر

    برفق فلا يهذي و لا يتنمر

    رأيت الذي لو صدق الحلم نفسه

    لمد لك الفما

    و طوق خصرا منك و احتاز معصما

    لقد كنت شمسه

    و شاء احتراقا فيك فالقلب يصهر

    فيبدو على خديك و الثغر أحمر

    و في لهف يحسو و يحسو فيسكر

    لقد سئم الشعر الذي كان يكتب

    كما مل أعماق السماء المذنب

    فأدمى و أدمعا

    حروب و طوفان بيوت تدمر

    و ما كان فيها من حياة تصدعا

    لقد سئم الشعر الذي ليس يذكر

    فأغلق للأوزان بابا وراءه

    و لاح له باب من الآس أخضر

    أراد دخولامنه في عالم الكرى

    ليصطاد حلما عينيك يخطر

    و هيهات يقدر

    من النفس من ظلمائها راح ينبع

    و ينثال نهر سال فانحل مئزر

    من النور عن وضاء تخبو و تظهر

    وفي الضفة الأخرى تحسين صوته

    فما كان يسمع

    كما يشعر الأعمى إذ النور يظهر

    يناديك

    ها هو هوه

    ماء و يقطر

    من السعفة النشوى

    بما شربت من غيمة نثها نجوى

    و أصداء أقدام إلى الله تعبر

    و ناديت ها هو هوه لم ينشر الصدى

    جناحيه أو يبك الهواء المثرثر

    و نادى ورددا

    ها هو هوه

    و فتحت جفنا و هو ما زال ينظر

    ينادي و يجأر




    لندن 29/2/1963
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:41 am


    لا تزيديه لوعة


    لا تزيديه لوعة فهو يلقاك*** لينسى لديك بعض اكتئابه
    قربي مقلتيك من وجهه الذاوي*** تري في الشحوب سر انتحابه
    و انظري في غصونه صرخة اليأس*** أشباح غابر من شبابه :
    لهفة تسرق الخطى بين جفنيه*** و حلم يموت في أهدابه
    **
    و اسمعيه إذا اشتكى ساعة البين*** و خاف الرحيل- يقوم اللقاء
    و احجبي ناظريه, في صدرك المعطار*** وعن ذاك الرصيف المضاء
    عن شراع يراه في الوهم ينساب*** وموج يحسه في المساء :
    الوداع الحزين!! شذى ذراعيك*** عليه على الأسى والشقاء
    **
    حدثي حديثه عن ذلك الكوخ*** وراء النخيل بين الروابي
    حلم أيامه الطوال الكئيبات*** فلا تحرميه حلم الشباب
    أوهميه بأنه سوف يلقاك*** على النهر تحت ستر الضباب
    وأضيئي الشموع في ذلك الكوخ*** وإن كان كله من سراب
    **
    كلما ضج شاكيا في ذراعيك**** انتهاء الهوى صرخت انتهارا
    فارتمي أين يرتمي صدره الجـ*** ـاش حزناً وحيرة وانتظارا ؟
    اغضبي وادفعيه عن صدرك*** القاسي وأرخي على هواه الستارا
    أوصدي الباب خلفه.. واتركيه**** مثلما كان.. للدجى والصحارى !


    *********************************
    **********************
    ***********

    يا أبا الأحرار

    هب في الفجر هبوب العاصفات*** قدر حطم أبواب الطغاة
    قدر من سدة الله سعى*** يزرع الزيتون في الأرض الموات
    يا لها من قبضة في حدها*** يكمن الموت و أسباب الحياة
    حررت أعناقها من نيرها*** و أنارت في الليالي المظلمات
    يا كريما ما رأينا مثله*** من كريم يا نجي المكرمات
    لم تلح لولاك في ذاك الدجى*** شمسنا أو تهو أصنام البغاة
    يا أبا الأحرار يا رافعها*** رابة تزهو على شط الفرات
    دم لشعب عاش من تموزه*** في نعيم فوق أشلاء الطغاة
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:48 am

    هرم المغني



    بالأمس كنت إذا كتبت قصيدة فرح الدم

    فأغمغم

    و أهيم ما بين الجداول و الأزاهر و النخيل

    أشدو بها أترنّم

    زاد لروحي منذ سقسقة الصباح إلى الأصيل

    زاد و لكن عنه قد صدفت تجوع و لا تريد

    ما ينعش الآمال فيها

    هي حشرجات الروح أكتبها قصائد لا أفيد

    منها سوى الهزء المرير على ملامح قارئيها

    **

    هرم المغنّي هدّ منه الداء فارتبك الغناء

    بالأمس كان إذا ترنّم يمسك اللّيل الطروب

    بنجومه المترنحات فلا تخر على الدروب

    و اليوم يهتف ألف آه لا يهز مع المساء

    سعف النخيل و لا يرجح زورق العرس المحلّى

    بعيون أرام و دفلى

    و درابك ارتعدت حناجرها فأرعدت الهواء

    **

    هرم المغني فاسمعوه برغم ذلك تسعدوه

    و لتوهموه بأن من أبد شبابا من لحون

    و هوى ترقرق مقلتاه له و ينفح منه فوه

    هو مائت أفتبخلون

    عليه حتى بالحطام من الأزاهر و الغصون

    أصغوا إليه لتسمعوه

    يرثي الشباب و لا كلام سوى نشيج بالعيون

    سلم على إذا مررت

    أتى و سلّم صدّقوه

    هرم المغنّي فارحموه


    ****************************************************
    ***********************************
    ****************


    الغيمة الغريبة

    المومس الأجيرة الحقيرة

    أكثر من حبيبتي سخاءا

    أتيتها مساءا

    معانقا أعانق الهواءا

    هبّ من القطب على الظهيرة

    مقبلا عيونها الخواءا

    كأنني كيشوت في الأصيل

    يركض خلف ظله الطويل

    و يطعن السنابل الكسيرة

    يظنها الأعداء

    ضممت منها جثة بيضاءا

    تكفنت من داخل و قبرها

    في جوفها تناءى

    حملت منها صخرة صماءا

    تشدني إلى الثرى

    أرفعها لتلثم الجوزاءا

    الحب أن تبذل أن تنال ما تريد

    كالنبع إذ يدفق لا كالبئر

    كالنار تطوي نحوك السماءا

    لا شرر الزناد

    أستزيد

    فألتقى دمعي كغيمة تعيد نفسها للبحر

    أتعلم السحابة المرعدة المبرقة المجلجلة

    بأن ماءها سيستحيل غيمة إليها مقبلة

    تبذله في الفجر

    و تلتقي به قبيل العصر

    أريد أن أضمّ أن أقّبل

    الدم الذي ينبض في الشفاة

    كأنما القلب الذي يقّبل

    الجسد الموات لا يحس شهقة الإله

    تغور كالمدية حين تقتل

    فتبعث الحياة القتيل

    أريد أن أحرق كالحريق من أخيل :

    في القلب و اليدين و الكعبين

    و يأكل النار لظى في عيني

    لو كان ما تحسه الحبيبة

    الألم الدوار لا الخواءا

    ماكنت مثل غيمة غريبة

    ترعد حتى تشعل الهواءا

    رعدا

    و تأبى الأرض أن تجيبه .
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:54 am

    نهر العذارى



    يا نهر لولا منحناك و ما يشابك من فروع

    لاقتافت البسمات في عيني تطفأ بالدموع

    **

    حجبت بالشأو البعيد تسد بابيه الظلال

    وجهاً تلاقي في محياه الوداعة و الجمال

    مرآتك السجواء منذ جلوتها تحت السماء

    ما لاح فيها مثل ذاك الوجه في ذاك الصفاء

    **

    إن أوقد الليل العميق نجومه في جانبيك

    لّماحة الأضواء تغمر بالأشعة ضفتيك

    **

    حدّثت عنه النجم ، والآهات يقطعن الخرير

    والنجم يشكو ، مثلما تشكو هواك إلى الأثير

    ناشدت ألحاظ الكواكب و هي تخترق الظلام

    ألا ينمن و إن تشهّين الكرى حتى تنام:

    **

    أنتن أسعد ما أظل الكون يا زهر النجوم

    أنتن أبصرتنّ ذاك الوجه في الليل البهيم!

    **

    حتى إذا ما رنح النجم الأخير سنا الصباح

    فانقضّ تحت القبة الزرقاء محترق الجناح

    **

    وانساب غي الوادي شتات الزارعين أو الرعاة

    فالجو تنبض في نسائمه الندية ألف آه

    أصبحت فوق المعبر المهجور أرقب منحناك

    فأبوح بالشكوى و تسكت عن شكاتي ضفتاك

    **

    يانهر جيكور الجميل ، ومنتهى شكواك نور

    لا الشمس مطفئة جواي ، ولا الكواكب والبدور

    **

    لا الصبح يوهن لاعجات الليل والوجد المثار

    في مقلتي ، ولايهيض الليل أحقاد النهار

    **

    الفتنة السمراء تسرقها مياهك بعد حين:

    الشعر و العينين و الثغر المفلج و الجبين

    **

    فإذا الهجيرة أطلقتها زرقة الأفق البعيد

    فالظلّ مقصوص الجناح يفرّ من عود لعود

    **

    والجوسق المستوحد ، المهجور ، في غاب النخيل

    تأوي إليه الغادة السمراء لاهبة الغليل

    **

    والدوحة اللفاء تحتبس البرودة في الظلال

    مهد لأطفال الحقول ، وملعب رحب المجال

    **

    سارت إليك بطيئة الخطوات ذابلة الشّفاة

    جاءتك ظمأى بالبنان الرخص تغترف المياه

    **

    كم عدت مخمور الفؤاد بموعد المدّ القريب

    جذلان أقتحم الظهيرة بالتطلع و الوثوب

    **

    التوت فوق الشاطئ الغربي و السّعف الصموت

    لا يجهلان تنهّداتي و هي بينهما تموت

    **

    و الغاب ساعتي الحبيبة من ظلال عقرباها

    كم أنبآني أن طرفي بعد حين قد يراها

    **

    و اليوم يسقي مدّك العاني أواخر كل جزر

    لا ذاك يجلوها و لا هذا بما أرجوه يجري

    * *

    و اليوم إن سكر الخرير و عاد يحتضن الجرارا !

    لم ألق عذرائي فكيف الصّبر يا نهر العذارى ؟!



    *******************************************************
    ****************************************
    **********************

    اتبعيني


    اتبعيني

    فالضحى رانت به الذكرى على شط بعيد

    حالم الأغوار بالنجم الوحيد

    وشراع يتوارى واتبعيني

    همسة في الزرقة الوسنى وظل

    من جناح يضمحل

    في بقايا ناعسات من سكون

    في بقايا من سكون

    في سكون !

    **

    هذه الأغوار يغشاها خيال

    هذه الأغوار لا يسبرها إلا ملال

    تعكس الأمواج في شبه انطفاء

    لونه المهجور في الشط الكئيب

    في صباح ومساء

    وأساطير سكارى ... في دروب

    في دروب أطفأ الماضي مداها

    وطواها

    فاتبعيني .. إتبعيني

    **

    اتبعيني ... ها هي الشطآن يعلوها ذهول

    ناصل الألوان كالحلم القديم

    عادت الذكرى به ساج كأشباح نجوم

    نسي الصبح سناها والأفول

    في سهاد ناعس بين جفون

    في وجوم الشاطئ الخالي كعينيك انتظار

    وظلال تصبغ الريح وليل ونهار

    صفحة زرقاء تجلو في برود

    وابتسام غامض ظل الزمان

    للفراغ المتعب البالي على الشط الوحيد

    اتبعيني في غد يأتي سوانا عاشقان

    في غد حتى وإن لم تتبعني

    يعكس الموج على الشط الحزين

    والفراغ المتعب المخنوق أشباح السنين

    **

    أمس جاء الموعد الخاوي وراحا

    يطرق الباب على الماضي على اليأس عليا

    كنت وحدي .. أرقب الساعة تقتات الصباحا

    وهي ترنو مثل عين القاتل القاسي إليا

    أمس.. في الأمس الذي لا تذكرينه

    ضوأ الشطآن مصباح كئيب في سفينته

    واختفى في ظلمة الليل قليلا فقليلا

    وتناءت في ارتخاء وتوان

    غمغمات مجهدات وأغاني

    وتلاشت تتبع الضوء الضئيلا

    أقبلي الآن ففي الأمس الذي لا تذكرينه

    ضوأ الشطآن مصباح كئيب في سفينته

    واختفى في ظلمة الليل قليلا فقليلا .
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 6:58 am


    أغنية الراعي

    دعي أغنامنا ارعى حيال المورد العذاب

    و هيا نعتلي الربوة يا فاتنة القلب

    فنلقى تحتنا الوديان في ليل من العشب

    خيالانا به طيف من الآمال و الحب

    خطايا تبعث الذكرى بقلب الورد و الزهر

    سيبقى في غد منها صدى ينساب في النهر

    و في الأنداء ما ذابت على وقع خطى الفجر

    و في أغنية الرعيان ما بين الربى الخضر

    سئمنا العالم الفاني و الناس و مرعانا

    لقد سجنوا بأغلال من الأنظار نجوانا

    سننشد في أمان من عيون الناس مأوانا

    ضعي يدك الجميلة في يدي و لنذهب الآنا

    و من أثواب قطعانك يا ريحانة العمر

    نحوك شراع زورقنا و نطوي لجة العمر

    نغني الموج أغنية الرعاة على الربى الخضر

    لقيثار روى أنغامه عن ربه الشعرا

    نؤم جزيرة منسية في بحرها النائي

    طوى الموج بشطيها جناحيه بأعياء

    إليها أومأ المجداف لما ضلها الرائي

    و أضحى دمعه يرسم أقمارا على الماء

    سنبني كوخنا تحت الغصون بجانب النبع

    و نملؤه بما شئناه من زهر و من شمع

    و أنغام رواها الوتر السكران بالدمع

    و عطر قطفت أزهاره من ذلك الجذع

    ستهوي شفتانا فيه نحو القبلة الأولى

    فيصغي في صداها خافق ما زال مبتولا

    إلى همس المجاديف طواها الليل تقبيلا

    إلى نجوى الينابيع بروض بات مطلولا

    تعالي نهجر الآثام و الناس و دنيانا

    لأرض سبقتنا نحوها بالسير روحانا

    هناك نرى المنى و الحب و الأحلام ترعانا

    ضعي يدك الجميلة في يدي و لنذهب الآنا


    ***********************************************
    ************************************
    *********************


    رئة تتمزق



    الداء يثلج راحتي، ويطفيء الغد ... في خيالي

    ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال

    تهتز في رئتين يرقص فيهما شبح الزوال

    مشدودتين إلى ظلام القبر بالدّم والسعال ..

    **

    واحسرتا ؟! كذا أموت ؟ كما يجف ندى الصباح ؟

    ما كاد يلمع بين أفواف الزنابق والأقاحي

    فتضوع أنفاس الربيع تهزّ أفياء الدوالي

    حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح !

    **

    كم ليلة ناديت باسمك أيها الموت الرهيب

    وودت لو طلع الشروق علي إن مال الغروب

    بالأمس كنت أرى دجاك أحب من خفقات آل

    راقصن آمال الظماء ... فبلها الدم واللهيب !

    **

    بالأمس كنت أصيح : خذني في الظلام إلى ذراعك

    وأعبر بي الأحقاب يطويهن ظل من شراعك

    خذني إلى كهف تهوم حوله ريح الشمال ..

    نام الزمان على الزمان به وذابا في شعاعك

    **

    كان الهوى وهما يعذبني الحنين إلى لقائه

    ساءلت عنه الأمنيات وبت أحلم بارتمائه

    زهراَ ونوراَ في فراغ من شكاة وابتهال ..

    في ظلمة بين الأضالع تشرئب إلى ضيائه

    **

    واليوم حببت الحياة إلي وابتسم الزمان

    في ثغرها وطفا على أهدابها الغد والحنان

    سمراء تلتفت النخيل المساهمات إلى الرمال

    في لونها وتفر ورقاء ويأرج أقحوان

    **

    شع الهوى في ناظريها فاحتواني واحتواها

    وارتاح صدري وهو يخفق باللحون على شذاها

    فغفوت استرق الرؤى والشاعرية من رؤاها

    وأغيب في الدفء المعطر كالغمامة في نداها

    **

    عينان سوداوات أصفى من؟ أماسي اللقاء

    وأحب من نجم الصباح إلى المراعي والرعاء

    تتلألأن عن الرجاء كليلة تخفي دجاها

    فجراَ يلون بالندى درب الربيع وبالضياء

    **

    سمراء يا نجما تألق في مسائي أبغضيني

    واقسي علي ولا ترقى للشكاة وعذبيني

    خلي احتقارًا في العيون وقطبي تلك الشفاها

    فالداء في صدري تحفز لافتراسك في عيوني !

    **

    يا موت يارب المخاوف والدياميس الضريرة

    اليوم تأتي ؟! من دعاك ؟ ومن أرادك أن تزوره ؟

    أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها

    دعني أعيش على ابتسامتها وان كانت قصيرة

    **

    لا ! سوف أحيى سوف أشقى سوف تمهلني طويلا

    لن تطفئ المصباح لكن سوف تحرقه فتيلا

    في ليلة في ليلتين سيلتقي آها فآها

    حتى يفيض سني النهار فيغرق النور الضئيلا !!

    **

    يا للنهاية حين تسدل هذه الرئة الأكيل

    بين السعال على الدماء فيختم الفصل الطويل

    والحفرة السوداء تفغر بانطفاء النور فاها

    إني أخاف أخاف من شبح تخبئه الفصول !!

    **

    وغدا إذا ارتجف الشتاء على ابتسامات الربيع

    وانحل كالظل الهزيل وذاب كاللحن السريع

    وتفتحت بين السنابل وهي تحلم بالقطيع

    والناي زنبقة مددت يدي إليها في خشوع

    **

    وهويت أنشقها فتصعد كلما صعد العبير

    من صدري المهدوم حشرجة فتحترق العطور

    تحت الشفاه الراعشات ويطفأ الحقل النضير

    شيئا فشيئا .. في عيوني ثم ينفلت الأسير !!
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 7:01 am

    سراج

    أراع يطويي بحار الظلام ...............أو سراج في غرفة المستهام
    شاحب الضوء يرقب الشاعر ..............السهران تبكيه نائبات الغرام
    خافق مثل فلبه حين يطغى................ راعش مثل دمعه في انسجام
    أعليه لنجمة الصبح وعد ............بلقاء فبات نضو سقام
    فهو نبع تحت الظلام فريد ............لو روى قلب ظاميء من أوام
    و هو أرجوحة الظلام و ظل .............حركته أنامل الأنسام
    و جناح يبيت ينتظر الفجر ..........خفوق بغصنه المتسامي
    مر طيف من الحبيبة يهفو ............للقاء المعذب المستضام
    فطواه اللظى وبات دخانا ............يطرق الليل نفحة من قتام
    فرويدا كفى السراج اعتسافا.............. انه غال رائع الأحلام
    بأسى الليل باحتراق الفراشات........ بدمع من النفوس الظوامى
    بسهاد الفتى بما بين جنبيه ..........بما للنجوم من آلام
    رحمة أيها السراج بمن أحص .......يت آهاته وراء الظلام
    لا تسامره إنه شاعر ضل ............بدنيا الخيال و الأوهام
    أذان الصبح أن يلوح فدعه.......... يسعد الطرف لحظة بمنام

    *******************************************************************
    ***********************************************
    ************************
    أساطير

    أساطير من حشرجات الزمان

    نسيج اليد البالية

    رواها ظلام من الهاوية

    وغنى بها ميتان

    أساطير كالبيد ماج سراب

    عليها وشقت بقايا شهاب

    وأبصرت فيها بريق النضار

    يلاقي سدى من ظلال الرغيف

    وأبصرتني والستار الكثيف

    يواريك عني فضاع انتظار

    وخابت منى وانتهى عاشقان

    **

    أساطير مثل المدى القاسيات

    تلاوينها من دم البائسين

    فكم أومضت في عيون الطغاة

    بما حملت من غبار السنين

    يقولون : وحي السماء

    فلو يسمع الأنبياء

    لما قهقهت ظلمة الهاوية

    بأسطورة بالية

    تجر القرون

    بمركبة من لظى في جنون

    لظى كالجنون !

    **

    وهذا الغرام اللجوج

    أيريد من لمسة باردة

    على إصبع من خيال الثلوج

    وأسطورة بائدة

    وعرافة أطلقت في الرمال

    بقايا سؤال

    وعينين تستطلعان الغيوب

    وتستشرقان الدروب

    فكان ابتهال وكانت صلاة

    تغفر وجه الآلة

    وتحنو عليه انطباق الشفاة

    **

    تعالي فما زال نجم المساء

    يذيب السنا في النهار الغريق

    ويغشى سكون الطريق

    بلونين من ومضة واطفاء

    وهمس الهول الثقيل

    بدفء الشذى واكتئاب الغروب

    يذكرني بالرحيل

    شراع خلال التحايا يذوب

    وكف تلوح يا للعذاب

    **

    تعالي فما زال لون السحاب

    حزينا .. يذكرني بالرحيل

    رحيل

    تعالي تعالي نذيب الزمان

    وساعة في عناق طويل

    ونصبح بالأرجوان شراعا وراء المدى

    وننسى الغدا

    على صدرك الدافئ العاطر

    كتهويمة الشاعر

    تعالي فملء الفضاء

    صدى هامس باللقاء

    يوسوس دون انتهاء

    **

    على مقلتيك انتظار بعيد

    وشيء يؤيد

    ظلال

    يغمغم في جانبيها سؤال

    وشوق حزين

    يريد اعتصار السراب

    وتمزيق أسطورة الأولين

    فيا للعذاب

    جناحان خلف الحجاب

    شراع ..

    وغمغمة بالوداع !!


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 7:04 am


    (( أراها غدا ))

    أراها غدا هل أراها غدا

    فؤادي وهل فى ضلوعي فؤاد

    كأنى به خاذلى أن تمر

    مشى العمر ما بيننا فاصلا

    ومن لى بطى السنين الطوال

    أراها فأذكر أنى القريب

    أراها فأنفض عنها السنين

    فتغدو وعمرى أخو عمرها

    أغض أذا ما بدت ناظرى

    ولو أنها نبئت بالغرام

    وقالت أيعصى ندا الحب

    سأنسى الجراحات و الامنيات

    وأنسى النوى أم يحول الردى

    لقد كدت أنساه لولا الصدى

    على بعد ما بيننا من مدى

    فمن لى بأن أسبق الموعدا

    ستمضى دموعى وحبى سدا

    وأنسى الفتى الشارد المبعدا

    كما تنفض الريح برد الندى

    ويستوقف المولد المولدا

    فهيهات تلعم كم سهدا

    غرامى لقربت المنشدا

    حرمت الهوى أن عصيت الندا

    سوى أن عينى تراها غدا




    **********************************************
    **********************************
    ********************



    المساء الأخير



    برب الهوى يا شمس لا تتعجلي
    لعلي أراها قبل ساع الترحل

    سريت فأفق الغرب يلقلك باسما
    طروبا و أفق الشرق بادي التذلل

    كأن السنا إذ فارق الأرض و اعتلى
    رؤوس الروابي و النخيل المسبل

    أحاسيس أخفاها الفؤاد وصانها
    زمانا ففاضت من عيون و مقل

    و صفصافة مخضوبة الرأس بالسنا
    تراع بزفزاف من الريح معول

    تبين كعذراء من الريف أقبلت
    بجرتها من دافق الماء سلسل

    نعى لي و للناس النهار ( مؤذن )
    وقد كان ينعي لي قؤادي و مأملي

    تمنيته لا يسمع الصوت أخرسا
    تمنيت لو يهوي إلى الأرض من عل

    ألا وقرت آذان من يسمعونه
    بأشلاء قلب في ضلوعي مقتل

    ألا نثرت من تحت أقدامه أسى
    حجارة ذاك المسجد المتبتل

    أطرت عصافير الربى حين غادرت
    كأن بتغريد العصافير مقتلي

    رأيت بها بدهر مجنح
    فأبغضت أشباه العدو المنكل

    كأنى به لما يمد جناحه
    يمد لأكباد الورى حد فيصل

    ألا ليت عمر اليوم يزداد ساعة
    ليزداد عمر الوصل نظرة معجل
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 10696
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: الشاعر بدرشاكر السياب

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 7:08 am


    عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ،
    أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .
    عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
    وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهَرْ
    يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر
    كأنما تنبض في غوريهما ، النّجومْ ...
    وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ
    كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء ،
    دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،
    والموت ، والميلاد ، والظلام ، والضياء ؛
    فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء
    ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء
    كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر !
    كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ
    وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر ...
    وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم ،
    ودغدغت صمت العصافير على الشجر
    أنشودةُ المطر ...
    مطر ...
    مطر ...
    مطر ...
    تثاءب المساء ، والغيومُ ما تزالْ
    تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ .
    كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :
    بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ
    فلم يجدها ، ثمَّ حين لجّ في السؤال
    قالوا له : "بعد غدٍ تعودْ .. "
    لا بدَّ أن تعودْ
    وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ
    في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ
    تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛
    كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباك
    ويلعن المياه والقَدَر
    وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ .
    مطر ..
    مطر ..
    أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟
    وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟
    وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟
    بلا انتهاء – كالدَّم المراق ، كالجياع ،
    كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !
    ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
    وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ
    سواحلَ العراق بالنجوم والمحار ،
    كأنها تهمّ بالشروق
    فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ .
    أَصيح بالخليج : " يا خليجْ
    يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى ! "
    فيرجعُ الصّدى
    كأنّه النشيجْ :
    " يا خليج
    يا واهب المحار والردى .. "
    أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ
    ويخزن البروق في السّهول والجبالْ ،
    حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ
    لم تترك الرياح من ثمودْ
    في الوادِ من أثرْ .
    أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
    وأسمع القرى تئنّ ، والمهاجرين
    يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ،
    عواصف الخليج ، والرعود ، منشدين :
    " مطر ...
    مطر ...
    مطر ...
    وفي العراق جوعْ
    وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ
    لتشبع الغربان والجراد
    وتطحن الشّوان والحجر
    رحىً تدور في الحقول ... حولها بشرْ
    مطر ...
    مطر ...
    مطر ...
    وكم ذرفنا ليلة الرحيل ، من دموعْ
    ثم اعتللنا – خوف أن نلامَ – بالمطر ...
    مطر ...
    مطر ...
    ومنذ أنْ كنَّا صغاراً ، كانت السماء
    تغيمُ في الشتاء
    ويهطل المطر ،
    وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ
    ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ .
    مطر ...
    مطر ...
    مطر ...
    في كل قطرة من المطر
    حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ .
    وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة
    وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
    فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد
    أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ
    في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة !
    مطر ...
    مطر ...
    مطر ...
    سيُعشبُ العراق بالمطر ... "
    أصيح بالخليج : " يا خليج ..
    يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "
    فيرجع الصدى
    كأنَّه النشيج :
    " يا خليج
    يا واهب المحار والردى . "
    وينثر الخليج من هِباته الكثارْ ،
    على الرمال ، : رغوه الأُجاجَ ، والمحار
    وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق
    من المهاجرين ظلّ يشرب الردى
    من لجَّة الخليج والقرار ،
    وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ
    من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى .
    وأسمع الصدى
    يرنّ في الخليج
    " مطر ..
    مطر ..
    مطر ..
    في كلّ قطرة من المطرْ
    حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ .
    وكلّ دمعة من الجياع والعراة
    وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
    فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
    أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ
    في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة . "
    ويهطل المطرْ ..


    *******************************************
    ******************************
    ****************

    أقداح و أحلام



    أنا لا أزال و في يدي قدحي ياليل أين تفرق الشرب
    ما زلت أشربها و أشربها حتى ترنح أفقك الرحب
    الشرق عُفر بالضباب فما يبدو فأين سناك يا غرب؟
    ما للنجوم غرقن ، من سأم في ضوئهن و كادت الشهب ؟
    أنا لا أزال و في يدي قدحي ياليل أين تفرق الشرب ؟
    ******
    الحان بالشهوات مصطخب حتى يكاد بهن ينهار
    و كأن مصاحبيه من ضرج كفان مدهما لي العار
    كفان ؟!بل ثغران قد صبغا بدم تدفق منه تيار
    كأسان ملؤهما طلى عصرت من مهجتين رماهما الحب
    آو مخلبان عليهما مزق حمراء تزعم أنها قلب
    ******
    الخمر جمعت الدهور , ومافيهن بين جوانب الحان
    ياويحها! أسكرتُ أم سكرتْأم نحن في السكرات سيّان
    رمت العوالم والدهور على ثغري وفوق يدي وأجفاني
    كفي تمدّ فما تناولني كأسا لعيني خمرها نهب
    وأصافح الدنيا .. فياعجبا البعد لان .. وأعرض القرب !
    ******
    يا ليل ، أين تطوف بي قدمي ؟ في أي منعرج من الظلم
    تلك السبيل أكاد أعرفها بالأمس خاصر طيفها حلمي
    هي غمد خنجرك الرهيب ، و قد جردته و مسحت عنه دمي
    تلك السبيل على جوانبها تتمزق الخطوات أو تكبو
    تتثاءب الأجساد جائعة فيها كما يتثاءب الذئب
    حسناء يلهب عريها ظمأي فأكاد أشرب ذلك العريا
    و أكاد أحطمه ، فتحطمني عينان جائعتان كالدنيا
    غرست يد الحمى على فمها زهرا طوى شهواتها طيّا
    إن فتحته بحرها شفة سكرى يعربد فوقها ندب
    رقص اللهيب على كمائمه و مشى الطلاء يهزه الوثب
    عين يرنح هدبها نفسي وفم يقطع همسه الداء
    ويد على كتفي مجلجلة رباه .. ويك !أتلك حواء
    لا كنت آدمها و لا لفحت فردوسي الخمري صحراء
    صوت النعاس يرن في أفقي فتذوب ناعسة به السحب
    إن الفراش يقيك ياقدمي سوء العثار إذا دجى درب
    ******
    أنا حائر متوجف قلق كالظل بين جوانب البحر
    المد قربني إلى شبحي والآن تبعدني يد الجزر
    وأنا الضياء تخيفني دجن وأخاف أن سأضيع في الفجر
    يانوم كل عوالمي حجب ولو التقيتك ذابت الحجب
    و انثال ، من سهري على سهري ينبوعك المتثائب الرطب
    أثملت بين جوانحي أملا ماكنت أعلم أنه أمل
    مثل الفراشة عاد يحبسها دوح بذائب طله خضل
    لولا خفوق جناحها غفلت بيض الأزاهر عنه والمقل
    أنا من ظلالك بين أودية عذراء ، كل سهادها عشب
    هام الضباب على جوانبها طل الوشاح كنجمة تخبو
    ******
    أنا كوكب ظمآن ترعشه نطف مؤرجة من السحر
    أنا غير جسمي عالمي حلم بكر الظلال ، ولمحه عمري
    قلبي تغرّب عن أحبته وانسل من نغماته وتري
    فإذا لثمت فغير خادعة باتت لكل مخادع تصبو
    وإذا شدوت أرن في أفق عبر السماء غنائي العذب
    ******
    هو يافؤادي طيفها مسحت عنه التراب أنامل الغسق
    هو غير تلك أما ترى ألقا هو من دمائك أنت من حرقي
    هو غيرها .. غدرت ، وبادلني حبي ، و ضمد بالسنا أفقي
    ومن المهازل أن يرى أمدا بين الخيانة و الهوى _ هدب ؟
    أين العوالم كيف غيّرها نوم يرف وخاطر صب
    ******
    خفقت ذوائبها على شفتي و سنى فأسكر عطرها نفسي
    نهر من النفحات أرشفني ريحا تريب مجامر الغلس
    فكأن نايا ضمخته يدا آذار ناغم ليلة العرس
    فغفا و ما زالت ملاحنه ملء الفضاء يعيدها الحب
    أو أن سوسنة يراقصها رجع الغناء بشعرها تربو
    ******
    ياقبلة أخذت على عجل أفدي بعمري ذلك العجلا
    الشعر ستّر بالظلال فمي فهوى على الوجنات واشتعلا
    فعلى جوانبهن منه سنا يدعوه من جهل الهوى : خجلا
    فضح احمرارك ياخدود فما زال يفضحني بما يحبو
    هو طفلك اللاهي ينازعه أبدا إلى زهراتك اللعب
    ******
    يا جسم ذاك الطيف ، ايا شبحا من ذكرياتي يا هوى خدعا
    لعناتي الحنقات ما برحت تعتاد خدرك و الظلام معا
    خفقت بأجنحة الغراب على عينيك تنشر حولك الفزعا
    الصبح ، صبحك ، ضحك شامتة دام و لليلك مضجع ينبو
    و إذا هلكت غدا ، فلا تجدي قبرا و مزق صدرك الذئب ؟
    ******
    و البوم يملأ عشه نتفا من شعرك المتعفر الضجر
    و يعود ثغرك للذباب لقى و يداك مثقلتان بالحجر
    لا تدفعان أذاه عن شفة بالأمس أخرس لغوها و تري
    و ليسق من دمك الخبث غدا دوح تعشش فوقه الغرب
    تأوي الصلال إلى جوانبه غرثى و يعوي تحته الكلب
    ******
    ويعود من خشباته نزق جان ، بمقبض خنجر دام
    ويعد منه سرير زانية تهوى فتثقله بآثام
    وتظل أعواد المشانق من أعواده ، كسيت بأجسام
    حتى إذا عصف الذبول به وهوى عليه المعول العضب
    كان الوقود لقدر ساحرة بين المقابر شأنها القشب

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يونيو 24, 2018 6:54 pm