منتديات أطياب العراق

اهلا وسهلا بكم في منتدياتكم منتديات أطياب العراق

منتديات أطياب العراق اسلاميه اجتماعيه ثقافيه سياسيه رياضيه ترفيهيه والمزيد...........

  اعلان هام جدا     " ان منتديات أطياب العراق بحاجه الى اعضاء ومشرفين فمن يجد في نفسه القدره على ذلك ماعليه سوى التسجيل في المنتدى ثم كتابه شيء بسيط من سيرته الذاتيه في قسم الشكاوي والاقتراحات وان واجه اي مشكله في التسجيل يمكنه طرح مايريد في منتدى الزوار والذي يقع داخل قسم الشكاوي والاقتراحات (علما ان الترشيح لكلا الجنسين). "       الاداره

    كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    شاطر
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:31 am



    الباب الثاني عشر
    في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام
    الفصل الأول



    فيما يشتركان فيه من علل التسمية و الفضائل

    قال الله تعالى وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة .

    قال المفسرون موسى اسم مركب من اسمين بالقبطية فمو هو الماء و سى الشجر و سمي بذلك لأن التابوت الذي كان فيه موسى وجد عند الماء و الشجر وجدته جواري آسية و قد خرجن ليغتسلن و هو موسى بن عمران بن يصهر بن يافث بن لاوي بن يعقوب .

    و اختلف في اسم أم موسى و هارون فقال محمد بن إسحاق نخيب و قيل أفاحية و قيل يوخابيد و هو المشهور .

    أقول و هو الذي وجدته في التوراة المعربة في البصرة سنة الخامسة و التسعين بعد الألف بعد انصرافي من حج البيت .


    [216]
    تفسير علي بن إبراهيم بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر المعراج عن النبي ص قال : ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا فيها رجل كهل عظيم العين حوله ثلة من أمته فأعجبني كثرتهم فقلت من هذا يا جبرئيل فقال هذا المجيب في قومه هارون بن عمران فسلمت عليه و سلم علي و استغفرت له و استغفر لي و إذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات ثم صعدنا إلى السماء السادسة و إذا فيها رجل آدم طويل و سمعته يقول يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله و هذا رجل أكرم على الله مني فقلت من هذا يا جبرئيل قال هذا أخوك موسى بن عمران فسلمت عليه و سلم علي و استغفرت له و استغفر لي و إذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات و قال (عليه السلام) كان عمر موسى بن عمران مائتين و أربعين سنة و كان بينه و بين إبراهيم خمسمائة سنة .

    و عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اختار من الأنبياء أربعة للسيف إبراهيم و داود و موسى و أنا و اختار من البيوتات أربعة فقال الله عز و جل إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ .

    علل الشرائع ; سأل الشامي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قول الله عز و جل يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ من هم فقال : قابيل يفر من هابيل و الذي يفر من أمه موسى و الذي يفر من أبيه إبراهيم و الذي يفر من صاحبته لوط و الذي يفر من ابنه نوح و الذي يفر من أبيه كنعان .

    قال الصدوق : إنما يفر موسى من أمه خشية أن يكون قصر فيما وجب عليه من حقها .

    أقول : ذكر جماعة من أهل الحديث أنه يجوز أن يتجوز بالأم عن المربية أو المرضعة التي أحضنته أو أرضعته في بيت فرعون قبل وقوع أمه عليه كما تجوزوا عن إبراهيم بأبيه.

    الأمالي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : أوحى الله إلى موسى بن عمران يا موسى أ تدري لم انتخبتك من خلقي و اصطفيتك لكلامي فقال لا يا رب فأوحى الله إليه أني اطلعت على الأرض فلم أجد أشد تواضعا لي منك خر موسى ساجدا

    [217]
    و عفر خديه في التراب تذللا منه لربه عز و جل فأوحى الله إليه ارفع رأسك يا موسى و مر يدك على موضع سجودك و امسح بها وجهك و ما نالته من بدنك فإنه أمان من كل سقم و داء و آفة و عاهة .

    و في حديث آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : أوحى الله عز و جل إلى موسى (عليه السلام) أ تدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي فقال موسى لا يا رب فقال يا موسى إني قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم أجد أحدا فيهم أذل لي منك نفسا يا موسى إنك إذا صليت وضعت خديك على التراب .

    و روي : أن موسى (عليه السلام) كان إذا صلى لم ينفتل حتى يلصق خده الأيمن بالأرض و الأيسر .

    أقول : هذا الوضع على التراب بعد الصلاة هو سجدة الشكر الذي قال به علماؤنا و نطقت به أخبارنا و شنع المخالفون به علينا تشنيعا شنيعا و قالوا إن سجدة الشكر من مبتدعات اليهود و الرافضة و رووا في أخبارهم أن أول من سجد سجدة الشكر في الإسلام هوأمير المؤمنين (عليه السلام) لما أمر بالمبيت على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الغار .

    تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) : قال إن بني إسرائيل كانوا يقولون ليس لموسى ما للرجال و كان موسى (عليه السلام) إذا أراد الاغتسال ذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد و كان يوما يغتسل على شط نهر و قد وضع ثيابه على صخرة فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه حتى نظر بنو إسرائيل إليه فعلموا أنه ليس كما قالوا فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا ... الآية .

    قال أمين الإسلام الطبرسي : اختلفوا فيما آذوا به موسى (عليه السلام) على أقوال أحدها أن موسى و هارون (عليه السلام) صعدا الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل أنت قتله فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل و تكلمت الملائكة بموته حتى عرفوا أنه قد مات فبرأه الله من ذلك .


    [218]
    روي ذلك عن علي (عليه السلام) و ابن عباس .

    و ثانيها أن موسى (عليه السلام) كان جنبا يغتسل وحده فقالوا ما يتستر منا إلا لعيب بجلده إما برص و إما أدرة فذهب مرة ليغتسل فوضع ثوبه على حجر فمر الحجر بثوبه فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرجال خلقا فبرأه الله مما قالوا رواه أبو هريرة مرفوعا .

    و قال قوم إن ذلك لا يجوز لأن فيها اشتهار النبي و إبداء سوءته على رءوس الأشهاد و ذلك ينفر عنه .

    و ثالثها أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى (عليه السلام) بنفسها على رءوس الملأ فعصمه الله تعالى من ذلك عن أبي العالية .

    و رابعها أنهم آذوه من حيث إنهم نسبوه إلى السحر و الجنون و الكذب بعد ما رأوا الآيات عن أبي مسلم انتهى .

    و أما السيد قدس الله ضريحه فقد رد الثاني بأنه ليس يجوز أن يفعل الله تعالى بنبيه ما ذكروه من هتك العورة لتنزيهه عن عاهة أخرى فإنه تعالى قادر أن ينزهه مما قذفوه به على وجه لا يلحقه معه فضيحة أخرى و ليس يرمي بذلك أنبياء الله من يعرف أقدارهم .

    ثم قال و الذي روي في ذلك من الصحيح معروف و ذكر الوجه الأول .

    و قال جماعة من أهل الحديث لا استبعاد فيه بعد ورود الخبر الصحيح و إن رؤيتهم له على ذلك الوضع الذي لم يتعمده موسى (عليه السلام) و لم يعلم أن أحدا ينظر إليه أم لا و أن مشيه عريانا لتحصيل ثيابه مضافا إلى تبعيده عما نسبوه إليه ليس من المنفرات .

    و سئل الصادق (عليه السلام) : أيهما مات قبل موسى أم هارون قال هارون مات قبل موسى (عليه السلام) و سئل أيهما كان أكبر قال هارون و كان اسم ابني هارون شبرا و شبيرا و تفسيرهما بالعربية الحسن و الحسين .

    و قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : رأيت إبراهيم و موسى و عيسى (عليه السلام)

    [219]
    فأما موسى فرجل طوال سبط يشبه رجال الزط و رجال أهل شيوة و أما عيسى فرجل أحمر جعد ربعة ثم سكت فقيل يا رسول الله فإبراهيم قال فانظروا إلى صاحبكم يعني نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) .


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:35 am



    الفصل الثاني
    في أحوال موسى (عليه السلام) من حين ولادته إلى نبوته



    تفسير علي بن إبراهيم عن أبي عن ابن محبوب عن العلاء عن محمد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : إن موسى (عليه السلام) لما حملته أمه لم يظهر حملها إلا عند وضعه و كان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظنهن و لذلك لما كان بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون إنه يلد فينا رجل يقال له موسى بن عمران يكون هلاك فرعون و أصحابه على يديه فقال فرعون عند ذلك لأقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون و فرق بين الرجال و النساء و حبس الرجال في المحابس فلما وضعت أم موسى بموسى نظرت إليه و اغتمت و قالت يذبح الساعة فعطف الله بقلب الموكلة بها عليه فقالت لأم موسى ما لك قد اصفر لونك فقالت أخاف أن يذبح ولدي فقالت لا تخافي و كان موسى لا يراه أحد إلا أحبه و هو قول الله وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي فأحبته القبطية الموكلة به و أنزل الله على أم موسى التابوت و نوديت ضعيه فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ و هو البحر وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فوضعته في التابوت و أطبقت عليه و ألقته في النيل و كان لفرعون قصور على شط النيل متنزهات فنظر من قصره و معه آسية امرأته إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج و تضربه الرياح حتى جاءت به إلى قصر فرعون و أمر فرعون بأخذه فأخذ التابوت و دفع إليه و لما فتحه وجد فيه صبيا فقال هذا إسرائيلي فألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة و كذلك في قلب آسية و أراد فرعون أن يقتله فقالت آسية لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا

    [220]
    و هم لا يشعرون أنه موسى و لم يكن لفرعون ولد فقال التمسوا له ظئرا تربيه فجاءوا بعدة نساء قد قتل أولادهم فلم يشرب لبن أحد من النساء و هو قول الله وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ و بلغ أمه أن فرعون قد أخذه فحزنت ثم قالت لأخت موسى قصيه أي اتبعيه فجاءت أخته إليه فبصرت به عن جنب أي من بعد و هم لا يشعرون فلما لم يقبل موسى ثدي أحد من النساء اغتم فرعون غما شديدا فقالت أخته هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم و هم له ناصحون فقالوا نعم فجاءت بأمه فلما أخذته بحجرها و ألقمته ثديها التقمه و شرب ففرح فرعون و أهله و أكرموا أمه فقالوا لها ربيه لنا فإنا نفعل بك و نفعل و ذلك قول الله فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ و كان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كلما يلدون و يربي موسى و يكرمه و لا يعلم أن هلاكه على يديه و لما درج موسى كان يوما عند فرعون فعطس فقال الحمد لله رب العالمين فأنكر ذلك عليه و لطمه و قال ما هذا الذي تقول فوثب موسى على لحيته و كان طويل اللحية فهبلها أي قلعها فهم فرعون بقتله فقالت امرأته غلام حدث لا يدري ما يقول فقال فرعون بل يدري فقالت له ضع بين يديك تمرا و جمرا فإن ميز بين التمر و الجمر فهو الذي تقول فوضع بين يديه تمرا و جمرا فقال له كل فمد يده إلى التمر فجاء جبرئيل (عليه السلام) فصرفها إلى الجمر فأخذ الجمر فاحترق لسانه و صاح و بكى فقالت آسية لفرعون أ لم أقل أنه لا يعقل فعفا عنه فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) فكم مكث موسى غائبا عن أمه حتى رده الله عليها قال ثلاثة أيام قلت له أخبرني عن الأحكام و القضاء و الأمر و النهي أ كان ذلك إليهما قال كان موسى الذي يناجي ربه و يكتب العلم و يقضي بين بني إسرائيل و هارون يخلفه إذا غاب عن قومه للمناجاة قلت فأيهما مات قبل صاحبه قال مات هارون قبل موسى و ماتا جميعا في التيه قلت أ و كان لموسى ولد قال لا كان الولد لهارون قال فلم يزل موسى عند فرعون في إكرامه حتى بلغ مبلغ الرجال و كان ينكر عليه ما يتكلم من التوحيد حتى هم به فخرج موسى من عنده و دخل مدينة من مدائن فرعون فإذا رجلان يقتتلان أحدهما يقول بقول موسى و الآخر


    [221]
    يقول بقول فرعون فجاء موسى فوكز صاحبه و قضى عليه و توارى في المدينة فلما كان من الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى فاستغاث بموسى فلما نظر صاحبه إلى موسى قال له أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فخلى سبيله و هرب و كان خازن فرعون مؤمنا بموسى قد كتم إيمانه ستمائة سنة و هو الذي قال الله عز و جل وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ الآية و بلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل فطلبه ليقتله فبعث المؤمن إلى موسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ أي يلتفت يمنة و يسرة و مر نحو مدين و كان بينه و بين مدين ثلاثة أيام فلما بلغ باب مدين رأى بئرا يستقى منها لأغنامهم فقعد ناحية و لم يكن أكل منذ ثلاثة أيام شيئا فنظر إلى جاريتين في ناحية و معهما غنيمات لا تدنوان من البئر فقال لهما ما بالكما لا تستقيان فقالتا حتى يصدر الرعاء و أبونا شيخ كبير فرحمهما موسى و دنا من البئر فقال لمن على البئر أستسقي لي دلوا و لكم دلوا و كان الدلو يمده عشرة رجال فاستسقى وحده دلوا لابنتي شعيب و سقى أغنامهما ثم تولى إلى الظل فقال رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ و الله ما سأل إلا خبزا يأكله ببقلة الأرض و لقد رأوا خضرة البقل في صفاق بطنه من هزاله فلما رجعت ابنتا شعيب قال لهما أسرعتما الرجوع فأخبرتاه بقصة موسى و لم تعرفاه فقال شعيب لواحدة منهن اذهبي إليه فادعيه لنجزيه أجر ما سقى لنا فجاءت إليه تمشي على استحياء فقالت له إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فقام موسى معها فسفقتها الرياح فبان عجزها فقال لها موسى تأخري و دليني على الطريق فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء فلما دخل على شعيب قص إليه قصته فقال شعيب لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحدى بنات شعيب يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين فقال لها شعيب أما قوته فقد عرفتيه بسقي الدلو وحده فبم عرفت أمانته فقالت إنه قال لي تأخري عني فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء فهذه أمانته فقال له شعيب إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت


    [222]
    عشرا فمن عندك فقال له موسى ذلك بيني و بينك أيما الأجلين قضيت فلا سبيل علي ثم إنه أتم عشرا قلت فالرجل يتزوج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين أ يجوز ذلك قال إن موسى (عليه السلام) علم أنه يتم بشرطه فكيف لهذا أن يعلم أنه يبقى حتى يفي فلما قضى موسى الأجل قال لا بد أن أرجع إلى وطني و أمي و أهل بيتي فما لي عندك قال شعيب ما وضعت أغنامي في هذه السنة من بلق فهو لك فعمد موسى عند ما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصاه فقشر منها بعضها و ترك بعضها و غرزها في وسط مربض الغنم و ألقى عليها كساء أبلق ثم أرسل الفحل على الغنم فلم تضع الغنم في تلك السنة إلا بلقا فلما حان عليه الحول حمل موسى امرأته و زوده شعيب من عنده و ساق غنمه فلما أراد الخروج قال لشعيب أعطني عصا تكون معي و كان عصا الأنبياء عنده قد ورثها مجموعة في بيت فقال له شعيب ادخل في هذا البيت و خذ عصا من بين تلك العصي فدخل فوثبت عليه عصا نوح و إبراهيم (صلى الله عليه وآله وسلم) و صارت في كفه فأخرجها و نظر إليها شعيب فقال ردها و خذ غيرها فوثبت إليه تلك العصا بعينها حتى فعل مثل ذلك مرات فلما رأى شعيب ذلك قال له اذهب بها فقد خصك الله بها فخرج يريد مصر فلما صار في مفازة و معه أهله أصابهم برد شديد و ريح و ظلمة و قد جنهم الليل و نظر موسى إلى نار قد ظهرت فأقبل نحو النار فإذا شجرة و نار تلتهب عليها فلما ذهب إلى النار يقتبس منها أهوت إليه ففزع و عدا و رجعت النار إلى الشجرة فالتفت إليها و رجعت إلى مكانها و رجع الثانية ليقتبس فأهوت نحوه فعدا و تركها ثم التفت و قد رجعت إلى الشجرة فرجع إليها الثالثة فأهوت نحوه فعدا و لم يرجع فناداه الله سبحانه يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال موسى فما الدليل على ذلك قال الله وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ قال ألقها فألقاها فصارت حية ففزع منها موسى و عدا فناداه الله أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي من غير سمرة و ذلك أن موسى كان شديد السمرة فأخرج يده من جيبه فأضاءت له الدنيا فقال الله عز و جل فذلك برهان من ربك إلى فرعون و ملئه فقال موسى (عليه السلام) إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ

    [223]
    مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ .

    الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : كن لما ترجو أرجى منك لما لا ترجو فإنموسى (عليه السلام) ذهب يقتبس نارا فانصرف منها و هو نبي مرسل .

    عيون الأخبار في حديث ابن الجهم قال : سأل المأمون الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز و جل فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ قال الرضا (عليه السلام) إن موسى (عليه السلام) دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها و ذلك بين المغرب و العشاء فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته و هذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فقضى موسى على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات قال هذا من عمل الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى (عليه السلام) من قتله إِنَّهُ يعني الشيطان عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ .

    قال المأمون فما معنى قول موسى رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي .

    قال يقول إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة فَاغْفِرْ لِي أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ موسى (عليه السلام) رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى فَأَصْبَحَ موسى فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ على آخر قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ قاتلت رجلا بالأمس و تقاتل هذا اليوم لأؤدبنك و أراد أن يبطش به فأراد أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما و هو من شيعته قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ .

    قال المأمون جزاك الله خيرا يا أبا الحسن فما معنى قول موسى لفرعون فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ .

    قال الرضا (عليه السلام) إن فرعون قال لموسى لما أتاه فعلت فعلتك التي فعلت و أنت من الكافرين قال موسى (عليه السلام) فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ... الخبر .

    إكمال الدين مسندا إلى أمير المؤمنين قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما حضر يوسف الوفاة جمع شيعته و أهل بيته فحمد الله و أثنى عليه ثم حدثهم بشدة قتالهم

    [224]
    تقتل فيها الرجال و تشق بطون الحبالى و تذبح الأطفال حتى يظهر الله الحق في ولد لاوي بن يعقوب و هو رجل أسمر طويل و وصفه له بنعته فتمسكوا بذلك و وقعت الغيبة و الشدة ببني إسرائيل و هم ينتظرون قيام القائم أربعمائة سنة حتى إذا بشروا بولادته و رأوا علائم ظهوره و اشتدت البلوى عليهم و حمل عليهم بالخشب و الحجارة و طلبوا الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر و تراسلوه و قالوا كنا مع الشدة نستريح إلى حديثك فخرج بهم إلى بعض الصحاري و جلس يحدثهم حديث القائم و نعته و قرب الأمر و كانت ليلة قمراء فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم موسى (عليه السلام) و كان في ذلك الوقت حدث السن و قد خرج من دار فرعون يظهر النزاهة فعدل عن موكبه و أقبل إليهم و تحته بغلة و عليه طيلسان خز فلما رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه و انكب على قدميه يقبلهما ثم قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك فلما رأى الشيعة ذلك علموا أنه صاحبهم فأكبوا على الأرض شكرا لله عز و جل فلم يزدهم إلا أن قال أرجو الله أن يعجل فرجكم ثم غاب بعد ذلك و خرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب ما أقام فكانت الغيبة الثانية أشد عليهم من الأولى و كانت نيفا و خمسين سنة و اشتدت البلوى عليهم و استتر الفقيه فبعثوا إليه لا صبر لنا على استتارك عنا فخرج إلى بعض الصحاري و استدعاهم و طيب قلوبهم و أعلمهم أن الله عز و جل أوحى إليه أنه مفرج عنهم بعد أربعين سنة فقالوا بأجمعهم الحمد لله فأوحى الله عز و جل قل لهم قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد فقالوا كل نعمة من الله فأوحى الله إليه قل لهم قد جعلتها عشرين سنة فقالوا لا يأتي بالخير إلا الله فأوحى الله إليه قل لهم قد جعلتها عشرا فقالوا لا يصرف الشر إلا الله فأوحى الله إليه قال لهم لا تبرحوا فقد أذنت في فرجكم فبينا هم كذلك إذ طلع موسى (عليه السلام) راكبا حمارا فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به و جاء موسى حتى وقف عليهم فسلم عليهم فقال له الفقيه ما اسمك فقال موسى بن عمران بن وهيب بن لاوي بن يعقوب قال بما ذا جئت قال بالرسالة من عند الله عز و جل فقام إليه فقبل يده ثم جلس بينهم و طيب نفوسهم و أمرهم أمره ثم فرقهم فكان بين ذلك الوقت و بين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة .

    و عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : كان شعيب يزور موسى كل سنة فإذا أكل قام موسى على رأسه و كسر له الخبز .


    [225]
    أقول فيه إشعار باستحباب قيام صاحب المنزل على رأس ضيفه و أن يخدمه مثل هذه الخدمة و نحوهما مما يزيد عليها بمفهوم المخالفة و ما ينقص عنها بمفهوم الموافقة .

    الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب ثم صارت إلى موسى و إنها لعندنا و إن عهدي بها آنفا و هي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها و إنها لتنطق إذا استنطقت أعدت لقائمنا يصنع بها ما كان يصنع بها موسى (عليه السلام) و إنها لتصنع ما تؤمر به و إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون تفتح لها شعبتان إحداهما في الأرض و الأخرى في السقف و بينهما أربعون ذراعا تلقف ما يأفكون بلسانها و كانت من عوسج الجنة .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أن فرعون لما وقف على زوال ملكه على يد موسى (عليه السلام) أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه و أنه من بني إسرائيل فلم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا و عشرين ألف مولود و تعذر عليه الوصول إلى قتل موسى بحفظ الله تبارك و تعالى إياه .

    تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : قال الإمام قال الله تعالى و اذكروا يا بني إسرائيل إِذْ أَنْجَيْناكُمْ و أنجينا أسلافكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ و كان من عذاب فرعون لبني إسرائيل أنه كان يكلفهم عمل البناء على الطين و يخاف أن يهربوا عن العمل فأمرهم بتقييدهم و كانوا ينقلون ذلك الطين على السلالم إلى السطوح فربما سقط الواحد منهم فمات أو زمن لا يعبئون بهم إلى أن أوحى الله إلى موسى قل لا يبتدءون عملا إلا بالصلاة على محمد و آله الطيبين ليخفف عليهم فكانوا يفعلون ذلك فيخف عليهم و أمر كل من سقط فزمن ممن نسي الصلاة على محمد و آله الطيبين أن يقولها على نفسه إن أمكنه أي الصلاة على محمد و آله أو يقال عليه إن لم يمكنه فإنه يقوم و لا تقبله يد ففعلوها فسلموا فقيل لفرعون إنه يولد في بني إسرائيل مولود يكون على يده زوال ملكك فأمر بذبح أبنائهم فكانت الواحدة منهن تعطي القوابل الرشوة لكيلا تنم عليها و يتم حملها ثم تلقي ولدها في صحراء أو غار جبل و تقول عليه عشر مرات الصلاة على محمد و آله فيقيض الله ملكا يربيه و يدر من إصبع له لبنا يمصه و من إصبع طعاما يتغذاه إلى أن نشأ بنو إسرائيل و كان من سلم منهم و نشأ أكثر ممن قتل

    [226]
    وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يبقوهن و يتخذوهن إماء فضجوا إلى موسى و قالوا يفترعون بناتنا و أخواتنا فأمر الله تلك البنات كلما رأى بهن من ذلك ريب صلين على محمد و آله الطيبين فكان يرد عنهن أولئك الرجال إما بشغل أو مرض أو زمانة أو لطف من ألطافه فلم تفترش منهن امرأة بل دفع الله عز و جل عنهن بصلاتهن على محمد و آله الطيبين ثم قال عز و جل وَ فِي ذلِكُمْ الإنجاء الذي أنجاكم منهم ربكم بَلاءٌ نعمة مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ كبير قال الله عز و جل يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا إذ كان البلاء يصرف عن أسلافكم و يخف بالصلاة على محمد و آله الطيبين أ فما تعلمون أنكم إذا شاهدتموه و آمنتم به كانت النعمة عليكم أفضل و فضل الله عليكم أجزل .

    قال الثعلبي في كتاب عرائس المجالس : مات الريان بن الوليد فرعون مصر الأول صاحب يوسف (عليه السلام) و هو الذي ولى يوسف خزائن أرضه و أسلم على يديه فلما مات ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف (عليه السلام) الثاني فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى و كان جبارا و قبض الله يوسف (عليه السلام) في ملكه و طال ملكه ثم هلك و قام بالملك بعده أخوه أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان بن أراشة بن ثوران بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوي بن سام بن نوح (عليه السلام) و كان أفجر من قابوس و أقام بنو إسرائيل بعد وفاة يوسف (عليه السلام) و قد نشروا و كثروا و هم تحت أيدي العمالقة و هم على بقايا من دينهم مما كان يوسف و يعقوب شرعوا فيهم من الإسلام حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه و لم يكن منهم فرعون أعتى على الله و لا أطول عمرا في ملكه و لا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه و كان يعذبهم و يستعبدهم و صنفهم في أعماله فصنف يبنون و صنف يحرثون و صنف يتولون الأعمال القذرة و قد استنكح منهم فرعون امرأة يقال لها آسية بنت مزاحم من خيار النساء فأسلمت على يد موسى و لم يسلم من أهل مصر إلا ثلاثة آسية و حزقيل و مريم بنت موساء التي دلت موسى على قبر يوسف (عليه السلام) فعمر فرعون و هم تحت يديه أربعمائة سنة فلما أراد الله أن يفرج عنهم بعث موسى (عليه السلام) و ذلك أن فرعون رأى في منامه أن نارا قد أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأخربتها و أحرقت القبط و تركت بني إسرائيل فدعا فرعون السحرة و المنجمين و سألهم عن رؤياه فقالوا إنه يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك و يخرجك و قومك من أرضك و يبدل دينك و قد أظلك زمانه الذي يولد فيه فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل و جمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال

    [227]
    لهن اقتلن الغلمان دون البنات .

    قال مجاهد لقد ذكر لي أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار ثم يصف بعضها إلى بعض ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفن فتجر أقدامهن حتى إن المرأة منهن لتضع ولدها فيقع بين رجليها فتظل تطأه تتقي به حد القصب عن رجليها لما بلغ جهدها فكان يقتل الغلمان الذين كانوا في وقته و يقتل من يولد منهم و يعذب الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن و أسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رءوس القبط على فرعون فقالوا إن الموت وقع في بني إسرائيل و أنت تذبح صغارهم و يموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة و يتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها قالوا فولدت هارون أمه علانية آمنة فلما كان العام المقبل حملت بموسى فلما وضعته أمرها الله سبحانه بوضعه في التابوت و لفظه في الماء حتى أتي به إلى قصر فرعون و أتت به آسية إلى فرعون و قالت قرة عين لي و لك لا تقتله فقال قرة عين لك أما أنا فلا حاجة لي فيه .

    فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : و الذي يحلف فيه لو أقر فرعون أن يكون ابنه كما أقرت به لهداه الله تعالى كما هدى زوجته و لكن الله تعالى حرمه ذلك .

    فلما آمنت آسية أرادت أن تسميه باسم اقتضاه حاله و هو موسى لأنه وجد بين الماء و الشجر و مو بلغة القبط الماء و شا الشجر فعرب فقيل موسى .

    و عن ابن عباس : أن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس و عملوا بالمعاصي و وافق خيارهم شرارهم فسلط الله عليهم القبط يعذبونهم .

    قال وهب بلغني أنه ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد .

    و عن ابن عباس : أن أم موسى لما تقارب ولادتها و كانت قابلة من القوابل مصافية لها فلما ضربها الطلق أرسلت إليها فأتتها و قبلتها فلما وقع موسى (عليه السلام) بالأرض هالها نور بين عيني موسى فارتعش كل مفصل منها و دخل حبه في قلبها و لما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاءوا ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته هذا الحرس بالباب فطاش عقلها فلفته في خرقة و وضعته في التنور

    [228]
    و هو مسجور فدخلوا فإذا التنور مسجور و لم يروا شيئا و خرجوا من عنده فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى فأين الصبي قالت لا أدري فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه و قد جعل الله النار عليه بردا و سلاما فاحتملته .

    و عن ابن عباس قال : انطلقت أم موسى إلى نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا فقال لها ما تصنعين به قالت ابن لي أخبئه فيه و كرهت أن تكذب فانطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمرها فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه و جعل يشير بيده فلم يدر الأمناء فلما أعياهم أمره قال كبيرهم اضربوه فضربوه و أخرجوه فوقع في واد يهوي فيه حيران فجعل الله عليه إن رد لسانه و بصره أن لا يدل عليه و يكون معه يحفظه فرد الله عليه بصره و لسانه فآمن به و صدقه فانطلقت أم موسى و ألقته في البحر و ذلك بعد ما أرضعته ثلاثة أشهر و كان لفرعون يومئذ بنت و لم يكن له ولد غيرها و كانت من أكرم الناس عليه و كان بها برص شديد و قد قالت أطباء مصر و السحرة إنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد منه شي‏ء شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك و ذلك في يوم كذا من ساعة كذا فلما كان يوم الإثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل و معه آسية فأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج فأخذوه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله أن يكرمها ففتحت الباب فإذا نور ما بين عينيه و قد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصه لبنا فألقى الله حبه في قلبها و أحبه فرعون فلما أخرجوه عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت فضمته إلى صدرها و قبلته فقال الغواة من قوم فرعون أيها الملك إنا نظن أن هذا المولود هو ذلك الذي تحذر منه فهم فرعون بقتله فاستوهبته آسية فوهبه لها .

    و قال أهل السير لما بلغ موسى أشده و كبر كان يركب مراكب فرعون و كان يدعى موسى بن فرعون فركب فرعون ذات يوم و ركب موسى في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف فدخلها نصف النهار و قد غلقت أسواقها و ليس في طرقها أحد و ذلك قوله تعالى عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فبينا هو يمشي في ناحية

    [229]
    المدينة إذا هو برجلان يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل و الآخر من آل فرعون و الذي من شيعته يقال إنه السامري و الذي من عدوه كان خبازا لفرعون و اسمه قاثون و كان اشترى حطبا للمطبخ فتنجز السامري ليحمله فامتنع فلما مر بهما موسى (عليه السلام) استغاث به فقال موسى للقبطي دعه فقال الخباز إنما آخذه لعمل أبيك فأبى أن يخلي سبيله فغضب موسى فبطش به و خلص السامري من يده فنازعه القبطي فوكزه موسى فقتله و هو لا يريد قتله فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار .

    فقيل له إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا فقال ائتوني بقاتله و من يشهد عليه فطلبوا ذلك فبينا هم يطوفون إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني فصادف موسى و قد ندم على ما كان منه بالأمس و كره الذي رأى فغضب موسى (عليه السلام) فمد يده و هو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للإسرائيلي إنك لغوي مبين فخاف الإسرائيلي من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ له الكلام فظن أنه يريد قتله فقال له يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي ... الآية .

    و إنما قال ذلك مخافة من موسى و ظنا أن يكون إياه أراد و إنما أراد الفرعوني فتتاركا و ذهب إلى فرعون و أخبره بما سمع من الإسرائيلي فأرسل فرعون الذباحين و أمرهم بقتل موسى و قال لهم اطلبوه في الطرق فإنه غلام لا يهتدي إلى الطريق فجاءه رجل من أقصى المدينة من شيعته يقال له حزقيل و كان على تقية من دين إبراهيم الخليل و كان أول من صدق بموسى و آمن به .

    و روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : سيأتي الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين حزقيل مؤمن آل فرعون و حبيب النجار صاحب ياسين و علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو أفضلهم.

    فجاء حزقيل فاختصر طريقا حتى سبق الذباحين إليه و أخبره بما هم به فرعون فذلك قوله وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ... الآية .

    فتحير موسى و لم يدر أين يذهب فجاء ملك على فرس بيده عنزة فقال اتبعني فتبعه فهداه إلى مدين و كان مسيره ثمان ليال و لم يكن له طعام إلا ورق الشجر فما وصل إليها حتى جف قدماه و إن خضرة البقل تتراءى من بطنه ثم إنه اتصل

    [230]
    بشعيب و بقي عنده المدة المشروطة فلما قضى أتم الأجلين و سار بأهله منفصلا من أرض مدين يؤم الشام و معه أغنامه و امرأته و هي في شهرها فانطلق في برية الشام عادلا عن المدائن و العمران مخافة الملوك الذين كانوا بالشام فسار غير عارف بالطريق حتى انتهى إلى جانب الطور الغربي الأيمن في عشية شتائية شديدة البرد و أظلم عليه الليل و أخذت السماء ترعد و تبرق و تمطر و أخذ امرأته الطلق و عمد موسى إلى زنده و قدحه مرات فلم تور فتحير و قام و قعد و أخذ يتأمل ما قرب و ما بعد تحيرا و زجرا فبينا هو كذلك إذ أنس من جانب الطور نارا فحسبه نارا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلني على الطريق و قد كان ضل الطريق فلما أتاها رأى نورا عظيما ممتدا من عنان السماء إلى شجرة عظيمة هناك و اختلفوا فيها فقيل العوسجة و قيل العناب .

    فتحير موسى و ارتعدت فرائصه حيث رأى نارا عظيمة ليس لها دخان يلتهب من جوف شجرة خضراء لا تزداد النار إلا عظما و لا الشجرة إلا خضرة فلما دنا استأخرت عنه فخاف منها و رجع ثم ذكر حاجته إلى النار فرجع إليها فدنت منه ف نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى فنظر فلم ير أحدا فنودي إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ فلما سمع ذلك علم أنه ربه و اقترب فلما قرب منه و سمع النداء و رأى تلك الهيبة خفق قلبه و كل لسانه و صار حيا كميت فأرسل الله إليه ملكا يقوي قلبه فلما رجع إليه رشده نودي فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ثم قال الله سبحانه تسكينا لقلبه وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ... الآية .

    و اختلف في اسم العصا فقيل اسمها ما شاء الله و قيل غياث و قيل عليق و أما صفاتها و المآرب التي كانت فيها فقال أهل العلم كان لعصا موسى شعبتان و محجن في أصل الشعبتين و سنان حديد في أسفلها فكان موسى إذا دخل مفازة ليلا و لم يكن قمر تضي‏ء شعبتاها من نور مد بصره و كان إذا أعوزه الماء أدلاها في البئر فجعلت تمتد إلى قعر البئر و تصير في رأسها شبه الدلو و يستقي و إذا احتاج إلى الطعام ضرب الأرض بعصاه .


    [231]
    فيخرج ما يأكل يومه و كان إذا اشتهى فاكهة من الفواكه غرزها في الأرض فتغصنت أغصان تلك الشجرة التي اشتهى موسى فاكهتها و أثمرت له من ساعتها .

    و يقال كان عصاه من اللوز و كان إذا قاتل عدوه يظهر على شعبتها تنينان يتناضلان و كان يضرب بها على الجبل الصعب الوعر المرتقى فيفرج و إذا أراد عبور نهر من الأنهار بلا سفينة ضربها و بدا له طريق يمشي فيه و كان يشرب أحيانا من إحدى الشعبتين اللبن و من الأخرى العسل و كان إذا أعيا في طريقه يركبها فتحمله إلى أي موضع شاء من غير ركض و لا تحريك رجل و كانت تدله على الطريق و تقاتل أعداءه و إذا احتاج موسى إلى طيب فاح منها الطيب حتى يتطيب منها ثوبه و إذا كان في طريق فيه لصوص تكلمت العصا و تقول له خذ بجانب كذا و كان يهش بها على غنمه و يدافع بها السباع و الحيات و الحشرات و إذا سافر وضعها على عاتقه و علق عليها جهازه و متاعه و مخلاته و كساءه و طعامه و سقاءه .

    و قال شعيب لموسى حين زوجه ابنته و سلم إليه أغنامه يرعاها اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك و لا تأخذ على يمينك و إن الكلأ بها أكثر فإن فيها تنينا عظيما أخشى عليك و على الأغنام منه فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريقين أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فنام موسى و الأغنام ترعى فإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى فحاربته فقتلته و أتت فاستلقت على جنب موسى و هي دامية فلما استيقظ موسى (عليه السلام) رأى العصا دامية و التنين مقتولا فعلم أن في تلك العصا لله قدرة.

    فهذه مآرب موسى فيها إذا كانت عصا فأما إذا ألقاها موسى (عليه السلام) فيرى أنها تنقلب حية كأعظم ما يكون من التنانين سوداء مدلهمة تدب على أربع قوائم و لها اثنا عشر نابا يخرج منها لهب النار يهب من فيها ريح السموم لا يصيب شيئا إلا أحرقه و كانت تكون في عظم الثعبان و خفة الجان و لين الحية و ذلك موافق لنص القرآن حيث قال في موضع فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ و في موضع آخر فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى فقال له اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ ... الحديث .

    و روي أن بنت شعيب لما قالت لموسى إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا كره ذلك موسى و أراد أن لا يتبعها و لم يجد بدا أن يتبعها لأنه كان في أرض

    [232]
    مسبعة و خوف فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى أعوذ بالله قال شعيب و لم ذاك أ لست بجائع قال بلى و لكن أخاف أن يكون هذا عوضا عما سقيت لهما و أنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بمل‏ء الأرض ذهبا فقال له شعيب لا و الله يا شاب و لكنها عادتي و عادة آبائي نقري الضيف و نطعم الطعام و التي تزوج بها موسى اسمها صفورة و الأخرى ليا .

    و قيل : اسم الكبرى صفراء و اسم الصغرى صفيراء .


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:37 am



    الفصل الثالث
    في معنى قوله تعالى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
    و قول موسى وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
    و تسمية الجبل طور سيناء



    علل الشرائع بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال الله عز و جل لموسى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ لأنها من جلد حمار ميت .

    و فيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال : يعني ارفع خوفيك يعني خوفه من ضياع أهله و قد خلفها تمخض و خوفه من فرعون.

    قال الصدوق : سمعت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن طيفور الدامغاني الواعظ يقول في قول موسى (عليه السلام) وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي قال يقول إني أستحي أن أكلمك بلساني الذي كلمت به غيرك فيمنعني حيائي منك عن محاورة غيرك فصارت هذه الحالة عقدة من لساني فاحللها بفضلك وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي معناه أنه سأل الله عز و جل أن يأذن له في أن يعبر عنه هارون فلا يحتاج أن يكلم فرعون بلسان كلم الله عز و جل به .

    و فيه عن ابن عباس قال : إنما سمي الجبل الذي كان عليه طور سيناء لأنه جبل

    [233]
    كان عليه شجر الزيتون و كل جبل يكون عليه ما ينتفع به من النبات و الأشجار سمي طور سيناء و طور سينين و ما لم يكن عليه ما ينتفع به من النبات و الأشجار سمي طورا لا يقال له طور سيناء و لا طور سينين.

    الإحتجاج سأل سعد بن عبد الله القائم (عليه السلام) عن قول الله عز و جل لنبيه موسى (عليه السلام) فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً فإن فقهاء الفريقين يزعمون أنها كانت من إهاب الميتة فقال (عليه السلام) : من قال ذلك فقد افترى على موسى و استجهله في نبوته أنه ما خلا الأمر من خصلتين إما إن كانت صلاة موسى (عليه السلام) فيها جائزة أو غير جائزة فإن كانت جائزة فيها فجاز لموسى أن يكون يلبسها في تلك البقعة و إن كانت مقدسة مطهرة و إن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب أن موسى لم يعرف الحلال و الحرام و لم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما لم تجز و هذا كفر قلت فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيها قال إن موسى (عليه السلام) كان بالواد المقدس فقال يا رب إني أخلصت لك المحبة مني و غسلت قلبي عمن سواك و كان شديد الحب لأهله فقال الله تبارك و تعالى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي انزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة و قلبك من الميل إلى من سواي مشغولا .

    أقول : اختلف المفسرون في سبب الأمر بخلع النعلين على أقوال الأول أنهما كانتا من جلد حمار ميت و قد تقدم ما يدل على أنه محمول على التقية .

    الثاني أنه كان من جلد بقرة ذكية و لكنه أمر بخلعها ليباشر بقدميه الأرض فتصيبه بركة الوادي المقدس .

    الثالث أن الحفاء من علامة التواضع و لذلك كانت السلف تطوف حفاة. الرابع أن موسى (عليه السلام) إنما لبس النعل اتقاء من الأنجاس و خوفا من الحشرات فآمنه الله مما يخاف و أعلمه بطهارة الموضع .

    الخامس أن معنى فرغ قلبك من حب الأهل و المال.

    السادس أن المراد فرغ قلبك عن ذكر الدارين .

    و في خبر ابن سلام أنه سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الوادي المقدس لم سمي المقدس قال : لأنه قدست فيه الأرواح و اصطفيت فيه الملائكة و كلم الله موسى تكليما.


    [234]



    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:41 am



    الفصل الرابع
    في بعثه موسى و هارون إلى فرعون
    و تفصيل الأحوال إلى وقت غرق فرعون و قومه



    أما الآيات الواردة فيه فكثيرة و أما الأخبار فمستفيضة .

    قال الثقة علي بن إبراهيم وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ قال كان فرعون يعبد الأصنام ثم ادعى بعد ذلك الربوبية فقال فرعون سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ فقال الذين آمنوا لموسى قد أوذينا قبل مجيئك يا موسى بقتل أولادنا و من بعد ما جئتنا لما حبسهم فرعون لإيمانهم بموسى فقال موسى عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ .

    و ذلك أنه لما سجد السحرة آمن الناس بموسى فقال هامان لفرعون إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل فجاء إليه موسى فقال له خل عن بني إسرائيل فلم يفعل فأنزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان فخرب دورهم و مساكنهم حتى خرجوا إلى البرية و ضربوا فيها الخيام .

    فقال فرعون لموسى ادع ربك حتى يكف عنا الطوفان حتى أخلي عن بني إسرائيل و أصحابك فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان و هم فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل فقال له هامان إن خليت بني إسرائيل غلبك موسى و أزال ملكك فقبل منه و لم يخل عن بني إسرائيل .

    فأنزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد فأكلت كل شي‏ء لهم من النبت و الشجر حتى

    [235]
    كادت تجرد شعرهم و لحاهم فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا و قال يا موسى ادع ربك أن يكف عنا الجراد حتى أخلي عن بني إسرائيل و أصحابك فدعا موسى ربه فكف عنهم الجراد فلم يدعه هامان أن يخلي عن بني إسرائيل .

    فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل فذهبت زروعهم و أصابتهم المجاعة فقال فرعون لموسى إن دفعت عنا القمل كففت عن بني إسرائيل فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل .

    و قال أول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان فلم يخل عن بني إسرائيل .

    فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع فكانت تكون في طعامهم و شرابهم .

    و يقال إنها تخرج من أدبارهم و آذانهم و آنافهم فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فجاءوا إلى موسى فقالوا ادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك و نرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك .

    فلما أبوا أن يخلوا عن بني إسرائيل حول الله ماء النيل دما فكان القبطي يراه دما و الإسرائيلي يراه ماء فإذا شربه الإسرائيلي كان ماء و إذا شربه القبطي يشربه دما فكان القبطي يقول للإسرائيلي خذ الماء في فمك و صبه في فمي فكان إذا صبه في فمه تحول دما فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فقالوا لموسى لئن رفع عنا الدم لنرسلن معك بني إسرائيل فلما رفع عنهم غدروا و لم يخلوا عن بني إسرائيل. فأرسل الله عليهم الرجز و هو الثلج الأحمر و لم يروه قبل ذلك فماتوا فيه و جزعوا و أصابهم ما لم يعهدوه من قبل فقالوا لموسى ادع لنا ربك بما عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن بك و لنرسلن معك بني إسرائيل فكشف عنهم الثلج فخلوا عن بني إسرائيل .

    فلما خلي عنهم اجتمعوا إلى موسى و خرج موسى من مصر و اجتمع إليه من كان هرب من فرعون و بلغ فرعون ذلك فقال له هامان قد نهيتك أن تخلي عن بني إسرائيل فقد استجمعوا إليه فجزع فرعون و بعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ و خرج في طلب موسى .

    أقول : إن فرعون كان يستعبد الناس و يعبد الأصنام بنفسه و كان الناس يعبدونها تقربا إليه.

    [236]
    و قيل كان يعبد ما يستحسن من البقر .

    و روي أنه كان يأمرهم أيضا بعبادة البقر و لذلك أخرج السامري لهم عجلا .

    و أما الطوفان فقيل هو الماء الخارج عن العادة .

    و قيل : هو الموت الذريع .

    و قيل : هو الطاعون بلغة اليمن أرسل الله ذلك على بكارته آل فرعون في ليلة فلم يبق منهم إنسان و لا دابة .

    و قيل : هو الجدري و هم أول من عذبوا به فبقي في الأرض .

    و اختلف في القمل أيضا فقيل هو صغار الجراد الذي لا أجنحة لها .

    و قيل : صغار الذر .

    و قيل : دواب سود كالقراد .

    و قيل : هو السوس الذي يخرج من الحنطة .

    تفسير علي بن إبراهيم بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما بعث موسى (عليه السلام) إلى فرعون أتى بابه فاستأذن عليه فضرب بعصاه الباب فاصطكت الأبواب مفتحة ثم دخل على فرعون فأخبروه أنه رسول رب العالمين و سأله أن يرسل معه بني إسرائيل فقال أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ أي قتلت الرجل وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يعني كفرت نعمتي فتجاوبا الكلام إلى أن قال موسى أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ قالَ فرعون فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ فلم يبق من جلساء فرعون شخص إلا هرب و دخل فرعون من الرعب ما لم يملك فقال فرعون أنشدك الله و الرضاع إلا كففتها عني ثم نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ فأخذ فلما أخذ موسى العصا رجعت إلى فرعون نفسه و هم بتصديقه فقام إليه هامان فقال بينما أنت إله تعبد إذ صرت تابعا لعبد ثم قال فرعون للملإ الذين حوله إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ .


    [237]
    و كان فرعون و هامان قد تعلما السحر و إنما غلبا الناس بالسحر و ادعى فرعون الربوبية بالسحر فلما أصبح بعث في المدائن حاشرين و جمعوا ألف ساحر و اختار من الألف ثمانين فقال السحرة لفرعون قد علمت أنه ليس في الدنيا أسحر منا فإن غلبنا موسى فما عندك قال أشارككم في ملكي قالوا فإن غلبنا موسى و أبطل سحرنا علمنا أن ما جاء به ليس بسحر آمنا به و صدقناه فقال فرعون فإن غلبكم موسى صدقته أنا أيضا معكم و كان موعدهم يوم عيد لهم فلما ارتفع النهار و جمع فرعون الخلق و السحرة و كانت له قبة طولها في السماء سبعون ذراعا و قد كانت لبست بالفولاذ المصقول و كانت إذا وقعت عليها الشمس لم يقدر أحد أن ينظر من لمع الحديد و وهج الشمس فقالت السحرة لفرعون إنا نرى رجلا ينظر إلى السماء و لم يبلغ سحرنا السماء و ضمنت السحر في الأرض فقالوا لموسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ف قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ فأقبلت تضطرب مثل الحيات ف قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى فنودي لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ فألقى موسى العصا فذابت في الأرض مثل الرصاص ثم طلع رأسها و فتحت فاها و وضعت شدقتها العليا على رأس قبة فرعون ثم دارت و التقمت عصي السحرة و حبالهم و انهزم الناس حين رأوا عظمها فقتل في الهزيمة من وطي الناس بعضهم بعضا عشرة آلاف رجل و امرأة و صبي و دارت على قبة فرعون قال فأحدث فرعون و هامان في ثيابهما و شاب رأسهما من الفزع و مر موسى في الهزيمة مع الناس فناداه الله خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى فرجع موسى و لف على يديه عباءة ثم أدخل يده في فمها فإذا هي عصا كما كانت فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً لما رأوا ذلك قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ فغضب فرعون من ذلك و قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فقالوا له إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا فحبس فرعون من آمن بموسى في السجن حتى أنزل الله عليهم الطوفان و الجراد و الضفادع و الدم فانطلق عنهم .


    [238]
    فأوحى الله إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فخرج موسى ببني إسرائيل ليقطع بهم البحر و جمع فرعون أصحابه و بعث في المدائن حاشرين و حشر الناس و قد تقدم مقدمته في ستمائة ألف و ركب هو في ألف و ألف و خرج كما حكى الله عز و جل فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ فلما قرب موسى من البحر و قرب فرعون من موسى قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ فقال موسى كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ أي سينجيني فدنا موسى من البحر فقال له انفرق فقال له البحر استكبرت يا موسى أن تقول لي أنفرق لك و لم أعص الله طرفة عين و قد كان فيكم العاصي فقال له موسى فاحذر أن تعصي و قد علمت أن آدم أخرج من الجنة بمعصيته و إنما لعن إبليس بمعصيته قال البحر عظيم ربي مطاع أمره فقام يوشع بن نون فقال لموسى يا رسول الله ما أمرك ربك فقال بعبور البحر فأقحم فرسه الماء و أوحى الله إلى موسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فكان كل فرق كالطود العظيم فضرب له في البحر اثني عشر طريقا فأخذ كل سبط في طريق فكان قد ارتفع الماء و بقت الأرض يابسة طلعت فيها الشمس و يبست و دخل موسى البحر و كان أصحابه اثني عشر سبطا فضرب الله لهم في البحر اثني عشر طريقا فأخذ كل سبط في طريق و كان الماء قد ارتفع على رءوسهم مثل الجبال فجزعت الفرقة التي كانت مع موسى في طريقه فقالوا يا موسى أين إخواننا فقال لهم معكم في البحر فلم يصدقوه فأمر الله البحر فصار طرقات حتى كان ينظر بعضهم إلى بعض و يتحدثون و أقبل فرعون بجنوده فلما انتهى إلى البحر قال لأصحابه أ لا تعلمون أن ربكم الأعلى قد فرج لكم البحر فلم يجسر أحد أن يدخل البحر و امتنعت الخيل منه لهول الماء فتقدم فرعون فقال له منجمه لا تدخل البحر و عارضه فلم يقبل منه و أقبل إلى فرس حصان فامتنع الفرس أن يدخل الماء فعطف عليه جبرئيل (عليه السلام) و هو على ماديانة فتقدمته و دخل فنظر إلى الرمكة فطلبها و دخل البحر و اقتحم أصحابه خلفه فلما دخلوا كلهم حتى كان آخر من دخل من أصحابه و آخر من خرج من أصحاب موسى أمر الرياح فضربت البحر بعضه ببعض فأقبل الماء يقع عليه مثل الجبال فقال فرعون عند ذلك آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ

    [239]
    فأخذ جبرئيل كفا من حمأة فوضعها في فيه ثم قال آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ .

    و ذلك أن قوم فرعون ذهبوا أجمعين في البحر و هووا من البحر إلى النار و أما فرعون فنبذه الله وحده و ألقاه بالساحل لينظروا إليه و ليعرفوه و ليكون لمن خلفه آية و لئلا يشك أحد في هلاكه و أنهم كانوا اتخذوه ربا فأراهم الله إياه جيفة ملقاة بالساحل ليكون لمن خلفه عبرة .

    و قال الصادق (عليه السلام) : ما أتى جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا كئيبا حزينا و لم يزل كذلك منذ أهلك الله فرعون فلما أمره الله بنزول هذه الآية آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ نزل عليه و هو ضاحك مستبشر فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أتيتني إلا و الحزن في وجهك حتى الساعة قال نعم يا محمد لما غرق الله فرعون قال آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فأخذت حمأة فوضعتها في فيه ثم قلت له آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ و عملت ذلك من غير أمر الله خفت أن تلحقه الرحمة من الله و يعذبني على ما فعلت فلما كان الآن و أمرني ربي الله أن أؤدي إليك ما قلته أنا لفرعون آمنت و علمت أن ذلك كان رضا لله تعالى .

    و قوله فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ فإن موسى (عليه السلام) أخبر بني إسرائيل أن الله قد غرق فرعون فلم يصدقوه فأمر الله البحر فلفظ به على ساحل البحر حتى رأوه ميتا.

    علل الشرائع و عيون الأخبار بإسناده إلى إبراهيم الهمداني قال : قلت للرضا (عليه السلام) لأي علة أغرق الله فرعون و قد آمن به و أقر بتوحيده قال لأنه آمن عند رؤية اليأس و الإيمان عند رؤية اليأس غير مقبول و ذلك حكم الله في السلف و الخلف قال الله عز و جل فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا و هكذا فرعون لما أدركه الغرق قال آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فقيل له آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً

    [240]
    و قد كان فرعون من قدمه إلى قرنه في الحديد فلما غرق ألقاه الله تعالى على نجوة من الأرض ببدنه ليكون لمن بعده علامة فيرونه مع ثقله بالحديد مرتفع و سبيل الثقيل أن يرسب و لا يرتفع فكان ذلك آية و علامة و لعلة أخرى أغرقه الله عز و جل و هي أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق و لم يستغث بالله فأوحى الله عز و جل إليه يا موسى لم تغث فرعون لأنك لم تخلقه و لو استغاث بي لأغثته .

    أقول : هذان الوجهان ذكرهما العلماء في أول الوجوه و ذكروا وجوها أخر منها أنه لم يكن مخلصا في هذه الكلمة بل إنما تكلم بها توسلا إلى دفع البلية الحاضرة .

    و منها أن ذلك الإقرار كان منبئا عن محض التقليد .

    أ لا ترى أنه قال لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ .

    و منها أن أكثر اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه و التجسيم و لذا اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى في جسده فكأنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية و كل من اعتقد ذلك كان كافرا .

    و منها أنه أقر بالتوحيد فقط و لم يقر بنبوة موسى فلذا لم يقبل منه .

    و فيه عنه (عليه السلام) : في قول فرعون ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى من كان يمنعه قال منعته رشدته و لا يقتل الأنبياء و أولاد الأنبياء إلا أولاد الزنى.

    أقول : الرشدة طيب الولادة و فرعون لم يتولد من الزنى و من ذلك جاء في الأخبار الصحيحة أن الألوف الذين حضروا واقعة الطفوف كانوا ما بين ولد زنية أو حيضة و لعل التفصيل إشارة إلى من أعان على القتال تبين فيه نصب العداوة لأهل البيت (عليه السلام) .

    و ورد أنه لا يبغضهم إلا ولد من الزنى .

    و أما من حضر و كثر السواد و لم يقاتل فهو ممن حمل به في الحيض .

    و في قصص الأنبياء عن العبد الصالح (عليه السلام) قال : كان من قول

    [241]
    موسى حين دخل على فرعون اللهم إني أدرأ بك في نحره و أستجير بك من شره و أستعين بك فحول الله ما كان في قلب فرعون من الأمن خوفا .

    و روى الصدوق قال غار النيل على عهد فرعون فأتاه أهل مملكته فقالوا أيها الملك أجر لنا النيل قال إني لم أرض عنكم ثم ذهبوا فأتوه فقالوا أيها الملك نموت و نهلك و لئن لم تجر لنا النيل لنتخذن إلها غيرك قال اخرجوا إلى الصعيد فخرجوا فتنحى عنهم حيث لا يرونه و لا يسمعون كلامه فألصق خده بالأرض و أشار بالسبابة و قال اللهم إني خرجت إليك خروج العبد الذليل إلى سيده و إني أعلم أنك تعلم أنه لا يقدر على إجرائه أحد غيرك فأجره قال فجرى النيل جريا لم يجر مثله فأتاهم فقال لهم إني قد أجريت لكم النيل فخروا له سجدا و عرض له جبرئيل (عليه السلام) فقال أيها الملك أعني على عبد لي قال فما قصته قال عبد لي ملكته على عبيدي و خولته على مفاتيحي فعاداني و أحب من عاداني و عادى من أحببت قال لبئس العبد عبدك لو كان لي عليه سبيل لأغرقته في بحر القلزم قال أيها الملك اكتب لي بذلك كتابا فدعا بكتاب و دواة فكتب ما جزاء العبد الذي يخالف سيده فأحب من عادى و عادى من أحب إلا أن يغرق في بحر القلزم قال أيها الملك اختمه فختمه ثم دفعه إليه فلما كان يوم البحر أتاه جبرئيل (عليه السلام) بالكتاب فقال خذ هذا ما استحققت به على نفسك و هذا ما حكمت به على نفسك .

    أقول : قد أوردوا شبهة في هذا المقام و هو أنه يلزم من إجراء الماء مثلا على يدي فرعون إغراء قومه و غيرهم باتباعه و قبول قوله .

    و هذا غير جائز على الحكيم و لم أر من تعرض للجواب عنها لأنها شبهة فاسدة في نفس الأمر إلا أن الشبهات كلها من هذا الباب فلزم التعرض للجواب عنها مع أنها لا اختصاص لها في هذا الباب المورد بل جارية في موارد كثيرة كما ستعرف إن شاء الله تعالى .

    و الجواب عنها من وجوه

    [242]
    الوجه الأول أن الأمور التي يظهر بطلانها على العامة و الخاصة و من أعمل العقل فيها لا إغراء للناس في وجودها و ذلك أن ربوبية فرعون كان أمرا باطلا تدركه العقول و الأوهام و الأفهام و من طاوعه عليها لم يكن منها على يقين و لهذا قالوا له لئن لم تجر لنا النيل لنتخذن إلها غيرك .

    فظهر أن سجودهم له و قولهم بربوبيته إنما هو مستند إلى أطماع الدنيا و اعتباراتها و الهرب من شره و عذابه الذي كان يوقعه لغيرهم و قد أطاعوا في متابعته الأهواء و الوساوس الشيطانية و ما كانت التقية تبلغ بهم إلى ذلك الحد و ارتكاب الأقوال الباطلة .

    و بالجملة فقوله لهم أنا ربكم الأعلى أمر ظاهر البطلان و حينئذ فإجراء ماء النيل مثلا لا يلزم منه إغراؤهم بالقول بربوبيته .

    نعم إذا وقع التحدي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام (عليه السلام) بأمر من الأمور الدالة على صدق دعواهم لا يجوز إجراؤه على يد المبطل من غيرهم .

    و لهذا لما ادعى الإمامة في زمن الكاظم (عليه السلام) جماعة من إخوته و بني عمه كان يتحداهم بالجلوس وسط النار مع أن دخول النار و الجلوس فيها مبتذل في هذه الأعصار لكثير من عوام مذهبنا مذهب المخالفين .

    الوجه الثاني أن الله سبحانه أقسم بعزته أنه لا يضيع عمل عامل و من يرد حرث الدنيا في ذلك العمل يؤته منها و من يرد حرث الآخرة يؤته منها .

    و من هذا جاء في الأخبار أن إمهال الشيطان إلى يوم القيامة و تسلطه على بني آدم و ما أعطاه الله سبحانه مما طلب إنما سبب عبادته في السماء .

    كما قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) : إنه عبد الله في السماء ستة آلاف سنة لا يدري أ من سني الدنيا أم من سني الآخرة .

    و أما فرعون فجاء في الأخبار أن الله سبحانه أمهله أربعمائة سنة يدعي فيها الربوبية لأنه كان حسن الأخلاق سهل الحجاب و ما جلس على مائدة إلا كان فيها الأيتام و المساكين .

    روي عن علي (عليه السلام) : إنما أمهل الله فرعون في دعوته لسهولة أذنه و بذل طعامه فجوزي في الدنيا على أعماله .


    [243]
    و كون ذلك الجزاء مستلزما لنقص الغير مما يمكن الاحتراز عنه لا يمنع منه لأن جزاء إبليس على عمله استلزم تسلطه على بني آدم لكنه لا يئول إلى جبرهم بل هم مختارون في الطاعة .

    و هذا الوجه يجري في موارد كثيرة و ذلك أن كفار الهند و غيرهم إذا تعبدوا لله سبحانه بزعمهم يجري على أيديهم الأفعال الغريبة كالإخبار عن الغائبات و نحوها. و مثل جماعة من أهل الخلاف يجري على يدي جماعة من مشايخهم جزاء لعبادتهم ما لا يجري على يدي غيرهم من أهل الله الوجه الثالث أن فرعون و هامان كانا حاذقين في السحر و به غلبا على قومهما فلعل تلك الأفعال الغريبة كانت مستندة إلى السحر و لا ينافيه سجوده و تضرعه لله تعالى و دعاؤه .

    فإن السحرة لا يخلو سحر من سحرهم عن الآيات و الأدعية و إن ضموا إليها أمورا أخر .

    فلعل جريان النيل كان من ذلك العلم و يجري أيضا في غيره من الموارد في الكفار و المخالفين .

    الوجه الرابع أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون طريق التكليف مقرونا بالألطاف و التوفيقات و محفوفا بالابتلاء و الاختبار و معارضات العقول و الأوهام ليتميز المؤمن من غيره و المجاهد من القاعد و من يغلب الهوى عليه ممن يجري على مقتضى العقول و بزوال الأوهام .

    و ذلك أن الله سبحانه أرسل إلى فرعون و قومه و موسى و هارون الحجج القاطعة و الآيات الباهرة و الألطاف الإلهية و التوفيقات الربانية و لو عملوا فيها بمقتضى العقول و تجردوا عن الأوهام و الشكوك لكانت موجبة لإيمانهم .

    و أما الذي جرى على يد فرعون من الأمور الغريبة فكان من باب الابتلاء و الاختبار لقومه .

    و هذا مما ليس فيه إغراء و لا يوجب لفرعون ربوبية و لا نبوة .

    و هذا أيضا يجري في غيره من الموارد الكثيرة في طبقات الكفار و المخالفين .


    [244]
    فإن كون عبد السلام البصري مثلا يلزم الحيات و يدخل مع تلاميذه النار و يفعل الأفعال الغريبة لا يوجب أن يكون مذهبه على الحق و لا أن تكون طريقته هي المثلى لأن كثيرا من كفار الهند و غيرهم يصنعون ما هو أغرب و أعجب .

    الوجه الخامس أن الحكمة الإلهية قد جرت بأنه إذا أكمل الحجة على عباده و أقام فيهم البراهين و أكمل فيهم العقول و أرسل إليهم الأنبياء و لم يبق لهم عذر فإن أطاعوه و قبلوا الإيمان به و برسله جازاهم في الدنيا و الآخرة و إن أبوا إلا العناد و اللجاج و تكذيب الآيات و الرسل أمهلهم و أملى لهم و استدرجهم و كلما ازدادوا في الطغيان زادت عليهم النعم و هم يحسبون أنه من صنيع الله إليهم و إحسانه عليهم .

    كما قال عز شأنه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ فما كان يصنعه جل و عز إلى فرعون و قومه من نعم الدنيا كان من باب الإملاء و الاستدراج .

    و هكذا الحال في بعض الموارد فإن الكوفي أبا.. .

    كان يقول في مجلس الكوفة قال علي و أنا أقول يعني خلافا لقوله .

    و لا شك أن قول علي (عليه السلام) هو حكم الله تعالى و أن غيره يكون حكم الشيطان فقد جعل نفسه و فتواه شريكا لله تعالى و مع ذلك أمهله الله تعالى و استدرجه في نعم الدنيا و الاعتبار عند الملوك و السلاطين و اعتماد الناس على أقواله و مذاهبه في حياته و بعد مماته إلى يوم القيامة .

    و الناس يظنون أن ذلك من ألطاف الله سبحانه عليه و ليس هو إلا استدراجا و جزاء لأعماله .

    فإنه حكي عنه أنه قام الليل من نصفه أو من أوله إلى آخره عابدا داعيا مدة عشرين سنة و هكذا حال أصحابه من باقي الفقهاء الأربعة .

    و بقيت وجوه كثيرة لا نطيل الكتاب بذكرها .

    علل الشرائع : سأل الشامي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن يوم الأربعاء و التطير منه فقال (عليه السلام) آخر أربعاء في الشهر و هو المحاق و يوم الأربعاء غرق الله فرعون

    [245]
    و يوم الأربعاء طلب فرعون موسى ليقتله و يوم الأربعاء أمر فرعون بذبح الغلمان و يوم الأربعاء أظل قوم فرعون العذاب.

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : لما رجع موسى إلى امرأته قالت من أين جئت قال من عند رب تلك النار قال فغدا إلى فرعون فو الله لكأني أنظر إليه طويل الباع ذو شعر أدم عليه جبة من صوف عصاه في كفه مربوط حقوه بشريط نعله من جلد حمار شراكها من ليف فقيل لفرعون إن على الباب فتى يزعم أنه رسول رب العالمين فقال فرعون لصاحب الأسد خل سلاسلها و كان إذا غضب على أحد خلاها فقطعته فخلاها و قرع موسى الباب الأول و كانت تسعة أبواب فلما قرع موسى الباب الأول انفتحت له الأبواب التسعة فلما دخل جعلن يبصبصن تحت رجليه كأنهن جراء فقال فرعون لجلسائه أ رأيتم مثل هذا قط فلما أقبل إليه قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ... الآية فقال فرعون لرجل من أصحابه قم فخذ بيده و قال للآخر اضرب عنقه فضرب جبرئيل (عليه السلام) بالسيف حتى قتل ستة من أصحابه فقال خلوا عنه قال فأخرج يده فإذا هي بيضاء قد حال شعاعها بينه و بين وجهه و ألقى العصا فإذا هي حية فالتقمت الإيوان بلحييها فدعاه أن يا موسى أقلني إلى غد ثم كان من أمره ما كان .

    و عن ابن أبي عمير قال : قلت لموسى بن جعفر (عليه السلام) أخبرني عن قول الله عز و جل لموسى اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى فقال أما قوله لَيِّناً يعني كنياه و قولا يا أبا مصعب و اسمه الوليد بن مصعب و أما قوله يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى فإنما قال ليكون أحرص لموسى على الذهاب و قد علم الله عز و جل أن فرعون لا يتذكر و لا يخشى إلا عند رؤية العذاب أ لا تسمع الله عز و جل يقول حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي

    [246]
    آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فلم يقبل الله إيمانه و قال آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.

    و عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : قال كان على مقدمة فرعون ستمائة ألف و مائتي ألف و على ساقته ألف ألف فدخلوا البحر و غرقوا و قوله فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يقول نلقيك على نجوة من الأرض لتكون لمن بعدك علامة و عبرة .

    و عن أبان الأحمر قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ فقال كان إذا عذب رجلا بسطة على الأرض على وجهه و مد يديه و رجليه فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض فتركه حتى يموت.

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : التسع آيات الله التي أوتي موسى (عليه السلام) فقال الجراد و القمل و الضفادع و الدم و الحجر و البحر و العصا و يده .

    و عنه (عليه السلام) : شاطئ الواد الأيمن الذي ذكره الله في كتابه هو الفرات و البقعة المباركة هي كربلاء و الشجرة هي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

    أقول : يعني نور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ظهر من تلك الشجرة .

    العياشي عن عاصم رفعه قال : إن فرعون بنى سبع مدائن يتحصن فيها من موسى (عليه السلام) و جعل فيها آجاما للأسد فلما بعث الله موسى إلى فرعون فدخل المدينة و رأى الأسود تبصبصت و ولت مدبرة قال ثم لم يأت مدينة إلا فتح الله له بابها إلى قصر فرعون الذي هو فيه فقعد على بابه و عليه مدرعة من صوف و معه عصاه فلما خرج الآذن قال له موسى استأذن على فرعون فلم يلتفت إليه فأكثر عليه فقال له الآذن أ ما وجد رب العالمين من يرسله غيرك فغضب موسى فضرب الباب بعصاه فلم يبق بينه و بين فرعون باب إلا انفتح حتى نظر إليه فرعون و هو في مجلسه فقال أدخلوه فدخل عليه و هو في قبة له ارتفاعها ثمانون ذراعا فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ و كان لها شعبتان فإذا هي حية قد وقع إحدى

    [247]
    الشعبتين في الأرض و الشعبة الأخرى في أعلى القبة فنظر فرعون إلى جوفها و هو يلتهب نيرانا و أهوت إليه فأحدث و صاح يا موسى خذها .

    و روىالعياشي عن يونس بن ظبيان قال : قال إن موسى و هارون حين دخلا على فرعون و لم يكن في جلسائه يومئذ ولد سفاح كانوا ولد نكاح كلهم و إن كان فيهم ولد سفاح لأمر بقتلهما ف قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ و أمروه بالتأني و النظر ثم وضع يده على صدره قال و كذلك نحن لا يقصدنا بشر إلا كل خبيث الولادة .

    تفسير الإمام الحسن العسكري قال : إن موسى (عليه السلام) لما انتهى إلى البحر أوحى الله عز و جل إليه قل لبني إسرائيل جددوا توحيدي و أمروا بقلوبكم ذكر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سيد عبيدي و إمائي و أعيدوا على أنفسكم الولاية لعلي أخي محمد و آله الطيبين و قولوا اللهم بجاههم جوزنا على متن هذا الماء يتحول لكم أرضا فقال لهم موسى ذلك فقالوا أ تورد علينا ما نكره و هل فررنا من فرعون إلا من خوف الموت و أنت تقحم بنا هذا الماء بهذه الكلمات و ما يدرينا ما يحدث من هذه علينا فقال لموسى كالب بن يوحنا و هو على دابة له و كان ذلك الخليج أربعة فراسخ يا نبي الله أمرك الله بهذا أن نقوله و ندخل الماء فقال نعم فوقف و جدد توحيد الله و نبوة محمد و ولاية علي و الطيبين من آلهما كما أمر به ثم قال اللهم بجاههم جوزني على متن هذا الماء ثم أقحم فرسه فركض على متن الماء حتى بلغ آخر الخليج ثم عاد راكضا فقال يا بني إسرائيل أطيعوا موسى فما هذا الدعاء إلا مفتاح أبواب الجنان و مغاليق أبواب النيران و مستنزل الأرزاق و جالب على عبيد الله و إمائه رضاء المهيمن الخلاق فأبوا و قالوا نحن لا نسير إلا على الأرض فأوحى الله إلى موسى اضرب بعصاك البحر و قل اللهم بجاه محمد و آله الطيبين لما فلقته ففعل فانفلق و ظهرت الأرض إلى آخر الخليج فقال موسى (عليه السلام) ادخلوا قالوا الأرض وحلة نخاف أن نرسب فيها فقال الله يا موسى قل اللهم بجاه محمد و آله الطيبين جففها فقالها فأرسل الله عليها ريح الصبا فجفت و قال موسى ادخلوا قالوا يا نبي الله نحن اثنتا عشرة قبيلة بنو اثني عشر أبا و إن دخلنا رام كل فريق تقدم صاحبه فلا نأمن وقوع الشر بيننا فلو كان لكل فريق منا طريق على حده لأمنا ما نخافه فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعددهم اثنتي عشرة ضربة في اثني عشر موضعا و يقول اللهم بجاه محمد و آله الطيبين بين لنا الأرض فصار فيه تمام اثني عشر طريقا و جف الأرض بريح

    [248]
    الصبا فقال ادخلوها قالوا كل فريق منا يدخل سكة من هذه السكك لا يدري ما يحدث على الآخرين فقال الله عز و جل فاضرب كل طود من الماء بين هذا السكك فضرب و قال اللهم بجاه محمد و آله الطيبين لما جعلت هذا الماء طاقات واسعة يرى بعضهم بعضا فحدث طاقات واسعة يرى بعضهم بعضا فلما دخلوا جاء فرعون و قومه فدخلوا فأمر الله البحر فأطبق عليهم فغرقوا و أصحاب موسى ينظرون إليهم ثم قال الله عز و جل لبني إسرائيل في عهد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا كان الله تعالى فعل كله بأسلافكم لكرامة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و دعا موسى دعاء تقرب بهم أ فما تعقلون أن عليكم الإيمان بمحمد و آله و قد شاهدتموه الآن .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : بين قوله قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما و بين أخذ فرعون أربعون سنة .

    قال الثعلبي : قال العلماء بأخبار الماضين لما كلم الله موسى و بعثه إلى مصر خرج و ليس معه زاد و لا سلاح و كان يستعين بالصيد و ببقول الأرض و لما قرب من مصر أوحى الله إلى أخيه هارون يبشره بقدوم موسى و يخبره أنه جعله لموسى وزيرا و رسولا معه إلى فرعون و أمره أن يمر يوم السبت لغرة ذي الحجة متنكرا إلى شاطئ النيل ليلتقي في تلك الساعة بموسى .

    فخرج هارون و أقبل موسى (عليه السلام) فالتقيا على شط النيل قبل طلوع الشمس فاتفق أنه كان يوم ورود الأسد الماء و كان لفرعون أسد تحرسه في غيضة محيطة بالمدينة من حولها .

    و كان فرعون إذ ذاك في مدينة حصينة عليها سبعون سورا في كل سور رساتيق و أنهار و مزارع و أرض واسعة في ربض كل سور سبعون ألف مقاتل و من وراء تلك المدينة غيضة تولى فرعون غرسها بنفسه ثم أسكنها الأسد فنسلت و توالدت حتى كثرت ثم اتخذها جندا من جنوده تحرسه و جعل خلال تلك الغيضة طرقا تفضي من يسلكها إلى أبواب المدينة فمن أخطأ الطريق وقع في الغيضة فأكلته الأسود و كانت الأسود إذا وردت النيل ظلت عليها يومها كلها ثم تصدر مع الليل فالتقى موسى و هارون يوم ورودها فلما أبصرتهما الأسد مدت أعناقها و رءوسها إليهما

    [249]
    و شخصت أبصارها نحوهما و قذف الله تعالى في قلوبها الرعب فانطلقت منهزمة نحو الغيضة و كان لها ساسة يسوسونها و يحرسونها من الناس .

    فلما أصابها ما أصابها خاف ساستها فرعون و لم يشعروا من أين أتوا فانطلق موسى و هارون في تلك المسبعة حتى وصلا إلى باب المدينة الأعظم الذي هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون و كان منه يدخل و يخرج فأقاما إليه سبعة أيام .

    فكلمهما واحد من الحراس وزيرهما و قال لهما هل تدريان لمن هذا الباب فقال موسى إن هذا الباب و ما فيها لرب العالمين و أهلها عبيد له فسمع ذلك الرجل قولا لم يظن أن أحدا من الناس يفصح بمثله فأسرع إلى كبرائه الذين هم فوقه فقال لهم سمعت اليوم قولا من رجلين هو أعظم عندي مما أصابنا في الأسد و ما كانا ليقدما على ما قدما عليه إلا بسحر عظيم و أخبرهم القصة فتداولوه حتى انتهوا إلى فرعون .

    و قال السدي بإسناده سار موسى (عليه السلام) بأهله نحو مصر حتى أتاها ليلا فتضيف أمه و هي لا تعرفه و إنما أتاهم في ليلة كانوا يأكلون فيها الطفيشل نوع من المرق و نزل في جانب الدار فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه فلما أن قعد تحدثا فقال له هارون من أنت فقال أنا موسى فتعانقا فقال له موسى يا هارون انطلق معي إلى فرعون فإن الله عز و جل قد أرسلنا إليه فقال هارون سمعا و طاعة فقامت أمهما فصاحت و قالت أنشدكما الله أن تذهبا إلى فرعون فيقتلكما. فانطلقا إليه فأتيا الباب و التمسا الدخول عليه ليلا فقرعا الباب ففزع فرعون و فزع البواب و قال فرعون من هذا الذي يضرب ببابي في هذه الساعة فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى أنا رسول رب العالمين .

    و قال محمد بن إسحاق خرج موسى حين قدم مصرا على فرعون هو و أخوه حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الإذن فمكثا سنتين يغدوان إلى بابه و يروحان لا يعلم بهما و لا يجتري أحد أن يعلمه بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلعب عنده و يضحكه فقال له أيها الملك إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا زعم أن له إلها غيرك فقال أدخلوه فدخل موسى و هارون فلما وقفا عنده دعا موسى بدعاء فتحول خوفه أمنا و كذا كل من يدعو بذلك الدعاء .


    [250]
    ثم قال فرعون لموسى من أنت قال أنا رسول رب العالمين فتأمله فرعون فعرفه فقال أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ... إلى آخر الآيات و المنازعات .

    فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ و توجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب عن سريره و أحدث حتى قام به بطنه في يومه ذلك أربعين مرة .

    و كان فيما يزعمون لا يسعل و لا يصدع و لا تصيبه آفة مما تصيب الناس و كان يقوم في أربعين يوما مرة و كان أكثر ما يأكل الموز لكيلا يكون له ثفل فيحتاج إلى القيام و كانت هذه الأشياء مما زين له أن قال ما قال لأنه ليس له من الناس شبيه فلما قصدته الحية نادى يا موسى اكففها عني بحرمة الرضاع و إني أؤمن بك و أرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا ثم نزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء مثل الثلج لها شعاع كشعاع الشمس فقال له فرعون هذه يدك فأدخلها موسى جيبه و أخرجها الثانية و لها نور ساطع في السماء تكل منه الأبصار فلم يستطع فرعون النظر إليها ثم ردها موسى و أخرجها على لونها الأول فهم فرعون بتصديقه و قال له هامان بينما أنت إله تعبد إذ أنت تابع لعبد فقال فرعون لموسى أمهلني إلى غد .

    و أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أن قل لفرعون إنك إن آمنت بالله وحده عمرتك في ملكك و رددت شابا طريا فاستنظره فرعون. فلما كان من الغد دخل عليه هامان فأخبره فرعون بما وعد موسى فقال له هامان و الله ما يعدل هذا عبادة هؤلاء لك يوما واحدا فنفخ في منخره ثم قال له هامان أنا أردك شابا فأتاه بالوسمة فخضبه بها .

    فلما دخل عليه موسى و رآه على تلك الحالة هاله ذلك. فأوحى الله تعالى إليه لا يهولنك ما رأيت فإنه لم يلبث إلا قليلا حتى يعود إلى الحالة الأولى .

    و في بعض الروايات أن موسى و هارون لما انصرفا من عند فرعون أصابهما المطر في الطريق فأتيا على عجوز من أقرباء أمهما و وجه فرعون الطلب في أثرهما فلما دخل عليهما الليل ناما في دارها و جاء الطلب إلى الباب و العجوز منتبهة فلما أحست بهم

    [251]
    خافت عليهما فخرجت العصا من ثقب الباب و العجوز تنظر فقاتلتهم حتى قتلت منهم سبعة أنفس ثم عادت و دخلت الدار .

    فلما انتبه موسى و هارون أخبرتهما بقصة الطلب و نكاية العصا فيهم فآمنت بهما و صدقتهما. قال الثعلبي قالت العلماء بأخبار الأنبياء أن موسى و هارون (عليه السلام) وضع فرعون أمرهما على السحر فأراد قتلهما فقال العبد الصالح حزقيل مؤمن آل فرعون أ تقتلون رجلا يقول ربي الله و قد جاءكم بالبينات من ربكم فقال الملأ من قوم فرعون أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ .

    و كانت لفرعون مدائن فيها السحرة معدة لفرعون إذا أحزنه أمر .

    و قال ابن عباس قال فرعون لما رأى سلطان الله في اليد و العصا إنا لا نغالب موسى إلا بمن هو مثله فأخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها العرما يعلمونهم السحر كما يعلمون الصبيان في المكتب فعلموهم سحرا كثيرا و واعد فرعون موسى موعدا فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم و معهم معلمهم فقالوا له ما ذا صنعت قال علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمر من السماء فإنه لا طاقة لهم به .

    ثم بعث فرعون فجمع السحرة كلهم و كانوا اثنين و سبعين ألفا .

    و قال كعب كانوا اثني عشر ألفا و قيل بضعا و ثلاثين ألفا و قال عكرمة سبعين ألفا و قيل ثمانين ألفا و اختار منهم سبعة آلاف و اختار من أولئك سبعمائة .

    و كان رئيس السحرة أخوين بأقصى مدائن الصفر فلما جاءهما رسول فرعون قالا لأمهما دلينا على قبر أبينا فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما فقالا إن الملك وجه علينا أن نقدم عليه لأنه أتاه رجلان ليس معهما رجال و لا سلاح و لهما عز و منعة و قد ضاق الملك ذرعا من عزهما و معهما عصا إذا ألقياها فلا يقوم لها شي‏ء تبلع الحديد و الخشب و الحجر فأجابهما أبوهما انظرا إذا هما ناما فإن قدرتما أن تسلا العصا فسلاها فإن الساحر .


    [252]
    لا يعمل سحره و هو نائم و إن عملت العصا و هما نائمان فذلك أمر رب العالمين و لا طاقة لكما بهما و لا لجميع أهل الدنيا. فأتياهما في خفية و هما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا ثم واعدوه يوم الزينة و كان يوم سوق لهم و قال ابن عباس كان يوم عاشوراء و وافق يوم السبت أول يوم النيروز يجتمع الناس من الآفاق و كان بالإسكندرية فلما اجتمع الناس و السحرة جاء موسى متكئا على عصاه و معه هارون فقال موسى للسحرة ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب أليم .

    فقال بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر و قالوا لنأتينك اليوم بسحر لم تر مثله و كانوا قد جاءوا بالعصي و الحبال تحملها ستون بعيرا فقال لهم موسى ألقوا فألقوا حبالهم و عصيهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا تسعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى فقال و الله إن كانت العصيات في أيديهم فلقد عادت حيات و ما يعدون عصاي هذه .

    فأوحى الله إليه لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان عظيم أسود مدلهم على أربع قوائم قصار غلاظ و هو أعظم و أطول من البختي و له ذنب يقوم عليه فيشرف فوق حيطان المدينة رأسه لا يضرب ذنبه على شي‏ء إلا حطمه و يكسر بقوائمه الصخور و يضرم حيطان البيوت نارا و منخراه تنفخان سموما و على مفرقه شعر كأمثال الرماح فاستعرضت ما ألقى السحرة من حبالهم و عصيهم و هي حيات في عين فرعون و أعين الناس فابتلعتها واحدا واحدا حتى ما يرى بالوادي قليلا و لا كثيرا فانهزم الناس و تزاحموا و وطئ بعضهم بعضا حتى مات يومئذ خمسة و عشرون ألفا و انهزم فرعون مرعوبا و قد استطلق بطنه في يومه ذلك من أربعمائة جلسة ثم بعد ذلك إلى أربعين مرة في اليوم و الليلة على الدوام إلى أن هلك .

    فلما عاين السحرة ما عاينوا قالوا لو كان سحرا لما خفي علينا أمره و لو كان سحرا فأين حبالنا و عصينا فخروا سجدا و قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ.


    [253]
    و كان فيهم أربعة شيوخ سابور عارور حطحط مصفا فلما آمن السحرة قال فرعون متجلدا آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ف قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ.. . فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ .

    فقطع أيديهم و أرجلهم و صلبهم و هو أول من فعل ذلك فأصبحوا سحرة كفرة و أمسوا شهداء بررة .

    و رجع فرعون مغلوبا و أبى إلا الإقامة على الكفر فتابع الله عليه بالآيات و أخذه و قومه إلى أن أهلكهم .

    و رجع موسى (عليه السلام) و العصا تتبعه و تبصبص حوله و تلوذ به كما يلوذ الكلب الألوف بصاحبه و الناس ينظرون إليها حتى دخل موسى عسكر بني إسرائيل و أخذ برأسها فإذا هي عصا كما كانت .

    و اعتزل موسى (عليه السلام) في مدينته و لحق بقومه و عسكروا مجتمعين إلى أن صاروا ظاهرين .

    قال الثعلبي فلما خاف فرعون على قومه أن يؤمنوا بموسى (عليه السلام) عزم على بناء صرح يقوي به سلطانه فقال يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً ... الآية .

    فجمع العمال و الفعلة حتى اجتمع له خمسون ألف بناء سوى الأتباع و الأجراء ممن يطبخ الآجر و الجص و ينجر الخشب و الأبواب و يضرب المسامير فلم يزل يبني ذلك الصرح إلى أن فرغ منه في سبعة سنين و ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السماوات و الأرض .

    فبعث الله عز و جل جبرئيل (عليه السلام) فضرب بجناحه الصرح فقطعه ثلاث قطع وقعت قطعة منها في البحر و أخرى في الهند و أخرى في المغرب .

    و قال الضحاك بعثه الله وقت الغروب فقذف به على عسكر فرعون فقتل منهم ألف ألف رجل و لم يبق أحد عمل فيه شيئا إلا أصابه موت أو حريق أو عاهة .

    ثم إن فرعون بعد ذلك عزم على قتال موسى (عليه السلام) فلما لم يؤمن أوحى الله تعالى إلى موسى أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت ثم اذبحوا أولاد

    [254]
    الضأن و اضربوا بدمائها على الأبواب فإني مرسل على أعدائكم عذابا و إني سآمر الملائكة فلا يدخل بيتا على بابه دم و سآمرها تقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم و أموالهم فستسلمون أنتم و يهلكون هم ثم اخبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم ثم أسر بعبادي حتى تنتهي بهم البحر فيأتيك أمري .

    ففعل ذلك بنو إسرائيل فقال النبط لبني إسرائيل لم تعالجون هذا الدم على أبوابكم فقالوا إن الله مرسل عذابا فنسلم و تهلكون فقالت النبط فما يعرفكم ربكم إلا بهذه العلامات فقالوا هكذا أمرنا نبينا .

    فأصبحوا و قد طعن أبكار آل فرعون و ماتوا كلهم في ليلة واحدة و كانوا سبعين ألفا فاشتغلوا بدفنهم و بالحزن عليهم .

    و سرى موسى (عليه السلام) بقومه متوجهين إلى البحر و هم ستمائة ألف و عشرون ألفا لا يعد فيهم ابن سبعين سنة لكثرتهم لكبره و لا ابن عشرين لصغره و هم المقاتلة دون الذرية و كان موسى (عليه السلام) على الساقة و هارون على المقدمة .

    فلما فرغت القبط من دفن أبكارهم و بلغهم خروج بني إسرائيل قال فرعون هذا عمل موسى قتلوا أبكارنا من أنفسنا و أموالنا ثم خرجوا و لم يرضوا أن ساروا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالنا معهم فنادى في قومه فأرسل في المدائن من يجمع الساحرين .

    و قال ابن جريج أرسل فرعون في أثر موسى و قومه ألف ألف و خمسمائة ألف ملك مسود مع كل ملك ألف ثم خرج فرعون خلفهم في الدهم و كانوا مائة ألف رجل كل واحد منهم راكب حصانا أدهم .

    فلما أغرقوا في البحر بعث موسى (عليه السلام) جندين عظيمين من بني إسرائيل كل جند اثنا عشر ألفا إلى مدائن فرعون و هي خالية من أهلها لم يبق منهم إلا النساء و الصبيان و الزمنى و المرضى و الهرمى و أمر على الجندين يوشع بن نون و كالب بن يوحنا فدخلوا بلاد فرعون فغنموا ما كان فيها من أموالهم و كنوزهم. ثم إن يوشع استخلف على قوم فرعون رجلا منهم و عاد إلى موسى بمن معه سالمين غانمين.

    تفسير علي بن إبراهيم قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ

    [255]
    الْكاذِبِينَ فبنى هامان له في الهواء صرحا بلغ مكانا في الهواء لم يقدر الإنسان أن يقوم عليه من الرياح القائمة في الهواء فقال لفرعون لا نقدر على أن نزيد على هذا .

    و بعث الله رياحا فرمت به فاتخذ فرعون عند ذلك التابوت و عمد إلى أربعة أنسر فأخذ فراخها و رباها حتى إذا بلغت و كبرت عمدوا إلى جوانب التابوت الأربعة فقرروا في كل جانب منه خشبة و جعلوا على رأس كل خشبة لحما و جوعوا الأنسر و شدوا أرجلها بأصل الخشبة فنظرت الأنسر إلى اللحم فأهوت إليه و ارتفعت في الهواء فأقبلت تطير يومها فقال فرعون لهامان انظر إلى السماء هل بلغناها فنظر هامان فقال أرى السماء كما كنت أراها في الأرض في البعد فقال انظر إلى الأرض فقال لا أرى الأرض و لكن أرى البحار و الماء .

    قال فلم تزل الأنسر ترتفع حتى غابت الشمس و غابت عنهم البحار و الماء و جنهم الليل فنظر هامان إلى السماء فقال فرعون هل بلغناها فقال أرى الكواكب كما كنت أراها في الأرض .

    ثم جالت الرياح القائمة في الهواء فأقبلت التابوت فلم يزل يهوي حتى وقع على الأرض فكان فرعون أشد ما كان عتوا في ذلك الوقت .

    علل الشرائع عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : احتبس القمر عن بني إسرائيل فأوحى الله جل جلاله إلى موسى (عليه السلام) أخرج عظام يوسف من مصر و وعده طلوع القمر إذا أخرج عظامه فسأل موسى عمن يعلم موضعه فقيل له هاهنا عجوز تعلم علمه فبعث إليها فأتي بعجوز مقعدة عمياء فقال لها أ تعرفين موضع قبر يوسف قالت نعم قال فأخبريني به قالت لا حتى تعطيني أربع خصال تطلق رجلي و تعيد لي شبابي و تعيد لي بصري و تجعلني معك في الجنة قال فكبر ذلك على موسى (عليه الس
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:48 am



    الفصل الخامس
    في أحوال مؤمن آل فرعون و امرأة فرعون
    و خروج موسى (عليه السلام) و قومه من البحر و حال ابتلائهم بالتقية



    قال الله تعالى في مؤمن آل فرعون فَوَقاهُ اللَّهُ أي صرف الله عنه سوء مكرهم فجاء مع موسى (عليه السلام) حتى عبر البحر .

    النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا أي يعرض آل فرعون على النار في قبورهم صباحا و مساء فيعذبون .

    و قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة لأن نار القيامة لا تكون غدوا و عشيا ثم قال إن كانوا يعذبون في النار غدوا و عشيا ففيما بين ذلك هم من السعداء و لكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة أ لم تسمع قوله عز و جل وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ و هذا أمر للملائكة بإدخالهم في أشد العذاب و هو عذاب جهنم.

    أقول : هذه النار هي نار البرزخ التي يعذب فيها أرواح الكفار في الدنيا و هي برهوت واد في حضرموت من بلاد اليمن كما إن جنة الدنيا وادي السلام و محلها ظهر الكوفة بين النجف و كربلاء و فيها أرواح المؤمنين في أجساد مثالية يتنعمون بها حتى يوافوا جنة الخلد و أولئك يوافون نار جهنم .

    تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عن آبائه عن الصادق (عليه السلام) : قال كان حزقيل مؤمن آل فرعون يدعو قوم فرعون إلى توحيد الله و نبوة موسى و تفضيل محمد

    [259]
    (صلى الله عليه وآله وسلم) على جميع رسل الله و خلقه و تفضيل علي بن أبي طالب و الخيار من الأئمة عليهم السلام و على سائر أوصياء النبيين و إلى البراءة من ربوبية فرعون فوشى به واشون إلى فرعون و قالوا إن حزقيل يدعو إلى مخالفتك و يعين أعداءك على مضادتك فقال لهم فرعون إنه ابن عمي و خليفتي على ملكي و ولي عهدي إن فعل ما قلتم فقد استحق العذاب على كفره نعمتي و إن كنتم كاذبين فقد استحققتم أشد العذاب لإيثاركم الدخول في مساءته فجاء بحزقيل و جاء بهم فكاشفوه و قالوا أنت تجحد ربوبية فرعون و تكفر نعماءه فقال حزقيل أيها الملك هل جربت علي كذبا قط قال لا قال فسلهم من ربهم فقالوا فرعون قال و من خالقكم قالوا فرعون قال و من رازقكم الكافي لمعاشكم و الدافع عنكم مكارهكم قالوا فرعون هذا قال حزقيل أيها الملك فاشهد و من حضرك أن ربهم ربي و خالقهم هو خالقي و رازقهم هو رازقي لا رب لي و لا خالق و لا رازق غير ربهم و خالقهم و رازقهم و أشهدك و من حضرك أن كل رب و خالق سوى ربهم فأنا بري‏ء منه و من ربوبيته و كافر بإلهيته يقول حزقيل هذا و هو يعني أن ربهم هو الله ربي و لم يقل إن الذي قالوا ربهم هو ربي و خفي هذا المعنى على فرعون و من حضره و توهموا أنه يقول فرعون ربي و خالقي و رازقي فقال لهم فرعون يا طلاب الفساد في ملكي و مريدي الفتنة بيني و بين ابن عمي و هو عضدي أنتم المستحقون لعذابي لإرادتكم فساد أمري و إهلاك ابن عمي ثم أمر بالأوتاد فجعل في ساق كل واحد منهم وتد و في صدره وتد و أمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم فذلك ما قال الله تعالى فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا به لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ و هم الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الأوتاد و مشط عن أبدانهم لحومهم بالأمشاط .

    و عن ابن عباس قال : خط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربع خطط في الأرض و قال أ تدرون ما هذا قلنا الله و رسوله أعلم فقال أفضل نساء الجنة أربع خديجة

    [260]
    بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون .

    تفسير علي بن إبراهيم قدس الله ضريحه وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ قال كتم إيمانه ستمائة سنة و كان مجذوما مكنعا و هو الذي قد وقعت أصابعه و كان يشير إلى قومه بيديه المكنوعتين و يقول يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ .

    و قوله فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا يعني مؤمن آل فرعون .

    فقال أبو عبد الله (عليه السلام) و لقد قطعوه إربا إربا و لكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه و قال الثعلبي قالت الرواة كان حزقيل من أصحاب فرعون نجارا و هو الذي نجر التابوت لأم موسى حين قذفته في البحر .

    و قيل : إنه كان خازنا لفرعون مائة سنة و كان مؤمنا مخلصا يكتم إيمانه إلى أن ظهر موسى (عليه السلام) على السحرة فأظهر حزقيل يومئذ إيمانه فأخذ و قتل مع السحرة صلبا .

    و أما امرأة حزقيل فإنها كانت ماشطة بنات فرعون و كانت مؤمنة .

    و روي عن ابن عباس : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة فقلت لجبرئيل ما هذه الرائحة فقال هذه ماشطة آل فرعون و أولادها كانت تمشطها فوقعت المشطة من يدها فقالت بسم الله فقالت بنت فرعون أبي قالت لا بل ربي و ربك و رب أبيك فأخبرت فرعون فدعا بها و بولدها و قال من ربك قالت إن ربي و ربك الله فأمر بتنور من نحاس فأحمي فدعا بها و بولدها فقالت إن لي إليك حاجة و هي أن تجمع عظامي و عظام ولدي فتدفنها فقال ذلك لك لما لك من حق فأمر بأولادها فألقوا واحدا واحدا بالتنور حتى كان آخر ولدها و كان صبيا مرضعا فقال اصبري يا أماه إنك على الحق فألقيت في التنور مع ولدها و أما امرأة فرعون آسية فكانت من بني إسرائيل و كانت مؤمنة خالصة و كانت تعبد الله سرا إلى أن قتل فرعون امرأة حزقيل فعاينت حينئذ الملائكة يعرجون بروحها فزادت يقينا و إخلاصا فبينا هي كذلك إذ دخل عليها فرعون يخبرها بما صنع فقالت الويل لك

    [261]
    يا فرعون ما أجرأك على الله جل و علا فقال لها لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى صاحبتك فقالت ما اعتراني جنون بل آمنت بالله ربي و ربك و رب العالمين فدعا فرعون أمها فقال لها إن ابنتك أخبريها فأقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى فخلت بها أمها فسألتها موافقته في ما أراد فأبت و قالت أما أن أكفر بالله فلا فأمر بها فرعون حتى مدت بين أربعة أوتاد ثم لا زالت تعذب حتى ماتت .

    و عن ابن عباس قال أخذ فرعون امرأته آسية حين تبين له إسلامها يعذبها لتدخل في دينه فمر بها موسى و هو يعذبها فشكت إليه بإصبعها فدعا الله موسى أن يخفف عنها فلم تجد للعذاب ألما و إنها ماتت من عذاب فرعون فقالت و هي في العذاب رب ابن لي عندك بيتا في الجنة و أوحى الله إليها أن ارفعي رأسك فرفعت فرأت البيت في الجنة بني لها من در فضحكت .

    فقال فرعون انظروا إلى الجنان التي بها تضحك و هي في العذاب .

    و قيل : إنها كانت تعذب بالشمس و إذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة و جعلت ترى بيتها في الجنة .

    عن سلمان في تفسير علي بن إبراهيم وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى ... الآية .

    فإن بني إسرائيل لما عبر بهم موسى البحر نزلوا في مفازة فقالوا يا موسى أهلكتنا و قتلتنا و أخرجتنا من العمارة إلى مفازة لا ظل و لا شجر و لا ماء و كانت تجي‏ء بالنهار غمامة فتظلهم من الشمس و ينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات و الشجر و الحجر فيأكلونه و بالعشي يجي‏ء طائر مشوي فيقع على موائدهم فإذا أكلوا و شبعوا طار و مر .

    و كان مع موسى حجر يضعه في وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا فيذهب الماء إلى سبط في رحله و كانوا اثنا عشر سبطا .

    فلما طال عليهم الأمد قالوا يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها و الفوم هو الحنطة

    [262]
    فقال لهم موسى أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ ف قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ... فنصف الآية في سورة البقرة و تمامها و جوابها لموسى في سورة المائدة .

    أقول هذا التبعيض في الآية الواحدة الظاهر أن منشأه ما وقع في مصحف عثمان الذي سموه إمام المصاحف و لم يكن له ربط بترتيب القرآن فكانت الآية الواحدة مقطعة في السورتين .

    و روي أنهم لما لم يوافقوا موسى (عليه السلام) على قتال الجبارين أراد موسى أن يفارقهم ففزعوا و قالوا إن خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب فسألوه أن يقيم معهم و يسأل الله أن يتوب عليهم فأوحى الله إليه أني قد تبت عليهم على أن يدخلوا مصر و حرمتها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض عقوبة لقولهم فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا فدخلوا كلهم في التوبة و التيه إلا قارون .

    فكانوا يقومون في أول الليل و يأخذون في قراءة التوراة فإذا أصبحوا على باب مصر دارت بهم الأرض فردتهم إلى مكانهم و كان بينهم و بين مصر أربع فراسخ فبقوا على ذلك أربعين سنة .

    فمات هارون و موسى في التيه و دخلها أبناؤهم و أبناء أبنائهم .

    و روىالثعلبي عن محمد بن قيس قال : جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال يا أبا الحسن ما صبرتم بعد نبيكم إلا خمسا و عشرين سنة حتى قتل بعضكم بعضا قال بلى و لكن ما جف أقدامكم من البحر حتى قلتم يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة و في حديث آخر أنه (عليه السلام) قال له إنا لم نختلف في نبينا و لكنا اختلفنا عنه .

    و عن ابن عباس قال : قال بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام) حين جاز بهم البحر خبرنا يا موسى بأي قوة و بأي عدة تبلغ الأرض المقدسة و معك الذرية و النساء و الزمنى فقال موسى (عليه السلام) ما أعلم قوما ورثهم الله من عرض الدنيا ما ورثكم و سيجعل الله لكم مخرجا قالوا فادعه يطعمنا و يسقينا و يظلنا فأوحى الله تعالى إلى موسى قد أمرت السماء أن تمطر عليهم المن و السلوى و أمرت الريح أن تشوي لهم السلوى

    [263]
    و أمرت الحجارة أن تنفجر و أمرت الغمام أن تظلهم و سخرت ثيابهم أن تنبت بقدر ما ينبتون فلما قال موسى ذلك سكنوا فسار بهم إلى الأرض المقدسة و هي فلسطين و إنما قدسها لأن يعقوب (صلى الله عليه وآله وسلم) و لد بها و كان مسكن أبيه إسحاق و يوسف (صلى الله عليه وآله وسلم) و نقلوا كلهم بعد الموت إلى أرض فلسطين .

    العياشي عن داود الرقي قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول نعم الأرض الشام و بئس القوم أهلها و بئس البلاد مصر أما إنها سخط من سخط الله عليه و لم يكن دخول بني إسرائيل إلا من سخطه و معصيته منهم لله لأن الله تعالى قال ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني الشام فأبوا أن يدخلوها فتاهوا في الأرض أربعين سنة في مصر و فيافيها ثم دخلوها بعد أربعين سنة و ما كان خروجهم من مصر و دخولهم الشام إلا من بعد توبتهم و رضا الله عنهم و قال إني لأكره أن آكل من شي‏ء يطبخ في فخارها و ما أحب أن أغسل رأسي من طينها مخافة أن يورثني ترابها الذل و يذهب بغيرتي .

    و روىالشيخ في التهذيب قال الصادق (عليه السلام) : نومة الغداة مشومة تطرد الرزق و تصفر اللون و تغبره و تقبحه و هو نوم كل مشوم إن الله تعالى يقسم الأرزاق ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس و إياكم و تلك النومة و كان المن و السلوى ينزل على بني إسرائيل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فمن نام تلك الساعة لم ينزل نصيبه و كان إذا انتبه فلا يرى نصيبه احتاج إلى السؤال و الطلب .

    و عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في قوله : وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى المن الترنجبين كان يسقط على شجرهم فيتناولونه و السلوى السماني أطيب طير لحما يسترسل لهم فيصطادونه و في قوله تعالى ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ و هو أريحا من بلاد الشام و ادخلوا باب القرية سجدا لله تعظيما لمثال محمد و علي مثل الله تعالى على الباب مثال محمد و علي و أمرهم أن يسجدوا تعظيما لذلك المثال و أن يجددوا على أنفسهم بيعتهما و ذكر موالاتهما و ليذكروا العهد و الميثاق المأخوذ عليهم وَ قُولُوا حِطَّةٌ أي قولوا إن سجودنا لله تعظيما لمثال محمد و علي و اعتقادنا لولايتهما حطة لذنوبنا و محوا لسيئاتنا فَبَدَّلَ الَّذِينَ

    [264]
    ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي لم يسجدوا كما أمروا و قالوا كما أمروا و لكن دخلوها من منقلبها بأستاههم و قالوا اهتطانا سمقانا أي حنطة حمراء ينقونها أحب إلينا من هذا الفعل و هذا القول فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بدلوا ما قيل لهم و لم ينقادوا لولاية محمد و علي و آلهما الطيبين رِجْزاً مِنَ السَّماءِ و الرجز الذي أصابهم أنه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة و عشرون ألف كلهم من علم الله أنهم لا يؤمنون و لا يتوبون و في قوله وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ طلب منهم السقي لما لحقهم العطش في التيه و ضجوا بالبكاء إلى موسى (عليه السلام) و قالوا أهلكنا بالعطش فقال موسى إلهي بحق محمد سيد الأنبياء و بحق علي سيد الأوصياء و بحق فاطمة سيدة النساء و بحق الحسن سيد الأولياء و بحق الحسين أفضل الشهداء و بحق عترتهم و خلفائهم سادة الأزكياء لما سقيت عبادك هؤلاء فأوحى الله تعالى يا موسى اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فضربه فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قد علم كل قبيلة من بني أب من أولاد يعقوب مشربهم فلا يزاحم الآخرين في مشربهم وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ يعني المن و السلوى و لا بد لنا من خلط معه فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ... الآية فقال اهْبِطُوا مِصْراً من الأمصار من هذه التيه فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ في المصر ... الحديث .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : إن القائم (عليه السلام) إذا قام بمكة و أراد أن يتوجه إلى الكعبة نادى مناديه ألا لا يحمل أحد منكم طعاما و لا شرابا و يحمل حجر موسى بن عمران و هو وقر بعير فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه فمن كان جائعا شبع و من كان ظامئا روي فهو زادهم حتى ينزل النجف من ظهر الكوفة .

    و قال الثعلبي إن الله عز و جل وعد موسى (عليه السلام) أن يورثه و قومه الأرض المقدسة و هي الشام و كان يسكنها الجبارون و هم العمالقة من ولد عملاق بن لاوي بن سام بن نوح (عليه السلام) .

    فأمر الله موسى (عليه السلام) و قومه بالمسير إلى أرض الشام و قال يا موسى إني قد كتبتها لكم دارا و قرارا فجاهد فيها من العدو فإني ناصركم عليهم و خذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا ليكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به .

    فاختار موسى النقباء من كل سبط نقيبا و أمره عليهم فسار موسى ببني إسرائيل

    [265]
    فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار و يعلمون أحوالهم .

    فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عوج بن عناق و كان طوله ثلاثة و عشرين ألف ذراع بذراع الملك و كان عوج يحتجر بالسحاب و يتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله .

    و روي أنه أتى نوحا أيام الطوفان فقال له احملني معك في سفينتك فقال له اذهب يا عدو الله فإني لم أومر بك و طبق الماء ما على الأرض من جبل و ما جاوز ركبتي عوج و عاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يدي موسى .

    و كان لموسى (عليه السلام) عسكر فرسخ في فرسخ فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم أتى الجبل و نقر منه صخرة على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى إليه الهدهد و معه المس يعني حتى نقرا الصخرة فانبثقت فوقعت في عنق عوج فطوقته فصرعته .

    فأقبل موسى (عليه السلام) و طوله عشرة أذرع و طول عصاه عشرة أذرع و نزا في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه و هو مصروع بالأرض فقتله .

    فأقبل جماعة و معهم الخناجر فجهدوا حتى حزوا رأسه فلما قتل وقع على نيل مصر فحيرهم سنة و أم عناق إحدى بنات آدم من صلبه .

    فلما لقيهم عوج و على رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر و جعلهم في حجزته و انطلق بهم إلى امرأته و قال انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا فطرحهم بين يديها و قال أ لا أطحنهم برجلي فقالت امرأته لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك .

    و كان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفر بالخشب و يدخل في شطر الرمان إذا نزع حبها خمسة أنفر أو أربعة .

    فلما خرجوا قال بعضهم لبعض يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم تنكروا و ارتدوا عن نبي الله و لكن اكتموا شأنهم و أخبروا موسى و هارون فيرون فيه رأيهما فأخذ بعضهم على بعض الميثاق ثم انصرفوا إلى موسى بعد أربعين يوما و جاءوا بحبة من عنبهم وقر رجل و أخبروه بما رأوه .


    [266]
    ثم إنهم نكثوا العهد و جعل كل واحد منهم ينهى سبطه و قريبه عن قتالهم و يخبرهم بما رأوا من أحوالهم إلا يوشع بن نون و كالب بن يوحنا ختن موسى على أخته مريم .

    فلما سمع القوم ذلك من الجواسيس رفعوا أصواتهم بالبكاء و قالوا يا ليتنا متنا في أرض مصر و لا يدخلنا الله فتكون نساؤنا و أموالنا غنيمة لهم و أرادوا الرجوع إلى مصر و قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين فقال لهم موسى إن الذي أنجاكم و فلق البحر هو الذي يظهركم عليهم فلم يقبلوا و هموا بالانصراف إلى مصر .

    فخرق يوشع و كالب ثيابهما و قالا لهم ادخلوا على الجبارين الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون لأن الله منجز ما وعد و إنا أريناهم و اختبرناهم فكانت أجسامهم قوية و قلوبهم ضعيفة فلا تخشوهم و على الله توكلوا إن كنتم مؤمنين.

    فأراد بنو إسرائيل أن يرموهم بالحجارة و عصوهما و قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى و دعا عليهم فقال رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ و كانت عجلة عجلها موسى فظهر الغمام على قبة الزمر فأوحى الله تعالى إلى موسى إلى متى لا يصدقون بالآيات لأهلكنهم أجمعين و لأجعلن لك شعبا أقوى و أكثر منهم فقال موسى إلهي لو أنك قتلت هذا الشعب لقالت الأمم الذين سمعوا إنما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدسة فقتلهم في البرية و أنت طويل صبرك و تغفر الذنوب فاغفر لهم و لا توبقهم فقال الله عز و جل قد غفرت لهم بكلمتك و لكن بعد ما سميتهم فاسقين و دعوت عليهم بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع و كالب و لأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة و كانت أربعين يوما و لنلقين جيفهم في هذه القفار و أما بنوهم الذين لم يعملوا الخير و الشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة .

    فذلك قوله تعالى فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً في ستة فراسخ و كانوا ستمائة ألف مقاتل فكانوا يسيرون جادين حتى إذا أمسوا و باتوا فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا منه و مات النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر بغتة و كل من دخل في التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه غير يوشع و كالب و لم يدخل أريحا أحد ممن قال إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً .


    [267]
    فلما هلكوا و انقضت الأربعون سنة و نشأت النواشئ من ذراريهم و ساروا إلى حرب الجبارين و فتح الله لهم في ذكر النعم التي أنعم الله على بني إسرائيل في التيه .

    قال الله سبحانه يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي على أجدادكم و أسلافكم.


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:51 am




    الفصل السادس
    في نزول التوراة و سؤال الرؤية و عبادة العجل و ما يتعلق بها



    قال الله تعالى : وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .



    علل الشرائع و عيون الأخبار سأل الشامي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الثور ما باله غاض طرفه لا يرفع رأسه إلى السماء قال : حياء من الله عز و جل لما عبد قوم موسى العجل نكس رأسه .

    و عن أنس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرموا البقر فإنه سيد البهائم ما رفعت طرفها إلى السماء حياء من الله عز و جل منذ عبد العجل .

    تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ قال اختبرناهم مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ بالعجل الذي عبدوه .

    و كان سبب ذلك أن موسى (عليه السلام) لما وعده الله تعالى أن ينزل عليه التوراة و الألواح إلى ثلاثين يوما أخبر بني إسرائيل بذلك و ذهب إلى ميقات ربه و خلف هارون على قومه.

    [268]
    فلما جاءت الثلاثون يوما و لم يرجع موسى إليهم عصوا و أرادوا أن يقتلوا هارون قالوا إن موسى كذبنا و هرب منا .

    فجاء إبليس في صورة رجل فقال لهم إن موسى قد هرب منكم و لا يرجع أبدا فاجمعوا إلي حليكم حتى أتخذ إلها تعبدونه .

    و كان السامري على مقدمة موسى يوم أغرق الله فرعون و أصحابه فنظر إلى جبرئيل (عليه السلام) و كان على حيوان في صورة رمكة كانت كلما وضعت حافرها على موضع من الأرض يتحرك ذلك الموضع فنظر إليه السامري و كان من خيار أصحاب موسى فأخذ التراب من حافر رمكة جبرئيل و كان يتحرك فصره في صرة و كان عنده يفتخر به على بني إسرائيل .

    فلما جاءهم إبليس و اتخذوا العجل قال للسامري هات التراب الذي معك فجاء به السامري فألقاه إبليس في جوف العجل فلما وقع التراب في جوفه تحرك و خار و نبت عليه الوبر و الشعر فسجد له بنو إسرائيل و كان عدد الذين سجدوا سبعين ألفا من بني إسرائيل .

    فقال لهم هارون إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فهموا بهارون حتى هرب من بينهم و بقي في ذلك حتى تم ميقات موسى أربعين ليلة .

    فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله عليه الألواح فيها التوراة و ما يحتاجون إليه من الأحكام و السير و القصص .

    ثم أوحى الله إلى موسى (عليه السلام) فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ و عبدوا العجل و له خوار فقال موسى (عليه السلام) يا رب العجل من السامري فالخوار ممن قال مني يا موسى إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة .

    فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ثم رمى الألواح و أخذ بلحية أخيه هارون و رأسه يجره إليه فقال له ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي فقال له بنو إسرائيل


    [269]
    ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَ لكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ يعني من حليهم فَقَذَفْناها قال التراب الذي جاء السامري طرحناه في جوفة ثم أخرج السامري العجل و له خوار فقال له موسى فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها يعني من تحت حافر رمكة جبرئيل (عليه السلام) في البحر فَنَبَذْتُها أي أمسكتها وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي زينت .

    فأخرج موسى العجل فأحرقه بالنار و ألقاه في البحر ثم قال موسى للسامري فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ يعني ما دمت حيا و عقبك هذه العلامة فيكم قائمة حتى يعرفوا أنكم سامرية فلا يغتروا بكم الناس فهم إلى الساعة بمصر و الشام معروفين لا مساس لهم .

    ثم هم موسى بقتل السامري فأوحى الله إليه لا تقتله يا موسى فإنه سخي فقال له موسى انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ .

    أقول قوله أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ أحمالا في حلي القبط التي استعاروها منهم حين هموا بالخروج من مصر باسم العرس .

    و قيل : استعاروه لعيد كان لهم ثم لم يردوه عند الخروج مخافة أن يعلموا به .

    و قوله لا مِساسَ قال الطبرسي اختلف في معناه فقيل إنه أمر الناس بأمر الله أن لا يخالطوه و لا يجالسوه و لا يؤاكلوه تضييقا عليه و المعنى لك أن تقول لا أمس و لا أمس ما دمت حيا .

    و قال ابن عباس لك و لولدك و المساس فعل من المماسة و معنى لا مِساسَ لا يمس بعضنا بعضا السامري يهيم في البرية مع الوحش و السباع لا يمس أحدا و لا يمسه أحد عاقبه الله تعالى بذلك و كان إذا لقي أحدا يقول لا مساس أي لا تمسني و لا تقربني و صار ذلك عقوبة له و لولده حتى إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك و إن مس واحد من غيرهم حم كلاهما في الوقت .

    و قيل : إن السامري خاف و هرب فجعل يهيم في البرية لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار لبعده من الناس كالقائل لا مساس .


    [270]
    علي بن إبراهيم بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ما بعث الله رسولا إلا و في وقته شيطانان يؤذيانه و يفتنانه و يضلان الناس بعده فأما الخمسة أولو العزم من الرسل نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و أما صاحبا نوح (عليه السلام) ففبطقوس و حزام و أما صاحبا إبراهيم فمكيل و زدام و أما صاحبا موسى فالسامري و مرعقيبا و أما صاحبا عيسى فمولس و مريسان و أما صاحبا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فحبتر و زريق .

    أقول : الحبتر الثعلب و المراد به.. .

    لأنه يشبه بالمكر و الخديعة و التعبير عنه بزريق لكونه أزرق و قيل أنه يشبه بطائر اسمه زريق في سوء أخلاقه أو لكون الزرقة مما تبغضه العرب و تتشأم منه .

    كما قيل في قوله تعالى وَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً .

    و عن أبي بصير قال : سأل طاوس اليماني الباقر (عليه السلام) عن طير طار مرة لم يطر قبلها و لا بعدها ذكره الله في القرآن ما هو فقال طور سيناء أطاره الله عز و جل على بني إسرائيل حين أظلهم فيه أنواع العذاب حتى قبلوا التوراة و ذلك قوله عز و جل وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ .

    و روي : أنه لما أنزل الله سبحانه التوراة قال رب أرني أنظر إليك فأوحى الله إليه لا تقدر على ذلك و لكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فرفع الله الحجاب و نظر إلى الجبل فساخ الجبل في البحر فهو يهوي حتى الساعة و نزلت الملائكة و فتحت أبواب السماء فأوحى الله إلى الملائكة أدركوا موسى لا يهرب فنزلت الملائكة و أحاطت بموسى و قالوا اثبت يا ابن عمران فقد سألت الله عظيما فلما نظر موسى إلى الجبل قد ساخ و الملائكة قد نزلت وقع على وجهه فمات من خشية الله و هول ما رأى فرد الله عليه روحه فرفع رأسه و أفاق و قال سبحانك تبت إليك و أنا أول من صدق إنك لا ترى فقال الله يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي و كلامي الحديث .


    [271]
    و عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : من الجبال التي تطايرت يوم موسى (عليه السلام) سبعة أجبل فلحقت بالحجاز و اليمن منها بالمدينة أحد و ورقان و بمكة ثور و ثبير و حي باليمن سبر و حضور .

    عيون الأخبار في خبر ابن الجهم أنه : سأل المأمون الرضا (عليه السلام) عن معنى قوله عز و جل وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا و كلمه ربه قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ... الآية كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال .

    فقال الرضا (عليه السلام) إن كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) علم أن الله تعالى عز أن يرى بالأبصار لكنه لما كلمه الله عز و جل و قربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عز و جل كلمه و قربه و ناجاه فقالوا لن نؤمن لك حتى نسمع كلامهم كما سمعت و كان القوم سبعمائة ألف رجل فاختار منهم سبعين ألفا ثم اختار منهم سبعة آلاف ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل و صعد موسى إلى الطور و سأل الله أن يكلمهم و يسمعهم كلامه فكلمه الله و سمعوا كلامه من فوق و أسفل و يمين و شمال و وراء و أمام لأن الله عز و جل أحدثه في الشجرة و جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ بأن الذي سمعناه كلام الله حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فلما قالوا هذا القول العظيم بعث الله عز و جل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا فقال موسى يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم و قالوا إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله عز و جل إياك فأحياهم الله و بعثهم معه فقالوا إنك لو سألت الله أن يراك تنظر إليه لأجابك و كنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته فقال موسى (عليه السلام) يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار و إنما يعرف بآياته فقالوا لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل و أنت أعلم بصلاحهم فأوحى الله إليه يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ و هو يهوي فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ بآية من آياته جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ

    [272]
    إِلَيْكَ يقول رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ منهم بأنك لا ترى .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : قال كان في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) أن أخرجوني إلى الظهر فإذا تصوبت أقدامكم و استقبلتكم ريح فادفنوني و هو أول طور سيناء.

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : الغري قطعة من الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما .

    و قال المرتضى نور الله ضريحه : إن قيل ما الوجه في قوله تعالى وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ... الآية .

    و ليس ظاهر الآية يدل على أن هارون أحدث ما أوجب إيقاع ذلك الفعل به و بعد فما الاعتذار لموسى (عليه السلام) من ذلك الفعل و هو فعل السخفاء و المتسرعين و ليس من عادة الحكماء المتماسكين .

    قلنا :ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى بأخيه ما يقتضي صدور معصية و لا قبيح من واحد منهما و ذلك أن موسى (عليه السلام) أقبل و هو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما لفعلهم مفكرا فيما كان منهم فأخذ برأس أخيه و جره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب و شدة الفكر .

    أ ما ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفتيه و يقبض على لحيته فأجرى موسى (عليه السلام) أخاه هارون مجرى نفسه لأنه كان أخاه و شريكه و من يمسه من الخير و الشر ما يمسه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في أحوال الفكر و الغضب و بهذه الأمور تختلف أحكامها بالعادات فيكون ما هو إكرام في بعضها استخفافا في غيرها و بالعكس .

    و أما قوله لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي فلا يمنع أن يكون هارون خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل بسوء ظنهم أنه منكر عليهم معاتب ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في موضع إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ .... الآية و في موضع آخر ابْنَ أُمَّ إِنَّ

    [273]
    الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي و يمكن أن يكون قوله لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ليس على سبيل الأنفة بل معنى كلامه لا تغضب و لا يشتد جزعك و أسفك انتهى .

    و ذكر الصدوق أن ذلك كان بينهما على جهة المصلحة لتخويف الأمة و ليعلموا شدة إنكار موسى عليهم على أنه لو كان ذلك مما لا ينبغي من واحد منهما فهو من باب ترك الأولى كما قيل لما ورد من الأدلة القاطعة على عصمتهم .

    و روي أن موسى (عليه السلام) لما رجع إلى قومه و قد عبدوا العجل قال لهم موسى يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى الله بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فقالوا كيف نقتل أنفسنا فقال لهم موسى اغدوا كل واحد منكم إلى بيت المقدس و معه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا أنتم متلثمين لا يعرف أحد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممن كانوا عبدوا العجل إلى بيت المقدس فلما صلى بهم موسى (عليه السلام) و صعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرئيل فقال لهم يا موسى ارفعوا القتل فقد تاب عليكم فقتل عشرة آلاف فأنزل الله ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .

    بصائر الدرجات بإسناده إلى سدير قال : كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فمر بنا رجل من أهل اليمن فسأله أبو جعفر (عليه السلام) عن اليمن فأقبل يحدث فقال له أبو جعفر (عليه السلام) هل تعرف دار كذا و كذا قال نعم و رأيتها فقال له أبو جعفر (عليه السلام) هل تعرف صخرة عندها في موضع كذا و كذا قال نعم و رأيتها فقال الرجل ما رأيت رجلا أعرف بالبلاد منك فلما قام الرجل قال لي أبو جعفر (عليه السلام) يا أبا الفضل تلك الصخرة التي غضب موسى فألقى الألواح عندها فما ذهب من التوراة التقمته الصخرة فلما بعث الله رسولا أدته إليه و هي عندنا .

    و عنه (عليه السلام) : إن الله لم يعط الأنبياء شيئا إلا و قد أعطاه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) و عندنا الصحف التي قال الله عز و جل صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى و هي الألواح .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إن في الجفر إن الله تبارك و تعالى لما أنزل

    [274]
    الله الألواح على موسى (عليه السلام) أنزلها عليه و فيها تبيان كل شي‏ء إلى أن تقوم الساعة فلما انقضت أيام موسى (عليه السلام) أوحى الله إليه أن استودع الألواح و هي زبرجدة من الجنة فأتى موسى الجبل فانشق الجبل فجعل فيه الألواح ملفوفة فانطبق الجبل عليها فلم تزل حتى بعث الله نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل ركب من اليمن يريدون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما انتهوا إلى الجبل انفرج الجبل و خرجت الألواح ملفوفه كما وضعها موسى (عليه السلام) فأخذها القوم و دفعوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

    و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : أن يوشع بن نون كان وصي موسى (عليه السلام) و كانت ألواح موسى من زمرد أخضر فلما غضب موسى ألقى الألواح من يده فمنها ما تكسر و منها ما بقي و منها ما ارتفع فلما ذهب عن موسى الغضب قال يوشع أ عندك تبيان ما في الألواح قال نعم فلم يزل يتوارثها رهط بعد رهط حتى وصلت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و دفعها إلى .

    العياشي عن الباقر (عليه السلام) في قوله وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً قال : كان في العلم و التقدير ثلاثين ليلة ثم بدا لله فزاد عشرا فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ الأول و الآخر أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول الله عز و جل وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قال لما ناجى موسى (عليه السلام) ربه أوحى إليه أن يا موسى قد فتنت قومك فقال بما ذا يا رب قال بالسامري صاغ لهم من حليهم عجلا فخار قال يا رب و من أخاره قال أنا فقال عندها موسى إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ فلما انتهى موسى إلى قومه و رآهم يعبدون العجل ألقى الألواح من يده فتكسرت فقال أبو جعفر (عليه السلام) كان ينبغي أن يكون هذا عند إخبار الله إياه قال فعمد موسى فبرد العجل بالمبرد من أنفه إلى طرف ذنبه ثم أحرقه بالنار فذره في اليم يعني الماء قال فكان أحدهم ليقع في الماء و ما به إليه من حاجة فيعرض لذلك الرماد فيشربه و هو قول الله عز و جل وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ .


    [275]
    و عنه (عليه السلام) : قال لما سأل موسى ربه تبارك و تعالى و قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي قال فلما صعد موسى (عليه السلام) على الجبل فتحت أبواب السماء و أقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد في رأسها النور يمرون به فوجا بعد فوج يقولون يا ابن عمران فقد سألت عظيما فلم يزل موسى واقفا حتى تجلى ربنا جل جلاله فجعل الجبل دكا و خر موسى صعقا فلما أن رد الله عليه روحه قال سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ .

    قال ابن أبي عمير و حدثني عدة من أصحابنا : أن النار أحاطت به حتى لا يهرب لهول ما رأى .

    و عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إن موسى بن عمران لما سأل ربه النظر إليه وعده أن يقعد في موضع ثم أمر الملائكة أن تمر عليه موكبا موكبا بالبرق و الرعد و الريح و الصواعق فكلما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيقولون قد سألت عظيما.

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : إن ما ناجى موسى أن قال يا رب هذا السامري صنع العجل فالخوار من صنعه قال فأوحى الله إليه يا موسى إن تلك فتنتي فلا تفضحني عنها .

    أقول : الفتنة ورد لها في القرآن الكريم و الأخبار عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام معان كثيرة و من أشهرها الابتلاء و الاختبار و ليس هنا بمعنى الضلال لقوله تعالى وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ .

    و أما قوله تعالى فلا تفضحني فذلك أن بني إسرائيل من فرط الجهل على قلوبهم لم يتعرفوا معاني الألفاظ و لا مواقع مواردها و إيصال ذلك إلى أفهامهم مما يتعذر على موسى (عليه السلام) فإنه لم يقدر على إيصال الواضحات إلى أفهامهم فكيف هذا و أمثاله .

    مهج الدعوات من كتاب عبد الله بن عباس بن حماد الأنصاري عن أبي عبد الله (عليه السلام) و ذكر عنده حزيران فقال : هو الشهر الذي دعا فيه موسى على بني إسرائيل فمات في يوم و ليلة من بني إسرائيل ثلاثمائة ألف من الناس.

    تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قال الله عز و جل وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى

    [276]
    أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ قال : كان موسى (عليه السلام) يقول لبني إسرائيل إذا فرج الله عنكم و أهلك أعداءكم أتاكم بكتاب من عند ربكم يشتمل على أوامره و نواهيه و مواعظه و أمثاله فلما فرج الله عنهم أمره الله عز و جل أن يأتي للميعاد و يصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل فظن موسى (عليه السلام) أنه بعد ذلك يعطيه الكتاب فصام ثلاثين يوما فلما كان في آخر اليوم استاك قبل الفطر فأوحى الله إليه يا موسى أ ما علمت أن خلوق فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك صم عشرا أخر و لا تستك عند الإفطار ففعل ذلك موسى (عليه السلام) و كان وعده الله أن يأتيه الكتاب بعد أربعين ليلة فأعطاه الله إياه فجاء السامري فشبه على مستضعفي بني إسرائيل فقال وعدكم موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة و هذه عشرون يوما و عشرون ليلة تمت أربعون أخطأ موسى ربه و قد أتاكم ربكم أراد أن يريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه و إن لم يبعث موسى لحاجة منه إليه فأظهر لهم العجل الذي كان عمله فقالوا كيف يكون العجل إلهنا قال إنما هذا العجل يكلمكم منه ربكم كما كلم موسى من الشجرة فلما سمعوا منه كلاما قالوا له إنه في العجل كما في الشجرة فضلوا بذلك و أضلوا فلما رجع موسى إلى قومه قال يا أيها العجل أ كان فيك ربك كما يزعم هؤلاء فنطق العجل و قال عز ربنا أن يكون العجل حاويا له أو شي‏ء من الشجرة و الأمكنة عليه مشتملا لا و الله يا موسى و لكن السامري نصب عجلا مؤخره إلى الحائط و حفر في الجانب الآخر في الأرض و أجلس فيه بعض مردته فهو الذي وضع فاه على دبره و تكلم بما تكلم لما قال هذا إلهكم و إله موسى يا موسى بن عمران ما خذل هؤلاء لعبادي و اتخاذي إلها إلا لتهاونهم بالصلاة على محمد و آله الطيبين و جحودهم بموالاتهم و نبوة النبي و وصية الوصي حتى إذا هم يتخذوني إلها قال الله عز و جل فإذا كان الله تعالى إنما خذل عبادة العجل لتهاونهم بالصلاة على محمد و وصيه علي فما تخافون من الخذلان الأكبر و معاندتكم لمحمد و علي و قد شاهدتموهما و تبينتم آياتهما و دلائلهما .

    و فيه أيضا قال الله عز و جل ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي : عفونا عن أوائلكم عبادة العجل لعلكم أيها الكائنون في عصر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من بني إسرائيل تشكرون تلك النعمة على أسلافكم و عليكم بعدهم

    [277]
    قال (عليه السلام) و إنما عفا الله عز و جل عنهم لأنهم دعوا الله بمحمد و آله الطيبين و جددوا على أنفسهم الولاية لمحمد و علي و آلهما الطاهرين فعند ذلك رحمهم الله و عفا عنهم ثم ساق الحديث إلى قوله و أمر الله موسى (عليه السلام) أن يقتل من لم يعبده من عبده فتبرأ أكثرهم و قالوا لم نعبد فقال الله عز و جل لموسى أبرد هذا العجل بالحديد بردا ثم ذره في البحر فمن شرب منه ماء اسودت شفتاه و أنفه و بان ذنبه ففعل و بان العابدون فأمر الله الاثني عشر ألفا أن يخرجوا على الباقين شاهري السيوف يقتلونهم و نادى مناد ألا لعن الله أحدا اتقاهم بيد أو رجل و لعن الله من تأمل المقتول لعله ينسبه حميما قريبا فيتعداه إلى الأجنبي فاستسلم المقتولون فقال القاتلون نحن أعظم مصيبة منهم نقتل بأيدينا آباءنا و أمهاتنا و إخواننا و أقرباءنا و نحن لم نعبد فقد ساوى بيننا و بينهم في المصيبة فأوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أني إنما امتحنتهم كذلك لأنهم ما اعتزلوهم لما عبدوا العجل و لم يهجروهم و لم يعادوهم على ذلك قل لهم من دعا الله بمحمد و آله الطيبين أن يسهل عليهم قتل المستحقين للقتل بذنوبهم ففعل فقالوها فسهل عليهم و لم يجدوا لقتلهم لهم ألما فلما استمر القتل فيهم ستمائة ألف إلا اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل وفق الله بعضهم فقال لبعض و القتل لم يفض بعد إليهم فقال أ و ليس الله قد جعل التوسل بمحمد و آله الطيبين أمرا لا يخيب معه طلبه و لا يرد به مسألة و هكذا توسلت به الأنبياء و الرسل فما لنا لا نتوسل قال فاجتمعوا و ضجوا قالوا يا ربنا نجنا بجاه محمد الأكرم و بجاه علي الأفضل الأعظم و بجاه فاطمة ذات الفضل و العصمة و بجاه الحسن و الحسين سبطي سيد المرسلين و سيدي شباب أهل الجنة أجمعين و بجاه الذرية الطيبة الطاهرة من آل طه و يس لما غفرت لنا ذنوبنا و غفرت لنا هفوتنا و أزلت هذا القتل عنا فذلك حين نودي موسى (عليه السلام) من السماء أن كف القتل فقد سألني بعضهم مسألة و أقسم علي قسما لو أقسم به هؤلاء العابدون العجل و سألني بعضهم العصمة حتى لا يعبدوه لوفقتهم و عصمتهم و لو أقسم علي بها إبليس لهديته و لو أقسم بها نمرود أو فرعون لنجيتهم فرفع الله عنهم القتل فجعلوا يقولون يا حسرتنا أين كنا عن هذا الدعاء بمحمد و آله الطيبين حتى يقينا الله شر الفتنة .

    و عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم سمي الفرقان فرقانا قال : لأنه متفرق الآيات و السور أنزل

    [278]
    في غير الألواح و غير الصحف و التوراة و الإنجيل و الزبور نزلت كلها جملة في الألواح و الورق .

    البصائر عن السمان قال : قال لي أبو جعفر (عليه السلام) ما تقول الشيعة في علي و موسى و عيسى (عليه السلام) قال قلت جعلت فداك و من أي الحالات تسألني قال أسألك عن العلم فأما الفضل فهم سواء قلت جعلت فداك فما عسى أقول فيهم قال هو و الله أعلم منهما ثم قال يا عبد الله أ ليس تقولون لعلي ما للرسول من العلم قال قلت بلى قال فخاصمهم فيه إن الله تبارك و تعالى قال لموسى وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فأعلمناه أنه لم يبين له الأمر كله و قال تبارك و تعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ .

    و روي أنه لما أتاهم موسى و قد عبدوا العجل و أرادوا التوبة فقيل لهم فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فجلسوا في الأقنية مختبئين و أصلت القوم عليهم خناجرهم فكان الرجل يقتل ابنه و أباه و أخاه و قريبه و صديقه و جاره فلم يمكنه المضي لأمر الله سبحانه فأرسل الله عليهم ضبابة و سحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا .

    و قيل : لهم من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردود توبته فكانوا يقتلونهم إلى المساء فلما كثر فيهم القتل و بلغ عدة القتلى سبعين ألفا دعا موسى و هارون و بكيا و جزعا و تضرعا و قالا يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية فكشف الله السحابة و أمرهم أن يرفعوا السلاح و يكفوا عن القتل فلما انكشفت السحابة عن القتلى اشتد ذلك على موسى (عليه السلام) فأوحى الله ما يرضيك أن أدخل القاتل و المقتول الجنة فكان من قتل منهم شهيدا و من بقي مكفرا عنه ذنبه .

    ثم إن موسى (عليه السلام) هم بقتل السامري فأوحى الله تعالى إليه لا تقتله فإنه سخي فلعنه موسى (عليه السلام) و قال فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً لعذابك في القيامة لَنْ تُخْلَفَهُ .

    و أمر موسى (عليه السلام) بني إسرائيل أن لا تخالطوه و لا تقربوه فصار السامري وحشيا لا يألف و لا يؤلف و لا يدنو من الناس و لا يمس أحدا منهم فمن مسه قرض ذلك الموضع بالمقراض فكان كذلك حتى هلك .


    [279]


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:54 am



    الفصل السابع
    في قصة قارون و ذبح البقرة و ما يتعلق بها




    تفسير علي بن إبراهيم كان سبب هلاك قارون أنه لما أخرج موسى بني إسرائيل من مصر و أنزلهم البادية و ذلك بعد غرق فرعون و قومه أمرهم بقتال الجبابرة في أريحا أرض الشام فلم يطيعوه و قالوا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ففرض الله عليهم دخولها و حرمها عليهم أربعين سنة و كانوا في التيه و كان قارون منهم و كان يقرأ القرآن و لم يكن فيهم أحسن صوتا منه و كان يسمى المنون لحسن قراءته و قد كان يعمل الكيمياء فلما طال الأمر على بني إسرائيل في التيه أخذوا في التوبة و كان قارون امتنع أن يدخل معهم في التوبة و كان موسى يحبه .

    فدخل عليه موسى فقال يا قارون قومك في التوبة و أنت قاعد هاهنا ادخل معهم و إلا نزل بك العذاب فاستهان به و بقوله فخرج من عنده مغتما فجلس في فناء قصره عليه جبة شعر و نعلان من جلد حمار فأمر قارون أن يصب عليه رماد قد خلط بالماء فصب عليه فغضب موسى غضبا شديدا و كان في كتفه شعرات كان إذا غضب خرجت من ثيابه و قطر منها الدم .

    فقال موسى يا رب إن لم تغضب لي فلست لك بنبي فأوحى الله إليه قد أمرت السماوات و الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت و قد كان قارون أمر أن يغلق باب القصر فأقبل موسى فأومى إلى الأبواب فانفرجت و دخل عليه فلما نظر إليه قارون علم أنه قد أوتي بالعذاب فقال يا موسى أسألك بالرحم بيني و بينك فقال له موسى يا ابن لاوي لا يردني كلامك يا أرض خذيه فدخل القصر بما فيه في الأرض و دخل قارون في الأرض إلى الركبة فبكى و حلفه بالرحم فقال له موسى يا ابن لاوي لا يردني من كلامك.

    [280]
    و هذا ما قال موسى لقارون يوم أهلكه الله فعيره بما قاله لقارون فعلم موسى أن الله قد عيره بذلك فقال يا رب إن قارون دعاني بغيرك و لو دعاني بك لأجبته فقال الله يا ابن لاوي لا تردني من كلامك فقال موسى يا رب لو علمت أن ذلك لك رضا لأجبته فقال الله تعالى و عزتي و جلالي لو أن قارون كما دعاك دعاني لأجبته و لكنه لما دعاك وكلته إليك يا ابن عمران لا تجزع من الموت فإني كتبت الموت على كل نفس و قد مهدت لك مهادا لو قد وردت عليه لقرت عينك .

    فخرج موسى إلى جبل طور سيناء مع وصيه فصعد موسى الجبل فنظر إلى رجل قد أقبل و معه مكتل و مسحاة فقال له موسى ما تريد قال إن رجلا من أولياء الله توفي فأنا أحفر قبره فقال له موسى أ فلا أعينك عليه قال بلى فحفر القبر فلما فرغا أراد الرجل أن ينزل إلى القبر فقال له موسى ما تريد قال أدخل القبر فأنظر كيف مضجعه فقال موسى أنا أكفيك فدخل موسى فاضطجع فيه فقبض فيه ملك الموت روحه و انضم عليه الجبل .

    أقول : قوله تعالى كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى .

    قيل كان ابن عمه يصهر بن فاهث و موسى بن عمران بن فاهث و قيل كان ابن خالته .

    و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل كان عم موسى (عليه السلام) .

    و قول قارون إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ أي فضت على الناس بالجاه و المال عَلى عِلْمٍ و هو علم التوراة و كان أعلمهم و قيل هو علم التجارة و الدهقنة و سائر المكاسب و قيل علم بكنوز يوسف .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في خبر يونس قال فدخل الحوت في بحر القلزم ثم خرج إلى بحر مصر ثم دخل إلى بحر طبرستان ثم دخل إلى دجلة العوراء ثم مرت به تحت الأرض حتى لحقت بقارون و كان قارون هلك في أيام موسى و وكل الله به ملكا يدخله في كل يوم قامة رجل و كان يونس في بطن الحوت يسبح الله و يستغفره فسمع قارون صوته فقال للملك الموكل به أنظرني فإني أسمع كلام آدمي فأوحى الله إلى الملك أنظره ثم قال قارون من أنت قال قال أنا المذنب الخاطئ يونس بن متى قال فما فعل شديد الغضب لله موسى بن عمران أخو كلثم التي كانت سميت لي

    [281]
    قال هيهات هلك قال فما فعل الغفور الرحيم على قوم هارون بن عمران قال هلك قال فما فعلت كلثم بنت عمران التي كانت سميت لي قال هيهات ما بقي من آل عمران أحد فقال قارون وا أسفاه على آل عمران فشكر الله له ذلك فأمر الملك الموكل به أن يرفع عنه العذاب أيام الدنيا فرفعه عنه .

    و روي في قوله تعالى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني على بني إسرائيل .

    فقال ابن عباس كان فرعون قد ملك قارون على بني إسرائيل حين كان بمصر و كان يظلمهم .

    و قيل زاد عليهم في الثياب شبرا و قيل بكثرة ماله .

    و روي عن حنتمة قال وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا غراء محجلة ما يزيد منها مفتاح على إصبع لكل مفتاح منها كنز و كانت من حديد فلما ثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت عليه فجعلت من جلود البقر على طول الأصابع فكانت تحمل معه و يقال أينما يذهب تحمل معه على أربعين بغلا .

    و كان أول طغيانه أنه تكبر و استطال على الناس بكثرة الأموال فكان يخرج في زينته و يختال .

    قال مجاهد خرج على براذين بيض عليها سروج الأرجوان في سبعين ألفا عليهم المعصفرات .

    و قيل : في أربعة آلاف فارس و معهم ثلاثة آلاف جارية بيض عليهم الحلي و الثياب الحمر فتمنى أهل الجهالة مثل الذي أوتيه .

    ثم إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطا أخضر لونه لون السماء فأمرهم به موسى و قال لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها فإنه تعالى ينزل من السماء عليكم كلاما فاستكبر قارون و قال إنما تفعل هذه الأرباب بعبيدهم لكي يميزوا من غيرهم .

    و لما قطع موسى (عليه السلام) ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة و هي رئاسة المذبح و بيت القربان لهارون فكان بنو إسرائيل يأتون بهديتهم و يدفعونها إلى هارون فيضعها على المذبح فتنزل النار من السماء فتأكلها فوجد قارون في نفسه من

    [282]
    ذلك و أتى موسى و قال يا موسى لك الرسالة و لهارون الحبورة و لست في شي‏ء من ذلك و أنا أقرأ للتوراة منكما لا صبر لي على هذا فقال موسى و الله ما أنا جعلتها لهارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون و الله لا أصدقك في ذلك حتى تريني بيانه فجمع موسى (عليه السلام) رؤساء بني إسرائيل و قال هاتوا عصيكم فجاءوا بها فخرمها و ألقاها في القبة التي كانت يعبد الله تعالى فيها و جعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا فأصبحت عصا هارون (عليه السلام) قد اهتز لها ورق أخضر و كانت من شجرة اللوز فقال موسى يا قارون أ ترى هذا فقال قارون و الله و الله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر فذهب قارون مغاضبا و اعتزل موسى بأتباعه و جعل موسى يداريه للقرابة بينهما و هو يؤذيه في كل وقت و لا يزيد كل يوم إلا كبرا و معاداة لموسى (عليه السلام) حتى بنى دارا و جعل بابها من الذهب و ضرب على جدرانها صفائح الذهب و كان الملأ من بني إسرائيل يميلون إلى مجالسته و مضاحكته .

    ثم إن الله سبحانه أنزل الزكاة علىموسى (عليه السلام) فصالح قارون على أن يعطي عن كل ألف دينار دينارا و عن كل ألف شاة شاة و عن كل ألف شي‏ء شيئا فرجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا فلم تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل و قال لهم إن موسى قد أمركم بكل شي‏ء فأطعتموه و هو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا له أنت كبيرنا و سيدنا فمرنا بما شئت فقال آمركم أن تجيئوا بفلانة البغية فنجعل لها جعلا على أن تقذفه بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل و رفضوه فاسترحنا منه فأتوا بها فجعل لها قارون ألف درهم .

    و قيل : طشتا من الذهب و قال لها إني أمولك و أخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان الغد جمع قارون بني إسرائيل فخرج إليهم موسى فقام فيه خطيبا فوعظهم و قال من سرق قطعنا يده و من افترى جلدناه ثمانين جلدة و من زنى و ليست له امرأة جلدناه مائة و من زنى و له امرأة رجمناه حتى يموت فقال له قارون و إن كنت أنت قال و إن كنت أنا قال قارون فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال دعوها فإن قالت فهو ما قالت فلما أن جاءت قال لها موسى يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء و عظم عليها و سألها بالذي فلق البحر و أنزل التوراة فلما ناشدها تداركها الله بالتوفيق و قالت في نفسها لئن أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله فقالت لا و لكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي .


    [283]
    فلما تكلمت بهذا الكلام نكس قارون رأسه و عرف أنه وقع في مهلكة و خر موسى ساجدا يبكي و يقول يا رب إن عدوك قد آذاني و أراد فضيحتي اللهم فإن كنت رسولك فاغضب لي و سلطني عليه فأوحى الله سبحانه إليه ارفع رأسك و مر الأرض بما شئت تطعك فقال موسى يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون و من كان معه فليثبت معه و من كان معي فليعتزل فاعتزلوا قارون و لم يبق معه إلا رجلان ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى كعابهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى حقوتهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم و قارون و أصحابه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى (عليه السلام) و يناشد قارون الله و الرحم حتى ناشده سبعين مرة و موسى في جميع ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه ثم قال يا أرض خذيهم فأطبقت عليهم الأرض .

    فأوحى الله إلى موسى ما أظنك استغاثوا بك سبعين مرة فلم ترحمهم و لم تغثهم أما و عزتي و جلالي لو إياي دعوني مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا .

    قال قتادة ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة و أنه يتجلجل فيها و لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة .

    فلما خسف الله تعالى بقارون و صاحبيه أصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم أن موسى إنما دعا على قارون ليأخذ داره و أمواله و كنوزه فدعا الله تعالى موسى حتى خسف بداره و أمواله الأرض الحديث .

    تفسير علي بن إبراهيم بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إن رجلا من خيار بني إسرائيل و علمائهم خطب امرأة منهم فأجابت و خطبها ابن عم لذلك الرجل و كان فاسقا رديئا فلم تقبل فحسد ابن عمه الذي أجابوه فقعد له فقتله غيلة ثم حمله إلىموسى (عليه السلام) فقال يا نبي الله هذا ابن عمي قد قتل و لا أدري من قتله و كان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا فعظم ذلك على موسى (عليه السلام) فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا ما ترى يا نبي الله و كان رجل في بني إسرائيل له بقرة و كان له ابن بار و كان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته و كان مفتاح بيته تحت رأس أبيه و كان نائما و كره ابنه أن ينبهه و ينغص عليه نومه فانصرف القوم و لم يشتروا سلعته و لما انتبه أبوه قال له يا بني

    [284]
    ما ذا صنعت في سلعتك قال هي قائمة لم أبعها لأن المفتاح كان تحت رأسك و كرهت أن أنبهك و أنغص عليك نومك قال أبوه قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك و شكر الله لابنه ما فعل بأبيه و أمر بنو إسرائيل أن يذبحوا البقرة بعينها فلما اجتمعوا إلى موسى و بكوا و ضجوا قال لهم موسى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فتعجبوا و قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً نأتيك بقتيل فتقول اذبحوا بقرة فقال لهم موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فعلموا أنهم قد أخطئوا ف قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ أي لا مسنة و لا فتية ف قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها أي شديدة الصفرة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ أي لم تذلل وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ أي لا تسقي الزرع مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها أي لا نقطة فيها إلا الصفرة قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال لا أبيعها إلا بمل‏ء جوفها ذهبا فرجعوا إلى موسى فأخبروه فقال لهم لا بد لكم من ذبحها بعينها فاشتروها بمل‏ء جلدها ذهبا ثم قالوا ما تأمرنا يا نبي الله فأوحى الله تعالى إليه قل لهم اضربوه ببعضها و قولوا من قتلك فأخذوا الذنب فضربوه به و قالوا من قتلك يا فلان فقال ابن عمي الذي جاء بي و هو قوله فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .

    و روي في حديث آخر أنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه و طرحوه على باب المدينة ثم جاءوا يطالبون بدمه فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة و يضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله الحديث .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : من لبس نعلا أصفر لم يزل ينظر في سرور ما دامت عليه لأن الله عز و جل يقول صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.

    و عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : لو أنهم عمدوا إلى أي بقرة أجزأتهم و لكن شددوا فشدد الله عليهم .

    و قال الطبرسي اختلف العلماء في هذه الآيات فمنهم من ذهب إلى أن

    [285]
    التكليف فيها متغاير و لو أنهم ذبحوا أولا أي بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الأمر فلما لم يفعلوا كانت المصلحة أن يشدد عليهم التكليف و لما رجعوا المرة الثانية فغيرت مصلحتهم إلى تكليف ثالث .

    ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر فمنهم من قال في التكليف الأخير إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت فعلى هذا القول يكون التكليف الثاني و الثالث ضم تكليف إلى تكليف زيادة في التشديد عليهم لما فيه من المصلحة و منهم من قال يجب أن تكون الصفة الأخيرة فقط دون ما تقدم و على هذا القول يكون التكليف الثاني نسخا للأول و الثالث للثاني .

    و قد يجوز نسخ الشي‏ء قبل الفعل لأن المصلحة يجوز أن تتغير بعدم فوات وقتها و إنما لا يجوز نسخ الشي‏ء قبل وقت الفعل لأن ذلك يؤدي إلى البداء و ذهب آخرون إلى أن التكليف واحد و أن الأوصاف المتأخرة إنما هي للبقرة المتقدمة و إنما تأخر البيان و هو مذهب المرتضى قدس الله روحه و استدل بهذه الآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة قال إنه تعالى لما كلفهم ذبح بقرة قالوا لموسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ فلا يخلو قولهم ما هِيَ من أن تكون كناية عن البقرة المتقدم ذكرها أي عن التي أمروا بها ثانيا .

    و الظاهر من قولهم ما هِيَ يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها لأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى ليستفهموا عنها .

    و إذا صح ذلك فليس يخلو قوله إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ من أن يكون الهاء فيه كناية عن البقرة الأولى أو غيرها و ليس يجوز أن يكون كناية عن بقرة ثانية إذ الظاهر تعلقها بما تضمنه سؤالهم و لأنه لم يكن الأمر جوابا لهم و قول القائل في جواب من سأله كذا و كذا إنه بالصفة الفلانية صريح في أن الهاء كناية عما وقع السؤال عنه هذا مع قولهم إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا فإنهم لم يقولوا ذلك إلا و قد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين و لو كان على ما ذهب إليه القوم فلم لم يقل و أي تشابه عليكم و إنما أمرتم بذبح أي بقرة كانت .

    و أما قوله وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ فالظاهر أن ذمهم مصروف على تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الأمر بعد البيان التام لا على ترك المبادرة في الأول إلى ذبح البقرة.


    [286]
    انتهى غاية ما أفاد رحمه الله هو أن الظاهر من الآيات هو ذلك و بعد تسليمه فقد يعدل عن الظاهر لورود النصوص المعتبرة .

    و في تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) : أن بني إسرائيل جمعوا أموالهم لشراء البقرة فوسع الله جلد الثور حتى وزن ما ملئ به جلده فبلغ خمسة آلاف ألف دينار فقال بعض بني إسرائيل لموسى (عليه السلام) و ذلك بحضرة المقتول المنشور المضروب ببعض البقرة لا ندري أيهما أعجب إحياء الله هذا و إنطاقه بما نطق به أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم فأوحى الله إليه يا موسى قل لبني إسرائيل من أحب منكم أن أطيب في دنياه عيشه و أعظم في جناني محله و أجعل بمحمد و آله الطيبين فيها منادمته ليفعل كما فعل هذا الفتى إنه كان قد سمع موسى بن عمران ذكر محمدا و عليا و آلهما الطيبين و كان عليهم مصليا و لهم على جميع الخلائق من الجن و الإنس و الملائكة مفضلا فلذلك صرفت له المال العظيم قال الفتى يا نبي الله كيف أحفظ هذه الأموال أم كيف أحذر من عداوة من عاداني فيها و حسد من يحسدني لأجلها قال قل عليها من الصلاة على محمد و آله الطيبين ما كنت تقول قبل أن تنالها فإن الذي رزقكها بذلك القول مع صحة الاعتقاد يحفظها عليك أيضا بهذا القول مع صحة الاعتقاد فقالها الفتى فما رامها حاسد له إلا رفعه الله عنها فلما قال موسى (عليه السلام) للفتى ذلك و صار الله له بمقالته حافظا قال هذا المنشور اللهم إني أسألك بما سألك به هذا الفتى من الصلاة على محمد و آله الطيبين أن تبقيني في الدنيا ممتعا بابنة عمي و تخزي عني أعدائي و حسادي و ترزقني فيها خيرا كثيرا طيبا فأوحى الله إليه يا موسى إن لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستين سنة و قد و هبت له لمسألته و توسله بمحمد و آله الطيبين سبعين سنة تمام مائة و ثلاثين سنة صحيحة حواسه ثابت فيها جنانه قوية فيها شهواته يتمتع بحلال الدنيا و يعيش و لا تفارقه فإذا حان حينهما و ماتا جميعا معا فصارا إلى جناني فكانا زوجين فيها ناعمين و لو سألني هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة اعتقاده أن أعصمه من الحسد و أقنعته بما رزقته و ذلك هو الملك العظيم لفعلت و لو سألني بذلك مع التوبة أن لا أفضحه لما فضحته و لصرفت هؤلاء عن اقتراح إبانة القاتل لأغنيت هذا الفتى من غير هذا الوجه بقدر هذا المال و لو سألني بعد ما افتضح و تاب إلي و توسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن أنسي الناس فعله بعد ما ألطف لأوليائه فيعفون

    [287]
    عن القصاص لفعلت و كان لا يعيره بفعله أحد فلما ذبحوها قال الله تعالى فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ و أرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة و لكن اللجاج حملهم على ذلك و اتهامهم لموسى حداهم قال فضجوا إلى موسى (عليه السلام) و قالوا افتقرت القبيلة و وقف إلى التكفف و انسلخا بلجاجنا عن قليلنا و كثيرنا فادع الله لنا بسعة الرزق فقال لهم موسى ويحكم ما أعمى قلوبكم أ ما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة و ما أورثه الله تعالى من الغنى أ و ما سمعتم دعاء المقتول المنشور و ما أتم له من العمر الطويل و السعادة و التنعم بحواسه لم لا تدعون الله بمثل وسيلتهما ليسد فاقتكم فقالوا اللهم إليك التجأنا و على فضلك اعتمدنا فأزل فقرنا و سد خلتنا بجاه محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيبين من آلهم فأوحى الله تعالى إليه يا موسى ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان و يكشفوا في موضع كذا وجه أرضها قليلا و يستخرجوا ما هناك فإنه عشرة آلاف دينار ليردوا على كل من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع لتعود أحوالهم ثم ليقاسموا بعد ذلك ما يفضل و هي خمسة آلاف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة لتضاعف أحوالهم جزاء على توسلهم بمحمد و آله الطيبين و اعتقادهم لتفضيلهم .

    و روي عن السدي و غيره أن رجلا من بني إسرائيل كان بارا بأبيه و بلغ بره أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا و كان فيها فضل و ربح فقال للبائع إن أبي نائم و مفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلني حتى يستيقظ فأعطيك الثمن قال فأيقظ أباك و أعطني المال قال ما كنت أفعل و لكن أزيدك عشرة آلاف فأنظرني حتى ينتبه أبي قال الرجل فأنا أحط عنك عشرة آلاف إن أيقظت أباك و عجلت النقد فقال و أنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباهة أبي ففعل و لم يوقظ أباه فلما استيقظ أبوه أخبره بذلك فدعا له و جزاه خيرا و قال هذه البقرة لك بما صنعت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انظر ما ذا صنع البر .

    و عن ابن عباس كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل و كان له عجل فأتى بالعجل إلى غيضة و قال اللهم إني أستودعك هذه العجلة لابني حتى يكبر و مات الرجل فشبت العجلة في الغيضة و صارت عوانا و كانت تهرب من كل من رامها فلما كبر الصبي كان بارا بوالدته و كان يقسم الليلة ثلاثة أثلاث يصلي ثلثا و ينام

    [288]
    ثلثا و يجلس عند رأس أمه ثلثا فإذا أصبح انطلق و احتطب على ظهره و يأتي السوق فيبيعه بما شاء ثم يتصدق بثلثه و يأكل بثلثه و يعطي والدته ثلثا .

    فقالت له أمه يوما إن أباك ورثك عجلة و ذهب بها إلى غيضة كذا و استودعها فانطلق إليها و ادع إله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق أن يردها عليك و إن من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها و كانت تسمى المذهبة لحسنها و صفرتها و صفاء لونها .

    فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها و قال أعزم عليك بإله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها و قادها فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى و قالت أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك فقال الفتى إن أمي لم تأمرني بذلك و لكن قالت خذ بعنقها قالت البقرة بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا فانطلق فإنك لو ركبتني أمرت الجبل أن يقتلع من أصله و ينطلق معك لفعل لبرك بوالدتك .

    فسار الفتى بها فاستقبله عدو الله إبليس في صورة راع فقال أيها الفتى إني رجل من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه زادي و متاعي حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضي حاجتي فعدا وسط الجبل و ما قدرت عليه و إني أخشى على نفسي الهلكة فإن رأيت أن تحملني على بقرتك و تنجيني من الموت و أعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك فلم يفعل الفتى و قال اذهب فتوكل على الله و لو علم منك الله اليقين لبلغك بلا زاد و لا راحلة فقال إبليس إن شئت فبعنيها بحكمك و إن شئت فاحملني عليها و أعطيك عشرا مثلها فقال الفتى إن أمي لم تأمرني بذلك.

    فبينما الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة و نفرت البقلاة هاربة في الفلاة و غاب الراعي فدعا الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه فقالت أيها الفتى البار بوالدته لا تمر إلى الطائر الذي طار فإنه إبليس عدو الله اختلسني أما إنه لو ركبني لما قدرت عليه أبدا فلما دعوت إله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس و ردني إليك لبرك بأمك و طاعتك لها .

    فجاء الفتى إلى أمه فقالت له إنك فقير لا مال لك و يشق عليك الاحتطاب بالنهار و القيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة و خذ ثمنها قال لأمه بكم أبيعها .


    [289]
    قالت بثلاثة دنانير و لا تبعها بغير رضاي و مشورتي .

    و كان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير فانطلق الفتى إلى السوق فعقبه الله سبحانه ملكا ليرى خلقه قدرته و ليختبر الفتى كيف بره بوالدته و كان الله به خبيرا فقال له الملك بكم تبيع هذه البقرة قال بثلاثة دنانير و اشترط عليك رضاء أمي فقال له الملك ستة دنانير و لا تستأمر أمك فقال له الفتى لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضاء أمي .

    فردها إلى أمه و أخبرها بالثمن فقالت ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني فانطلق بالبقرة إلى السوق فأتى الملك فقال استأمرت والدتك فقال الفتى نعم إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها قال له الملك فإني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها فأبى الفتى و رجع إلى أمه و أخبرها بذلك فقالت إن ذلك الرجل الذي يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجربك فإذا أتاك فقل له أ تأمر أن نبيع هذه البقرة أم لا ففعل ذلك فقال الملك اذهب إلى أمك و قل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بمل‏ء جلدها دنانير .

    فأمسكوا تلك البقرة و قد رد الله تعالى على بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها مكافأة على بره بوالدته فضلا منه و رحمة فطلبوها فوجدوها عند الفتى فاشتروها بمل‏ء مسكها ذهبا و قال السدي اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا .

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 11:17 am



    الفصل الثامن
    في لقاء موسى (عليه السلام) للخضر
    و سائر أحوال الخضر (عليه السلام)



    تفسير علي بن إبراهيم لما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا بخبر أصحاب الكهف قالوا أخبرنا عن العالم الذي أمر الله موسى أن يتبعه و ما قصته

    [290]
    فأنزل الله تعالى وَ إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً .

    قال و كان سبب ذلك أنه لما كلم الله موسى تكليما فأنزل عليه الألواح و فيها من كل شي‏ء موعظة و رجع موسى إلى بني إسرائيل فصعد المنبر فأخبرهم أن الله قد أنزل عليكم التوراة و قال في نفسه ما خلق الله خلقا أعلم مني فأوحى الله إلى جبرئيل أدرك موسى فقد هلك و أعلمه عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجل أعلم منك فصر إليه و تعلم من علمه فنزل جبرئيل (عليه السلام) على موسى (عليه السلام) و أخبره في ذل موسى في نفسه و أعلم أنه أخطأ و دخله الرعب و قال لوصيه يوشع إن الله قد أمرني أن أتبع رجلا عند ملتقى البحرين و أتعلم منه فتزود يوشع حوتا مملوحا و خرجا .

    فلما خرجا و بلغا ذلك المكان وجدا رجلا مستلقيا على قفاه فلم يعرفاه فأخرج وصي موسى الحوت و غسله بالماء و وضعه على الصخرة و مضيا و نسيا الحوت .

    و كان ذلك الماء ماء الحيوان فحيي الحوت و دخل في الماء فمضى (عليه السلام) و يوشع معه حتى عييا فقال لوصيه آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً فذكر وصيه السمكة فقال لموسى (عليه السلام) فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ على الصخرة فقال موسى ذلك الرجل الذي نصبه رأيناه عند الصخرة هو الذي نريده فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً إلى عند الرجل و هو في الصلاة فقعد موسى (عليه السلام) حتى فرغ من الصلاة فسلم عليهما .

    و حدثني محمد بن علي بن بلال عن يونس قال : اختلف يونس و هشام في العالم الذي أتاه موسى (عليه السلام) أيهما كان أعلم و هل يجوز أن يكون حجة في وقته و هو حجة الله على خلقه فقال قاسم الصيقل فكتبوا إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسألونه عن ذلك فكتب في الجواب أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر إما جالسا و إما متكئا فسلم عليه موسى فأنكر السلام إذ كان بأرض ليس فيها سلام فقال من أنت قال أنا موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما قال جئت لتعلمني مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قال إني وكلت بأمر لا تطيقه ثم حدثه العالم بما يصيب آل محمد (عليه السلام) من البلاء حتى اشتد بكاؤهما ثم حدثه عن فضل آل محمد حتى جعل موسى

    [291]
    يقول يا ليتني كنت من آل محمد حتى ذكر فلانا و فلانا و مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ما يلقى منهم و من تكذيبهم إياه و ذكر له تأويل هذه الآية وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حين أخذ الميثاق عليهم فقال موسى (عليه السلام) هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً فقال الخضر إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فقال موسى (عليه السلام) سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً قالَ ا لخضر (عليه السلام) فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً .


    يقول فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ أفعله و لا تنكره علي حتى أخبرك أنا بخبره قال نعم فمروا ثلاثتهم حتى انتهوا إلى ساحل البحر و قد سنحت سفينة و هي تريد أن تعبر فقال أرباب السفينة نحمل هؤلاء الثلاثة نفر فإنهم قوم صالحون فحملوهم فلما جنحت السفينة في البحر قام الخضر (عليه السلام) إلى جانب السفينة فكسرها و حشاها بالخرق و الطين فغضب موسى غضبا شديدا و قال للخضر أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً فقال له الخضر (عليه السلام) أَ لَمْ أَقُلْ لك إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ له موسى (عليه السلام) لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً فخرجوا من السفينة .

    فنظر الخضر (عليه السلام) إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه كأنه قطعة قمر في أذنيه درتان فتأمله الخضر (عليه السلام) ثم أخذه و قتله فوثب موسى على الخضر (عليه السلام) و جلد به الأرض فقال أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً فقال الخضر (عليه السلام) أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قال موسى (عليه السلام) إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا بالعشي قرية تسمى الناصرة و إليها تنسب النصارى و لم يضيفوا أحدا قط و لم يطعموا قريبا فاستطعموهم فلم يطعموهم و لم يضيفوهم فنظر الخضر (عليه السلام) إلى حائط قد زال ليتهدم فوضع الخضر (عليه السلام) يده عليه و قال قم بإذن الله فقام فقال موسى (عليه السلام) لم ينبغ أن تقيم الجدار حتى يطعمونا و يروونا و هو قوله لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً فقال الخضر (عليه السلام) هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ التي فعلت بها ما فعلت صالحة فإنها كانت لقوم يعملون في البحر فأردت أن أعيبها

    [292]
    و كان وراء السفينة ملك يأخذ كل سفينة غصبا كذا نزلت و إذا كانت السفينة معيوبة لم يأخذ منها شيئا .

    وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ و طبع كافرا كذا نزلت فنظرت إلى جبينه و عليه مكتوب طبع كافرا فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً فأبدل الله والديه بنتا ولد منها سبعون نبيا من أنبياء بني إسرائيل .

    وَ أَمَّا الْجِدارُ الذي أقمته فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما إلى قوله ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً .

    أقول : لا أَبْرَحُ أي لا أزال أمشي حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ بحر فارس و بحر الروم .

    و قيل : هو إفريقية .

    و قيل : بحران موسى و الخضر (عليه السلام) فإن موسى كان بحر العلم الظاهر و الخضر بحر العلم الباطن .

    و روي أن موسى خطب الناس بعد هلاك القبط و دخوله مصر خطبة طويلة فأعجب بها فقيل له هل تعلم أحدا أعلم منك فقال لا فأوحى الله إليه بل عندنا الخضر و هو بمجمع البحرين .

    و كان الخضر (عليه السلام) في أيام أفريدون و كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر و بقي إلى أيام موسى .

    و قيل : إن موسى (عليه السلام) سأل ربه أي عبادك أعلم قال الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدل على هدى أو ترده عن ردى قال إن كان في عبادك أعلم مني فأدللني عليه قال أعلم منك الخضر قال أين أطلبه قال على الساحل عند الصخرة قال كيف لي به قال تأخذ حوتا في مكتلك فحيث فقدته فهناك قال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما يعني نسي موسى أن يطلبه و يتعرف حاله و يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته و وقوعه في البحر .


    [293]
    روي أن موسى (عليه السلام) رقد فاضطرب الحوت المشوي و وثب في البحر معجزة لموسى أو للخضر (عليه السلام) .

    و قيل : توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش و وثب في الماء فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا فلما جاوزا مجمع البحرين قال لفتاه ائتنا ما نتغذى به الحديث .

    و لا ينافي نبوة موسى (عليه السلام) و كونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين و فروعه لا مطلقا هكذا في التفاسير. و الأولى في الجواب أن يقال إن الخضر (عليه السلام) كان من الأنبياء فزيادة نبي على نبي في طرف من العلم و ذلك النبي الآخر يزيد عليه فيما لا يتناهى من العلوم و الكمال لا قدح فيه على أن الله سبحانه إذا أراد أن يبتلي بعض الأنبياء في مثل هذه الأمور كما سيأتي في حديث الطير و علمه الزائد عليهما لا إشكال فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى .

    علل الشرائع عن الصادق (عليه السلام) : أنه قال إن الخضر (عليه السلام) كان نبيا مرسلا بعثه الله تعالى إلى قومه فدعاهم إلى توحيده و الإقرار بأنبيائه و رسله و كتبه و كانت آيته أنه كان لا يجلس على خشبة يابسة و لا أرض بيضاء إلا أزهرت خضرا و إنما سمي الخضر لذلك و كان اسمه تاليا بن ملكان بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام) ثم ساق الحديث إلى قوله وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً قال و لم يكن ذلك الكنز بذهب و لا فضة و لكن كان لوحا من ذهب فيه مكتوب عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجب لمن أيقن بالقدر كيف يحزن عجب لمن أيقن أن البعث حق كيف يظلم عجب لمن يرى الدنيا و تصرف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها و كان بينهما و بين هذا الأب الصالح سبعون أبا فحفظهما الله بصلاحه .


    [294]
    قال الصدوق بعد تمام الحديث إن موسى (عليه السلام) مع كمال عقله و محله من الله تعالى لم يستدرك باستدلاله و استنباطه معنى أفعال الخضر (عليه السلام) حتى اشتبه عليه وجه الأمر فيه و سخطه جميع ما كان يشاهده حتى أخبر بتأويله و لو لم يخبر بتأويله لما أدركه و لو بقي في الفكر عمره فإذا لم يجز لأنبياء الله و رسله (صلى الله عليه وآله وسلم) القياس و الاستنباط و الاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك انتهى .

    و قوله و لم يكن ذلك الكنز بذهب و لا فضة يعني أن المقصود منه هو العلم و وصوله إلى أهله و إن كان ذهبا فهو كنزان كنز علم و كنز ذهب علل الشرائع سمعت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن طيفور الدامغاني الواعظ بفرغانة يقول في خرق الخضر (عليه السلام) السفينة و قتل الغلام و إقام الجدار إن تلك إشارات من الله تعالى لموسى (عليه السلام) و تعريضات إلى ما يريده من تذكيره لمنن سابقة لله عز و جل نبهه عليها و على مقدارها من الفضل ذكره بخرق السفينة و أنه حفظه في الماء حين ألقته أمه في التابوت و ألقت التابوت في اليم هو الذي يحفظهم في السفينة .

    و أما قتل الغلام فإنه كان قد قتل رجلا في الله عز و جل و كانت تلك زلة عظيمة عند من لم يعلم أن موسى (عليه السلام) نبي فذكره بذلك منة عليه حين دفع عنه كيد من أراد قتله به .

    و أما إقامة الجدار من غير أجر فإن الله عز و جل ذكره بذلك فضله فيما أتاه في ابنتي شعيب حين سقى لهما و هو جائع و لم يبتغ على ذلك أجرا مع حاجته إلى الطعام فنبهه الله على ذلك ليكون شاكرا مسرورا .

    فأما قول الخضر (عليه السلام) هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ فإن ذلك كان من جهة موسى (عليه السلام) حيث قال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي فموسى (عليه السلام) هو الذي حكم بالمفارقة لما قال فَلا تُصاحِبْنِي .

    و إن موسى (عليه السلام) اختار سبعين رجلا من قومه لميقات ربه فلم يصبروا بعد سماع كلام الله عز و جل حتى تجاوزوا الحد بقولهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا و لو اختارهم الله لعصمهم و لما اختار من يعلم منه تجاوز الحد .


    [295]
    فإذا لم يصلح موسى (عليه السلام) للاختيار مع فضله و محله فكيف تصلح الأمة لاختيار الإمام بآرائها و كيف يصلحون لاستنباط الأحكام و استخراجها بعقولهم الناقصة و آرائهم المتفاوتة و هممهم المتباينة و إرادتهم المختلفة تعالى الله عن الرضا باختيارهم علوا كبيرا .

    و أفعال أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلها مثل أفاعيل الخضر (عليه السلام) و هي حكمة و صواب و إن جهل الناس وجه الحكمة و الصواب فيها .

    و فيه عن عباية الأسدي قال كان عبد الله بن عباس جالسا على شفير زمزم يحدث الناس فلما فرغ من حديثه أتاه رجل فسلم عليه ثم قال يا عبد الله إني رجل من أهل الشام فقال أعوان كل ظالم إلا من عصم الله منكم سل عما بدا لك فقال يا عبد الله بن عباس إني جئتك أسألك عمن قتله علي بن أبي طالب (عليه السلام) من أهل لا إله إلا الله لم يكفروا بصلاة و لا بحج و لا بصوم شهر رمضان و لا بزكاة فقال له عبد الله ثكلتك أمك سل عما يعنيك و دع عما لا يعنيك فقال ما جئتك أضرب إليك من حمص للحج و لا للعمرة و لكن أتيتك تشرح لي أمر علي بن أبي طالب (عليه السلام) و فعاله فقال ويلك إن علم العالم لا تحتمله و لا تقر به القلوب الصدئة أخبرك أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان مثله في هذه الأمة كمثل موسى و العالم (عليه السلام) و ذلك أن الله تبارك و تعالى قال في كتابه يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ .

    فكان موسى يرى أن جميع الأشياء قد أثبتت له كما ترون أنتم أن علماءكم قد أثبتوا جميع الأشياء .

    فلما انتهى موسى (عليه السلام) إلى ساحل البحر فلقي العالم فاستنطق موسى ليصل علمه و لم يحسده ثم إنكم جحدتم علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أنكرتم فضله ف قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً فعلم العالم أن موسى لا يطيق بصحبته و لا يصبر على علمه ف قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فقال له موسى سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً فعلم العالم أن موسى لا يصبر على علمه قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً .


    [296]
    قال فركبا في السفينة فخرقها العالم و كان خرقها لله عز و جل و سخط موسى ذلك .

    كذلك كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يقتل إلا من كان قتله لله عز و جل رضا و لأهل الجهالة من الناس سخطا .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إن موسى بن عمران (عليه السلام) حين أراد أن يفارق الخضر (عليه السلام) قال له أوصني فكان مما أوصاه أن قال له إياك و اللجاجة أو أن تمشي في غير حاجة أو أن تضحك من غير تعجب و اذكر خطيئتك و إياك و خطايا الناس.

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول الله عز و جل وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال و الله ما كان من ذهب و لا فضة و ما كان إلا لوحا في كلمات أربع إني أنا الله لا إله إلا أنا و محمد رسولي عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح قلبه و عجبت لمن أيقن بالحساب كيف يضحك سنه و عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يستبطئ الله في رزقه و عجبت لمن يرى النشأة الأولى كيف ينكر النشأة الآخرة .

    الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما أقام العالم الجدار أوحى الله تعالى إلى موسى أني مجازي الأبناء بسعي الآباء إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا و لا تزنوا فتزني نساؤكم و من وطي‏ء فراش امرأة مسلم وطي‏ء فراشه كما تدين تدان .

    تفسير علي بن إبراهيم عنه (عليه السلام) : لما أسري برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماء وجد في طريقه ريحا مثل المسك الأذفر فسأل جبرئيل عنها فقال إنها تخرج من بيت عذب فيه قوم في عبادة الله حتى ماتوا ثم قال له إن الخضر (عليه السلام) كان من أبناء الملوك فآمن بالله و تخلى في بيت أبيه يعبد الله و لم يكن لأبيه ولد غيره فأشاروا إلى أبيه أن يزوجه لعل الله أن يرزقه ولدا فيكون الملك فيه و في عقبه فخطب له امرأة بكرا و أدخلها عليه فلم يلتفت الخضر إليها فلما كان اليوم الثاني قال لها الخضر تتمكنين على أمري فقالت نعم قال لها إن سألك أبي أ هل كان مني إليك ما كان من الرجال إلى النساء فقولي نعم قالت أفعل

    [297]
    فسألها الملك عن ذلك فقالت نعم و أشار عليه الناس أن يأمر النساء أن يفتشنها فأمر و كانت على حالتها فقالوا أيها الملك زوجت الغر من الغرة يعني الغافل من الغافلة زوجه امرأة ثيبا فزوجه فلما دخلت عليه سألها الخضر أن تكتم عليه فقالت نعم فلما أن سألها الملك قالت أيها الملك إن ابنك امرأة فهل تلد المرأة من المرأة فغضب عليه فأمر بردم الباب عليه فردم فلما كان اليوم الثالث حركته رقة الآباء فأمر بفتح الباب ففتح فلم يجدوه فيه فأعطاه الله من القوة أن يتصور كيف شاء ثم كان على مقدمة ذي القرنين و شرب من الماء الذي من شرب منه بقي إلى الصيحة قال فخرج من مدينة أبيه رجلان في تجارة في البحر حتى وقعا إلى جزيرة من جزائر البحر فوجدوا فيه الخضر قائما يصلي فلما انفتل دعاهما فسألهما عن خبرهما فأخبراه فقال لهما هل تكتمان علي أمري إن أرددتكما في يومكما إلى منازلكما فقالا نعم فنوى أحدهما أن يكتم أمره و نوى الآخر إن رده إلى منزله أخبر أباه بخبره فدعا الخضر سحابة فقال احملي هذين إلى منازلهما فحملتهما السحابة حتى وضعتهما من يومهما فكتم أحدهما أمره و ذهب الآخر إلى الملك فأخبره بخبره فقال له الملك من يشهد لك بذلك قال فلان التاجر فدل على صاحبه فبعث الملك إليه فأنكره و أنكر معرفة صاحبه فقال له الأول أيها الملك ابعث معي خيلا إلى هذه الجزيرة و احبس هذا حتى آتيك بابنك فبعث معه خيلا فلم يجده فأطلق عن الرجل الذي كتم عليه ثم إن القوم عملوا بالمعاصي فأهلكهم الله و جعل مدينتهم عاليها سافلها و ابتدرت الجارية التي كتمت عليه أمره و الرجل الذي كتم عليه كل واحد منهما ناحية من المدينة فلما أصبحا التقيا فأخبر كل واحد منهما صاحبه بخبره فقالا ما نجونا إلا بذلك فآمنا برب الخضر و حسن إيمانهما و تزوج بها الرجل و وقعا إلى مملكة ملك آخر و توصلت المرأة إلى بيت الملك و كانت تزين بنت الملك فبينا هي تمشطها يوما إذ سقط من يدها المشط فقالت لا حول و لا قوة إلا بالله فقالت لها بنت الملك ما هذه الكلمة فقالت لها إن لي إلها يجري الأمور كلها بحوله و قوته فقالت أ لك إله غير أبي فقالت نعم و إلهك و إله أبيك فدخلت بنت الملك إلى أبيها فأخبرت أباها بما سمعت من هذه المرأة

    [298]
    فدعاها الملك فسألها عن خبرها فأخبرته فقال لها من دلك على دينك قالت زوجي و ولدي فدعاهم الملك و أمرهم بالرجوع عن التوحيد فأبوا عليه فدعا بمرجل من ماء فسخنه و ألقاهم فيه و أدخلهم بيتا و هدم عليهم البيت فقال جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه الرائحة التي تشمها من ذلك البيت .

    الأمالي عن عبد الله بن سليمان قال : قرأت في بعض كتب الله عز و جل أن ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله الله عز و جل حجة على عباده و لم يجعله نبيا فمكن الله له في الأرض و آتاه من كل شي‏ء سببا فوضعت له عين الحياة و قيل له من شرب منها شربة لم يمت حتى يسمع الصيحة و أنه خرج في طلبها حتى انتهى إلى موضع فيه ثلاثمائة و ستون عينا فكان الخضر (عليه السلام) على مقدمته و كان من أحب الناس إليه فأعطاه حوتا مالحا و أعطى كل واحد من أصحابه حوتا مالحا و قال لهم ليغسل كل رجل منكم حوتة عند كل عين فانطلقوا و انطلق الخضر (عليه السلام) إلى عين من تلك العيون فلما غمس الحوت في الماء حيي فانساب في الماء فلما رأى الخضر (عليه السلام) ذلك علم أنه قد ظفر بماء الحياة فرمى بثيابه و سقط في الماء فجعل يرتمس فيه و يشرب منه فرجع كل واحد منهم إلى ذي القرنين و معه حوتة و رجع الخضر و ليس معه الحوت فسأله عن قصته فأخبره فقال له أ شربت من ذلك الماء قال نعم قال أنت صاحبها و أنت الذي خلقت لهذه العين فأبشر بطول البقاء في هذه الدنيا مع الغيبة عن الأبصار إلى النفخ في الصور .

    كتاب الخصال المظفر العلوي عن ابن العياشي عن أبيه عن جعفر بن أحمد عن ابن فضال عن الرضا (عليه السلام) قال : إن الخضر (عليه السلام) شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور و أنه ليأتينا فيسلم علينا فنسمع صوته و لا نرى شخصه و أنه ليحضر حيث ذكر فمن ذكره منكم فليسلم عليه و أنه ليحضر المواسم فيقضي جميع المناسك و يقف بعرفة فيؤمن على دعاء المؤمنين و سيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته و يصل به وحدته.

    أقول : في قوله (عليه السلام) و أنه ليحضر حيث ذكر دلالة على حضوره في الأمكنة

    [299]
    التي يذكرونها فما تعارف في هذه الأعصار بين الناس من قولهم طحين للخضر (عليه السلام) في حجرة مقفلة و إذا صار الصباح رأوا على ذلك الطحين آثار يد الخضر غير خال من الدليل بل هذا دليله لأنهم في ذلك الوقت يذكرونه في الدعاء و الصلاة .

    و عن الرضا (عليه السلام) قال : لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء الخضر فوقف على باب البيت و فيه علي و فاطمة و الحسن والحسين (عليه السلام) و رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سجي بثوب فقال السلام عليكم يا أهل البيت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ و إنما توفون أجوركم يوم القيامة إن في الله خلفا من كل هالك و عزاء من كل مصيبة و دركا من كل فائت فتوكلوا عليه و ثقوا به و استغفروا الله لي و لكم فقالأمير المؤمنين (عليه السلام) هذا أخي الخضر جاء يعزيكم بنبيكم .

    الكافي بإسناده إلى سيف التمار قال : كنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر قال علينا عين فالتفتنا يمنة و يسرة فلم نر أحدا فقلنا ليس علينا عين فقال و رب الكعبة و رب البيت ثلاث مرات لو كنت بين موسى و الخضر (عليه السلام) لأخبرتهما أني أعلم منهما و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى و الخضر أعطيا علم ما كان و لم يعطيا علم ما يكون و ما هو كائن حتى تقوم الساعة و قد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

    إكمال الدين كان اسم الخضر خضرويه بن قابيل بن آدم و يقال خضرون أيضا و يقال خلعبا و إنما سمي الخضر لأنه جلس على أرض بيضاء فاهتزت خضراء و الصحيح أن اسمه إلياس بن ملكان بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام) .

    عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : مسجد السهلة مناخ الراكب قيل و من الراكب قال الخضر (عليه السلام) .

    و عنه (عليه السلام) : في قول موسى (عليه السلام) لفتاه آتِنا غَداءَنا و قوله رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال إنما عنى الطعام فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن موسى لذو جوعات .

    أقول : و الجوعة الثالثة كما جاء في الحديث هو قوله لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.

    تفسير العياشي عن يزيد عن أحدهما (عليهما السلام) قال : قلت له ما منزلتكم في الماضين أو بمن تشبهون منهم قال الخضر و ذو القرنين كانا عالمين و لم يكونا بنبيين .


    [300]
    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) كان في كتف الغلام الذي قتله العالم أي الخضر (عليه السلام) مكتوبا كافرا .

    و قال (عليه السلام) : إن الله ليحفظ ولد المؤمن إلى ألف سنة و إن الغلامين كان بينهما و بين أبويهما سبعمائة سنة .

    رياض الجنان بإسناده إلى عبد الملك بن سليمان قال وجد في ذخيرة أحد حواري المسيح (عليه السلام) رق فيه مكتوب بالقلم السرياني منقول من التوراة أن موسى (عليه السلام) لما رجع من الخضر (عليه السلام) إلى قومه سأله أخوه هارون (عليه السلام) عما شاهده من عجائب البحر قال بينا أنا و الخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة و رمى بها نحو المشرق و أخذ ثانية و رماها في المغرب و أخذ ثالثة و رمى بها نحو السماء و رابعة رماها إلى الأرض ثم أخذ خامسة و عاد ألقاها في البحر فبهتنا لذلك .

    فسألت الخضر (عليه السلام) عن ذلك فلم يجب فإذا نحن بصياد يصطاد فنظر إلينا و قال ما لي أراكما في فكر و تعجب من الطائر قلنا هو ذلك قال أنا رجل صياد قد علمت و أنتما نبيان ما تعلمان قلنا ما نعلم إلا ما علمنا الله قال هذا طائر في البحر يسمى مسلم لأنه إذا صاح يقول في صياحه مسلم فأشار برمي الماء من منقاره إلى السماء و الأرض و المشرق و المغرب إلى أنه يبعث نبي بعدكما يملأ أمته المشرق و المغرب و يصعد إلى السماء و يدفن في الأرض و أما رميه الماء في البحر يقول إن علم العالم عند علمه مثل هذه القطرة و ورث علمه وصيه و ابن عمه .

    فسكن ما كنا فيه من المشاجرة و استقل كل واحد منا علمه بعد أن كنا معجبين بأنفسنا .

    ثم غاب الصياد عنا فعلمنا أنه بعثه الله تعالى إلينا ليعرفنا حيث ادعينا الكمال .

    مهج الدعوات : روي أن الخضر و إلياس يجتمعان في كل موسم و يفترقان عن هذا الدعاء و هو بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ما شاء الله كل نعمة فمن الله ما شاء الله الخير كله بيد الله عز و جل لا يصرف السوء إلا الله .


    [301]
    الفصل التاسع في مناجاة موسى و ما جرى بينه و بين إبليس و في وفاة موسى و هارون و موضع قبرهما و ما يتبع ذلك من النوادر.

    تفسير علي بن إبراهيم عن ابن محبوب عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من زرع حنطة في أرض فلم يترك أرضه و زرعه و خرج زرعه كثير الشعير فيظلم عمله في ملك رقبة الأرض أو بظلم لمزارعه و أكرته لأن الله يقول فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً يعني لحوم الإبل و شحوم البقر و الغنم .

    الأمالي بإسناده إلى عبد العظيم الحسني عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) قال : لما كلم الله موسى بن عمران قال موسى يا إلهي ما جزاء من شهد أني رسولك و نبيك و أنك كلمتني قال يا موسى تأتيه ملائكتي فتبشره بجنتي قال موسى إلهي فما جزاء من قام بين يديك يصلي قال يا موسى أباهي به ملائكتي راكعا و ساجدا و قائما و قاعدا و من باهيت به ملائكتي لم أعذبه قال موسى إلهي ما جزاء من أطعم مسكينا ابتغاء وجهك قال يا موسى آمر مناديا ينادى يوم القيامة على رءوس الخلائق أن فلان ابن فلان من عتقاء الله من النار قال موسى إلهي فما جزاء من وصل رحمه قال يا موسى أنسئ أجله و أهون عليه سكرات الموت و يناديه خزنة الجنة هلم إلينا من أي أبوابها شئت قال موسى إلهي فما جزاء من كف أذاه عن الناس و بذل معروفه لهم قال يا موسى تناديه النار يوم القيامة لا سبيل لي عليك قال إلهي فما جزاء من ذكرك بلسانه و قلبه قال يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي و أجعله في كنفي قال إلهي فما جزاء من تلا حكمتك سرا و جهرا قال يا موسى يمر على الصراط كالبرق قال إلهي فما جزاء من صبر على أذى الناس و شتمهم فيك قال أعينه على أهوال يوم القيامة قال إلهي فما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك قال يا موسى أقي وجهه من حر النار و أؤمنه يوم الفزع الأكبر قال يا إلهي فما جزاء من ترك الخيانة حياء منك قال يا موسى له الأمان يوم القيامة

    [302]
    قال يا إلهي فما جزاء من أحب أهل طاعتك قال يا موسى أحرمه على ناري قال يا إلهي فما جزاء من قتل مؤمنا متعمدا قال لا أنظر إليه و لا أقيل عثرته قال إلهي فما جزاء من دعا نفسا كافرا إلى الإسلام قال يا موسى آذن له في الشفاعة يوم القيامة لمن يريد قال إلهي فما جزاء من صلى الصلاة بوقتها قال أعطيه سؤلي و أبيحه جنتي قال إلهي فما جزاء من أتم الوضوء من خشيتك قال أبعثه يوم القيامة و له نور بين عينيه يتلألأ قال إلهي فما جزاء من صام شهر رمضان لك محتسبا قال يا موسى أقيمه يوم القيامة مقاما لا يخاف فيه قال إلهي فما جزاء من صام شهر رمضان يريد به الناس قال يا موسى ثوابه كثواب من لم يصمه .

    الأمالي عن محمد بن سنان عن المفضل قال : سمعت مولاي الصادق (عليه السلام) يقول كان فيما ناجى الله عز و جل به موسى بن عمران أنه قال له يا ابن عمران كذب من زعم أنه يحبني فإذا جنه الليل نام عني أ ليس كل محب يحب خلوة حبيبه ها أنا يا ابن عمران مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل حولت أبصارهم من قلوبهم و مثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبوني عن المشاهدة و يكلموني عن الحضور يا ابن عمران هب لي من قلبك الخشوع و من بدنك الخضوع و من عينيك الدموع في ظلم الليالي ادعني فإنك تجدني قريبا مجيبا .

    الكافي محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن سدير قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إن بني إسرائيل أتوا موسى فسألوه أن يسأل الله عز و جل أن يمطر السماء عليهم إذا أرادوا أو يحبسها إذا أرادوا فسأل الله عز و جل ذلك لهم فقال الله عز و جل فليحرثوا أفعل ذلك لهم يا موسى فأخبرهم موسى فحرثوا و لم يتركوا شيئا إلا و زرعوه ثم استنزلوا المطر عليهم على إرادتهم و حبسوه على إرادتهم فصارت زروعهم كأنها الجبال و الآجام فحصدوا و داسوا و ذروا فلم يجدوا شيئا فضجوا إلى موسى (عليه السلام) و قالوا إنما سألناك أن تسأل الله أن يمطر السماء علينا إذا أردنا فأجابنا ثم صيرها ضررا فقال يا رب إن بني إسرائيل ضجوا مما صنعت بهم فقال و مم ذاك يا موسى قال سألوني أن أسألك أن تمطر السماء إذا أرادوا فأجبتهم ثم صيرتها عليهم ضررا فقال يا موسى أنا كنت المقدر لبني إسرائيل فلم يرضوا بتقديري فأجبتهم إلى إرادتهم فكان ما رأيت .

    عيون الأخبار بإسناده إلى الرضا (عليه السلام) قال : لما بعث الله عز و جل موسى بن

    [303]
    عمران (عليه السلام) و اصطفاه و فلق له البحر و أعطاه التوراة رأى مكانه من ربه عز و جل فقال يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا قبلي قال يا موسى أ ما علمت أن محمدا عندي أفضل من جميع ملائكتي و جميع خلقي قال موسى يا رب فإن كان محمد أكرم عندك من جميع خلقك فهل من آل الأنبياء أكرم من آلي قال الله جل جلاله يا موسى أ ما علمت أن فضل آل محمد على جميع النبيين كفضل محمد على جميع المرسلين فقال موسى يا رب فإن كان آل محمد كذلك فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمتي ظللت عليهم الغمام و أنزلت عليهم المن و السلوى و فلقت لهم البحر فقال الله جل جلاله يا موسى أ ما علمت أن فضل أمة محمد على جميع الأمم كفضله على جميع خلقي فقال موسى يا رب ليتني كنت أراهم فأوحى الله تعالى إليه يا موسى إنك لن تراهم فليس هذا أوان ظهورهم و لكن سوف تراهم في جنات عدن و الفردوس بحضرة محمد في نعيمها يتقلبون أ فتحب أن أسمعك كلامهم قال نعم إلهي قال الله جل جلاله قم بين يدي و اشدد مئزرك قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ففعل ذلك موسى (عليه السلام) فنادى ربنا عز و جل يا أمة محمد فأجابوه و هم في أصلاب آبائهم و أرحام أمهاتهم لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك قال فجعل الله عز و جل تلك الإجابة شعارا للحج ثم نادى ربنا عز و جل يا أمه محمد إن قضائي عليكم إن رحمتي سبقت غضبي و عفوي قبل عقابي فقد استجبت لكم قبل أن تدعوني و أعطيتكم من قبل أن تسألوني من لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله صادق في أقواله محق في أفعاله و أن علي بن أبي طالب أخوه و وصيه من بعده و يلتزم طاعته كما يلتزم طاعة محمد و أن أولياءه المصطفين المطهرين الميامين بعجائب آيات الله و دلائل حجج الله من بعدهما أولياؤه أدخلته جنتي و إن كانت ذنوبه مثل زبد البحر قال فلما بعث الله عز و جل نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يا محمد و ما كنت بجانب الطور إذ نادينا أمتك بهذه الكرامة

    [304]
    ثم قال الله عز و جل لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قل الحمد لله رب العالمين على ما اختصني من هذه الفضيلة و قال لأمته قولوا أنتم الحمد لله رب العالمين على ما اختصنا من هذه الفضائل .

    الكافي بإسناده إلى أبي جعفر (عليه السلام) قال : مكتوب في التوراة التي لم تغير أن موسى (عليه السلام) سأل ربه فقال يا رب أ قريب أنت مني فأناجيك أم بعيد فأناديك فأوحى الله عز و جل إليه يا موسى أنا جليس من ذكرني فقال موسى فمن في سترك يوم لا ستر إلا سترك قال الذين يذكرونني فأذكرهم و يتحابون في فأحبهم فأولئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم .

    أقول : ينبغي على الصوفية أذكارهم و وجدهم و نهيقهم و زعيقهم و رقصهم و صنعتهم و زعمهم أن هذا كله من أفضل العبادات و الطاعات .

    الكافي عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله عز و جل ناجى موسى بن عمران بمائة ألف كلمة و أربعة و عشرين ألف كلمة في ثلاثة أيام و لياليهن ما طعم فيها موسى و لا شرب فيها فلما انصرف إلى بني إسرائيل و سمع كلام الآدميين مقتهم لما كان وقع من مسامعه من حلاوة كلام الله عز و جل .

    و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : إن الله تبارك و تعالى قال لموسى احفظ وصيتي لك بأربعة أشياء أولهن ما دمت لا ترى ذنوبك تغفر فلا تشغل بعيوب غيرك و الثانية ما دمت لا ترى كنوزي قد نفدت فلا تغتم بسبب رزقك و الثالثة ما دمت لا ترى زوال ملكي فلا ترج أحدا غيري و الرابعة ما دمت لا ترى الشيطان ميتا فلا تأمن مكره.

    و عنه (عليه السلام) : ليس في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا و هي في التوراة يا أيها الناس و في خبر آخر يا أيها المساكين .

    و عنهم (عليهم السلام) : قال إبليس يا موسى لا تخل بامرأة فإنه لا يخلو رجل بامرأة لا تحل له إلا و كنت صاحبه دون أصحابي و إياك أن تعاهد الله عهدا فإنه ما

    [305]
    عاهد الله أحد إلا و كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه و بين الوفاء به و إذا هممت بصدقة فأمضها فإذا هم العبد بصدقة كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه و بينها .

    قصص الراوندي بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : كان في زمن موسى (صلى الله عليه وآله وسلم) ملك جبار قضى حاجة مؤمن بشفاعة عبد صالح فتوفي في يوم واحد الملك الجبار و العبد الصالح فقام على الملك الناس و أغلقوا أبواب السوق لموته ثلاثة أيام و بقي العبد الصالح في بيته فتناولت دواب الأرض عن وجهه فرآه موسى بعد ثلاث فقال يا رب هو عدوك و هذا وليك فأوحى الله إليه يا موسى إن وليي سأل هذا الجبار حاجة فقضاها له فكافأته عن المؤمن و سلطت دواب الأرض على محاسن وجه المؤمن لسؤاله ذلك الجبار .

    و عنه قال : إن الله تعالى أوحى إلى موسى يا موسى اشكرني حق شكري فقال يا رب كيف أشكرك حق شكرك و ليس من شكر أشكرك به إلا و أنعمت به علي فقال يا موسى شكرتني حق شكري حين علمت أن ذلك مني .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : أوحى الله تعالى إلى موسى أحبني و حببني إلى خلقي قال موسى يا رب إنك لتعلم أنه ليس أحب إلي منك فكيف لي بقلوب العباد فأوحى الله إليه فذكرهم نعمتي و آلائي فإنهم لا يذكرون مني إلا خير فقال موسى يا رب رضيت بما قضيت تميت الكبير و تبقي الأولاد الصغار فأوحى الله إليه أ ما ترضى بي وكيلا و كفيلا فقال بلى يا رب نعم الوكيل و نعم الكفيل .

    و عن أبي جعفر قال : إن موسى سأل ربه أن يعلمه زوال الشمس فوكل الله بها ملكا فقال يا موسى قد زالت الشمس فقال موسى متى فقال إذا قام رجل فشق قميصه فأوحى الله عز و جل إليه يا موسى قل له لا تشقق قميصك و لكن اشرح لي قلبك .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : قال إن الله أوحى إلى موسى (عليه السلام) أن بعض أصحابك ينم عليك فاحذره فقال يا رب لا أعرفه فأخبرني به حتى أعرفه فقال

    [306]
    يا موسى عبت عليه النميمة و تكلفني أن أكون نماما قال يا رب و كيف أصنع قال الله تعالى فرق أصحابك عشرة عشرة ثم تقرع بينهم فإن السهم يقع على العشرة التي هو فيهم ثم تفرقهم و تقرع بينهم فإن السهم يقع عليه قال فلما رأى الرجل أن السهام تقرع قام فقال يا رسول الله أنا صاحبك لا و الله لا أعود أبدا .

    و روي : أن موسى بن عمران رأى رجلا تحت ظل العرش فقال يا رب من هذا الذي أدنيته حتى جعلته تحت ظل العرش فقال الله تبارك و تعالى يا موسى هذا لم يعق والديه و لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله و قال موسى يا رب ما لمن عاد مريضا قال أوكل به ملكا يعوده في قبره إلى محشره قال يا رب ما لمن غسل ميتا قال أخرجه من ذنوبه كما خرج من بطن أمه قال يا رب ما لمن شيع جنازة قال أوكل به ملائكة معهم رايات يشيعونه من محشره إلى مقامه قال فما لمن عزى الثكلى قال أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي و قال يا موسى أكرم السائل إذا أتاك بشي‏ء ببذل يسير أو برد جميل فإنه قد يأتيك من ليس بجني و لا إنسي ملك من ملائكة الرحمن ليبلوك فيما خولتك فكيف أنت صانع .

    و عنه (عليه السلام) : قال مر موسى بن عمران برجل رافع يده إلى السماء يدعو فانطلق موسى في حاجته فغاب عنه سبعة أيام ثم رحل إليه و هو رافع يديه يدعو و يتضرع و يسأل حاجته فأوحى الله إليه يا موسى لو دعاني حتى يسقط لسانه ما استجبت له حتى يأتيني من الباب الذي أمرته ب.

    أقول : هذا يكشف لك عن أمور كثيرة منها بطلان عبادة المخالفين و ذلك أنهم و إن صاموا و صلوا و حجوا و زكوا و أتوا من العبادات و الطاعات و زادوا على غيرهم إلا أنهم أتوا إلى الله تعالى من غير الأبواب التي أمر بالدخول منها فإنه سبحانه و تعالى قال وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها .

    و قد صح عن المسلمين قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

    أنا مدينة العلم و علي بابها .

    و قوله : أهل بيتي كسفينة نوح من ركب فيها نجا و من تخلف عنها غرق .


    [307]
    و قد جعلوا المذاهب الأربعة وسائط و أبوابا بينهم و بين ربهم و أخذوا الأحكام عنهم و هم أخذوها عن القياسات و الاستنباطات و الآراء و الاجتهاد الذي نهى الله سبحانه عن أخذ الأحكام عنها و طعن عليهن من دخل في الدين منها .

    و كذلك عبادات الصوفية و أصولهم الفاسدة فإنهم أخذوها عن مشايخهم و أخذها مشايخهم عن أسلافهم و كلما تنتهي إلى الصوفية من أهل الخلاف فمن زعم أنه من الشيعة و هو من الصوفية فهو عندنا من المبتدعين و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها إلى النار .

    قصص الأنبياء للراوندي من علماء الإمامية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما مضى موسى (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الجبل تبعه رجل من أفضل أصحابه فأجلسه في أسفل الجبل و صعدموسى (عليه السلام) الجبل فناجى ربه ثم نزل فإذا بصاحبه قد أكل السبع وجهه و قطعه فأوحى الله تعالى إليه أن كان له عندي ذنب فأردت أن يلقاني و لا ذنب له .

    و فيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أن من عبادي من يتقرب إلى الجنة فأحكمه في الجنة قال و ما تلك الجنة قال يمشي في حاجة مؤمن .

    أقول : قوله يمشي إشارة إلى أن هذا الثواب مرتب على سعيه في حاجة المؤمن و إن لم تقض على يده و قد وقع التصريح به في موارد أخرى .

    و في حديث صحيح عنه (عليه السلام) قال : من طاف بالبيت طوافا كتب الله له ستة آلاف حسنة و محا عنه ستة آلاف سيئة و رفع له ستة آلاف درجة ثم قال و قضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف و طواف حتى عد عشرا .

    بقي الكلام في أن المؤمن الذي يترتب هذا الثواب على قضاء حاجته هل يكتفى بكونه من جملة الشيعة و واحد منهم و إن كان فاسقا في جوارحه أم لا بد من هذه الأعمال إلى الاعتقاد .

    أقول الظاهر هو الثاني لأن الفاسق لا يبالغ في حرمته إلى هذا الحال نعم يكفي في هذا المعنى أن يكون مستور الظاهر غير متجاهر بالذنوب و المعاصي و إلا فالمقصود من عصمه الله و لا حول و لا قوة إلا بالله.

    [308]
    و قد بقي شي‏ء آخر و هو أن جماعة من صلحاء الشيعة حالهم مستوري الذنوب و التجاهر بالمعاصي لكنهم إما من جنود السلطان أو من نواكر العمال و الحكام و أن لهم خدمة معهم أو نحو ذلك فمثل هذه لا يقال له تجاهر بالمعاصي حتى ترديهم شهادتهم و لا يسعى لهم في حوائجهم و يحكم عليهم بلوازم الفسوق و المعاصي و هذا لا يخلو من كلام و الحكم بفسقهم في هذا المقام في غاية الأشكال و إن مال إليه بعض العلماء من أصحابنا .

    بل الأظهر عندي أن هذا ليس على إطلاقه من باب التجاهر بالمعاصي بل هنا تفصيل بسطنا الكلام فيه في المجلد السابع من شرح التهذيب .

    القصص قال الصادق (عليه السلام) : أوحى الله إلى موسى بن عمران (عليه السلام) قل للملإ من بني إسرائيل إياكم و قتل النفس الحرام بغير حق فإن من قتل منكم نفسا في الدنيا قتلته مثل قتله صاحبه .

    الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أن اسم الله الأعظم ثلاثة و سبعون حرفا أعطي موسى منها أربعة أحرف .

    تفسير علي بن إبراهيم مات موسى و هارون (عليه السلام) في التيه .

    فروي أن الذي حفر قبر موسى ملك الموت في صورة آدمي .

    و لذلك لا يعرف بنو إسرائيل موضع قبر موسى .

    و عن حنان بن سدير قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شق ثوبه على أبيه أو أخيه أو على قريب له فقال لا بأس بشق الثوب قد شق موسى بن عمران على أخيه هارون (عليه السلام) و في ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان قبض موسى (عليه السلام) .

    و في الكافي عن عمارة قال : قلت للصادق (عليه السلام) أخبرني بوفاة موسى بن عمران فقال لما أتاه أجله أتاه ملك الموت فقال السلام عليك يا كليم الله فقال و عليك السلام من أنت فقال أنا ملك الموت جئت لأقبض روحك فقال له موسى من أين تقبض روحي قال من فمك قال له موسى كيف و قد تكلمت مع ربي جل جلاله قال فمن يديك قال كيف و قد حملت بها التوراة قال فمن

    [309]
    رجليك قال كيف و قد وطئت بها طور سيناء قال فمن عينيك قال كيف و لم تزل إلى ربي ممدودة قال فمن أذنيك قال كيف و قد سمعت بها كلام الله عز و جل قال فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت لا تقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد ذلك و خرج ملك الموت فمكث ما شاء الله يمكث بعد ذلك و دعا يوشع بن نون فأوصى إليه و أمره بكتمان أمره و بأن يوصي بعده إلى من يقوم بالأمر و غاب موسى عن قومه فمر في غيبته برجل و هو يحفر قبرا فقال أ لا أعينك على حفر هذا القبر فقال له الرجل بلى فأعانه على حفر القبر و سوى اللحد ثم اضطجع فيه موسى بن عمران لينظر كيف هو فكشف له عن الغطاء فرأى مكانه من الجنة فقال يا رب اقبضني إليك فقبض ملك الموت روحه في مكانه و دفنه في القبر و سوى عليه التراب و كان الذي يحفر القبر ملك في صورة آدمي و كان ذلك في التيه فصاح صائح من السماء مات موسى كليم الله فأي نفس لا تموت ثم إن يوشع بن نون قام بالأمر من بعد موسى صابرا على الضراء و البلاء من الطواغيت حتى مضى منهم طواغيت فقوي بعدهم أمره فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى في مائة ألف رجل فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم و قتل منهم مقتلة عظيمة و هزم الباقين بإذن الله و أسر صفراء بنت شعيب و قال لها قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن نلقى كليم الله موسى بن عمران فأشكو ما لقيت منك و من قومك فقالت صفراء وا ويلاه و الله لو أبيحت لي الجنة لاستحييت أن أرى فيها رسول الله و قد هتكت حجابه و خرجت على وصيه بعده .

    القصص عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال موسى (صلى الله عليه وآله وسلم) لهارون (عليه السلام) امض بنا إلى جبل طور سيناء ثم خرجا فإذا بيت على بابه شجرة عليها ثوبان فقال موسى لهارون اطرح ثيابك و ادخل البيت و البس هاتين الحلتين و نم على السرير ففعل هارون فلما أن نام على السرير قبضه الله تعالى إليه و ارتفع البيت و الشجرة

    [310]
    و رجع موسى إلى بني إسرائيل فأعلمهم أن الله قبض هارون و رفعه إليه فقالوا كذبت أنت قتلته فشكا موسى (عليه السلام) ذلك إلى ربه فأمر الله تعالى الملائكة فأنزلته على سرير بين السماء و الأرض حتى رأته بنو إسرائيل فعلموا أنه مات .

    الكافي عن محمد بن سنان قال : كنت عند الرضا (عليه السلام) فقال لي يا محمد إنه كان في زمن بني إسرائيل أربعة نفر من المؤمنين فأتى واحد منهم الثلاثة و هم في منزل واحد في مناظرة بينهم فقرع الباب و خرج إليه الغلام فقال أين مولاك فقال ليس هو في البيت فرجع الرجل و دخل الغلام إلى مولاه فقال له من كان الذي قرع الباب قال فلان فقلت له ليس في المنزل فسكت و لم يلم غلامه و لا اغتم أحد منهم لرجوعه عن الباب و أقبلوا في حديثهم فلما كان من الغد بكر إليهم الرجل فأصابهم و قد خرجوا يريدون ضيعة بعضهم فسلم عليهم و قال أنا معكم فقالوا نعم و لم يتعذروا إليه و كان الرجل محتاجا ضعيف الحال فلما كانوا في بعض الطريق إذا غمامة قد أظلتهم فظنوا أنه مطر فبادروا فلما استوت الغمامة على رءوسهم إذا مناد ينادي من جوف الغمامة أيتها النار خذيهم و أنا جبرئيل رسول الله فإذا نار في جوف الغمامة قد اختطفت الثلاثة نفر و بقي الآخر مرعوبا يعجب مما نزل بالقوم و لا يدري ما السبب فرجع إلى المدينة فلقي يوشع بن نون و أخبره الخبر و ما رأى و ما سمع فقال يوشع بن نون أ ما علمت أن الله سخط عليهم بعد أن كان راضيا و ذلك بفعلهم بك قال و ما فعلهم بي فحدثه يوشع فقال الرجل فأنا أجعلهم في حل و أعفو عنهم قال لو كان هذا قبل لنفعهم و أما الساعة فلا و عسى أن ينفعهم بعد .


    [311]


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الفصل التاسع في قصة بلعم بن باعوراء و أحوال إسماعيل الذي سماه الله صادق الوعد)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 11:23 am



    الفصل التاسع
    في قصة بلعم بن باعوراء
    و أحوال إسماعيل الذي سماه الله صادق الوعد و أنه غير إسماعيل بن إبراهيم
    و قصة إلياس و إليا و اليسع و قصص ذي الكفل (عليه السلام)



    تفسير علي بن إبراهيم عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : أنه أعطي بلعم بن باعوراء الاسم الأعظم و كان يدعو به فيستجاب له فمال إلى فرعون فلما مر فرعون في طلب موسى (عليه السلام) و أصحابه قال فرعون لبلعم ادع الله على موسى و أصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته ليمر في طلبموسى (عليه السلام) فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عز و جل فقالت ويل لك على ما تضربني أ تريد أن أجي‏ء معك لتدعو على نبي الله و قوم مؤمنين فلم يزل يضربها حتى قتلها و انسلخ الاسم الأعظم من لسانه و هو قوله فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ و هو مثل ضربه الله فقال الرضا (عليه السلام) فلا يدخل الجنة من البهائم إلا ثلاثة حمارة بلعم و كلب أصحاب الكهف و الذئب و كان سبب الذئب أنه بعث ملك ظالم رجلا شرطيا ليحشر قوما من المؤمنين و هو يعذبهم و كان للشرطي ابن يحبه فجاء ذئب فأكل ابنه فحزن الشرطي فأدخل الله ذلك الذئب الجنة لما أحزن الشرطي .


    [312]
    أقول قال ابن عباس دخل الذئب الجنة بأكله لابن الشرطي فلو أكل الشرطي لرفعه الله تعالى إلى عليين و الشرطي من أعوان الظلمة من الشرطة و هي العلامة لأنهم يعلمون أنفسهم بعلامات يعرفون بها .

    و قال صاحب الكامل لما مات موسى و هارون (عليه السلام) في التيه أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون يأمره المسير إلى أريحا و فتحها .

    و قال آخرون إن موسى عاش حتى خرج من التيه و سار إلى مدينة الجبارين و على مقدمته يوشع بن نون و كالب بن يوحنا و هو صهره على أخته مريم بنت عمران .

    فلما بلغوها اجتمع الجبارون إلى بلعم بن باعوراء و هو من ولد لوط (عليه السلام) فقالوا له إن موسى (عليه السلام) جاء ليقتلنا و يخرجنا من ديارنا فادع الله عليهم و كان بلعم يعرف اسم الله الأعظم فقال لهم كيف أدعو على نبي الله و المؤمنين و معهم الملائكة فراجعوه في ذلك و هو يمتنع عليهم .

    فأتوا امرأته و أهدوا لها هدية و طلبوا إليها أن تحسن لزوجها أن يدعو على بني إسرائيل فقالت له في ذلك فامتنع فلم تزل به حتى قال أستخير ربي فاستخار الله تعالى فنهاه في المنام فأخبرها بذلك فقالت راجع ربك فعاد الاستخارة فلم يرد جواب فقالت لو أراد ربك لنهاك و لم تزل تخدعه حتى أجابهم .

    فركب حمارا له متوجها إلى جبل يشرف على بني إسرائيل ليقف عليه و يدعو عليهم فما مشى عليه إلا قليلا حتى ربض الحمار فضربه حتى قام فركبه فسار قليلا فربض ففعل ذلك ثلاث مرات .

    فلما اشتد ضربه في الثالثة فأنطقها الله ويحك يا بلعم أين تذهب أ ما ترى الملائكة تردني فلم يرجع فأطلق الله الحمار حينئذ فسار حتى أشرف على بني إسرائيل فكان كلما أراد أن يدعو عليهم ينصرف لسانه إلى الدعاء لهم و إذا أراد أن يدعو لقومه انقلب دعاؤه عليهم .

    فقالوا له في ذلك فقال هذا شي‏ء غلب الله عليه و اندلع لسانه فوقع على صدره فقال الآن خسرت الدنيا و الآخرة .

    و لم يبق إلا المكر و الحيلة و أمرهم أن يزينوا النساء و يعطوهن السلع للبيع و يرسلوهن .


    [313]
    إلى العسكر و لا تمنع امرأة نفسها ممن يريدها و قال إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم .

    ففعلوا ذلك و دخل النساء عسكر بني إسرائيل فأخذ زمري بن شلوم و هو رأس سبط شمعون بن يعقوب امرأة و أتى بها إلى موسى (عليه السلام) فقال له أظنك تقول إن هذا حرام فو الله لا نطيعك ثم أدخلها خيمة فوقع عليها فأنزل الله عليهم الطاعون .

    و كان صحاح بن عيراد بن هارون صاحب عمه موسى غائبا فلما جاء رأى الطاعون قد استقر في بني إسرائيل و كان ذا قوة و بطش فقصد زمري فرآه مضاجع المرأة فطعنها بحربة بيده فانتظمها و رفع الطاعون .

    و قد هلك في تلك الساعة عشرون ألفا و قيل سبعون ألفا ثم إن موسى (عليه السلام) قدم يوشع (عليه السلام) إلى أريحا في بني إسرائيل فدخلها و قتل بها الجبارين و بقيت منهم بقية و قد قاربت الشمس المغرب فخشي أن يدركهم الليل فعجزوا فدعا الله أن يحبس عليهم الشمس ففعل و حبسها حتى استأصلهم و دخلهاموسى (عليه السلام) فأقام بها ما شاء الله أن يقيم و قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بغيره أحد من الخلق .

    و أما من زعم أن موسى (عليه السلام) كان توفي قبل ذلك فقال إن الله تعالى أمر يوشع بالمسير إلى مدينة الجبارين فسار ببني إسرائيل ففارقه رجل منهم يقال له بلعم بن باعوراء و كان يعرف الاسم الأعظم و ساق من حديثه نحو ما تقدم .

    فلما ظفر يوشع بالجبارين أدركه الماء ليلة السبت فدعا الله تعالى فرد الشمس عليه و زاد في الشمس ساعة فهزم الجبارين و دخل مدينتهم و جمع غنائمهم ليأخذها للقربان فلم تأت النار الحديث .

    تفسير علي بن إبراهيم أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ فإنه وقع الطاعون بالشام في بعض الكور فخرج منه خلق كثير كما حكى الله تعالى هربا من الطاعون فصاروا إلى مفازة فماتوا في ليلة واحدة كلهم فبقوا حتى كانت

    [314]
    عظامهم يمر بها المار فينحيها برجله عن الطريق ثم أحياهم الله و ردهم إلى منازلهم فبقوا دهرا طويلا ثم ماتوا و تدافنوا .

    القصص بالإسناد إلى الصدوق عن عبد الأعلى : أنه قال للصادق (عليه السلام) حديث يرويه الناس فقال ما هو قال يرون أن الله تعالى أوحى إلى حزقيل النبي أن أخبر فلان الملك أني متوفيك يوم كذا فأتى حزقيل الملك فأخبره بذلك قال فدعا الله تعالى على قومه و هو على سريره حتى سقط ما بين الحائط و السرير و قال أخرني حتى يشيب طفلي و أقضي أمري فأوحى الله إلى ذلك النبي أن ائت فلانا و قل إني أنسئ في عمره خمس عشرة سنة فقال النبي يا رب و عزتك إنك تعلم أني لم أكذب كذبة قط فأوحى الله إليه أنما أنت عبد مأمور فأبلغه .

    و عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ... الآية قال : هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام من بني إسرائيل و كانوا سبعين ألفا و كان الطاعون يقع فيهم في كل أوان فكانوا إذا أحسوا به خرج من المدينة الأغنياء و بقي فيها الفقراء لضعفهم فكان الموت يكثر في الذين أقاموا و يقل في الذين خرجوا فيقول الذين خرجوا لو كنا أقمنا لكثر فينا الموت فيقول الذين أقاموا لو كنا خرجنا لقل فينا الموت فاجتمع رأيهم جميعا على أنه إذا وقع الطاعون خرجوا كلهم من المدينة فلما أحسوا بالطاعون خرجوا جميعا و تنحوا عن الطاعون حذر الموت فساروا في البلاد ثم إنهم مروا بمدينة خربة أفنى أهلها الطاعون فلما أحطوا رحالهم قال لهم الله موتوا جميعا فماتوا و صاروا رميما فمر بهم نبي من الأنبياء يقال له حزقيل فرآهم و بكى و قال يا رب لو شئت أحييتهم الساعة فأحياهم الله .

    كتاب المحاسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : لما خرج ملك القبط يريد هدم بيت المقدس اجتمع الناس إلى حزقيل النبي فشكوا ذلك إليه فقال لعلي أناجي ربي الليلة فلما جنه الليل ناجى ربه فأوحى الله إليه أني قد كفيتهم و كانوا قد مضوا

    [315]
    فأوحى الله إلى ملك الهواء أن أمسك عليهم أنفاسهم فماتوا كلهم و أصبح النبي و أخبر قومه فخرجوا فوجدوهم قد ماتوا و دخل حزقيل النبي العجب فقال في نفسه ما فضل سليمان النبي علي و قد أعطيت مثل هذا قال فخرجت قرحة على كبده و أذنه فخشع لله و تذلل و قعد على الرماد فأوحى الله إليه أن خذ لبن التين فحكه على صدرك من خارج ففعل فسكن عنه ذلك .

    و روي عن الشيخ أحمد بن فهد في المهذب و غيره بأسانيدهم إلى المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : يوم النيروز هو الذي أحيا الله فيه القوم الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ و ذلك أن نبيا من الأنبياء سأل ربه أن يحيي القوم الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فأماتهم الله فأوحى الله إليه أن صب عليهم الماء في مضاجعهم فصب عليهم الماء في ذلك اليوم فعاشوا ثلاثون ألفا فصار صب الماء في يوم النيروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون .

    أقول : لا يتوهم من هذه الأخبار عدم جواز الفرار من الطاعون و ذلك أن الآجال إذا تقاربت لا ينفع الفرار و عدمه .

    و قد وردت الأخبار متظافرة في الأمر بالفرار منه و لم يعارضها إلا ما .

    روي من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف .

    و لما سئل الصادق (عليه السلام) عن معناه قال : إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في جماعة كانوا في الثغور بإزاء العدو و كانوا إذا فروا من الطاعون زحف العدو على أرض المسلمين و استولى عليها .

    يعني أن هذا الكلام متوجه إلى جماعة مخصوصين يلزم من فرارهم من الطاعون الفساد و الانفتال في الدين و استلال على المسلمين .

    و قد حققنا الكلام و أوردنا الأخبار في هذا الباب في رسالتنا الموسومة بمسكن الشجون في حكم الفرار من الطاعون .

    و أما إسماعيل الذي سماه الله صادق الوعد فقال فيه وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا .


    [316]
    معاني الأخبار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إن إسماعيل الذي قال الله عز و جل في كتابه وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا لم يكن إسماعيل بن إبراهيم بل كان نبيا من الأنبياء بعثه الله عز و جل إلى قومه فأخذوه و سلخوا فروة رأسه و وجهه فأتاه ملك فقال إن الله جل جلاله بعثني إليك فمرني بما شئت فقال لي أسوة بما يصنع بالحسين.

    و في قصص الأنبياء عن الصادق (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن أفضل الصدقة صدقة اللسان تحقن بها الدماء و تدفع بها الكريهة و تجر المنفعة إلى أخيك المسلم ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) إن عابد بني إسرائيل الذي كان أعبدهم كان يسعى في حوائج الناس عند الملك و إنه لقي إسماعيل بن حزقيل فقال لا تبرح حتى أرجع إليك يا إسماعيل فأبقي عند الملك فبقي إسماعيل إلى الحول هناك فأنبت الله لإسماعيل عشبا فكان يأكل منه و أجرى له عينين و أظله بغمام فخرج الملك بعد ذلك إلى التنزه و معه العابد فرأى إسماعيل فقال إنك لهاهنا يا إسماعيل فقال له قلت لا تبرح فلم أبرح فسمي صادق الوعد قال و كان جبار مع الملك كذب هذا العبد و قال بربرت بهذه البرية فلم تقول إني هاهنا فقال له إسماعيل إن كنت كاذبا فنزع الله صالح ما أعطاك قال فتناثرت أسنان الجبار فقال الجبار إني كذبت على هذا العبد الصالح فاطلب أن يدعو الله أن يرد أسناني فإني شيخ كبير فطلب إليه الملك فقال إني أفعل قال الساعة قال لا قال و أخره إلى السحر ثم دعا ثم قال إن أفضل ما دعوتم الله بالأسحار قال الله تعالى وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ و في حديث آخر أنه (عليه السلام) قال لمن وعده لو لم يجئني لكان منه المحشر فأنزل الله وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ .

    كامل الزيارة بإسناده إلى بريد العجلي قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يا ابن رسول الله أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ

    [317]
    إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ أكان إسماعيل بن إبراهيم فإن الناس يزعمون أنه إسماعيل بن إبراهيم فقال (عليه السلام) إن إسماعيل مات قبل إبراهيم و إن إبراهيم كان حجة الله على خلقه فإلى من أرسل إسماعيل إذا قلت فمن كان قال إسماعيل بن حزقيل النبي بعثه الله إلى قومه فكذبوه و قتلوه و سلخوا فروة رأسه و جلدة وجهه فغضب الله عليهم فوجه سطاطائيل ملك العذاب فقال له يا إسماعيل أنا ملك العذاب وجهني رب العزة إليك لأعذب قومك بأنواع العذاب إن شئت فقال له إسماعيل لا حاجة لي في ذلك يا سطاطائيل فأوحى الله إليه ما حاجتك يا إسماعيل فقال إسماعيل يا رب إنك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبية و لمحمد بالنبوة و لأوصيائه بالولاية و أخبرت خلقك بما يفعل بالحسين بن علي من بعد نبيها و إنك وعدت الحسين أن تكره إلى الدنيا حتى ينتقم ممن فعل ذلك به فحاجتي إليك يا رب أن تكرني إلى الدنيا حتى أنتقم ممن فعل بي كما تكرالحسين (عليه السلام) فوعد إسماعيل بن حزقيل ذلك فهو يكر مع الحسين بن علي (عليه السلام) .

    و أما قصة إلياس و إليا و اليسع (عليه السلام) .

    الكافي عن المفضل بن عمر قال : أتينا باب أبي عبد الله (عليه السلام) و نحن نريد الإذن فسمعناه يتكلم بكلام ليس بالعربية فتوهمنا أنه بالسريانية ثم بكى فبكينا لبكائه ثم خرج إلينا الغلام فأذن لنا فدخلنا عليه فقلت أصلحك الله سمعناك تتكلم بكلام ليس بالعربية ثم بكيت فبكينا فقال نعم ذكرت إلياس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كان من عباد بني إسرائيل فقلت كما كان يقول في سجوده ثم اندفع فيه بالسريانية فما رأينا و الله قسيسا و لا جاثليقا أفصح لهجة منه ثم فسره لنا بالعربية فقال كان يقول في سجوده أ تراك معذبي بنارك و قد أظمأت لك هواجري أ تراك معذبي و قد عفرت لك في التراب وجهي أ تراك معذبي و قد اجتنبت لك المعاصي أ تراك معذبي و قد أسهرت لك ليلي فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني غير معذبك

    [318]
    قال فقال إن قلت لا أعذبك ثم عذبتني ما ذا أ لست عبدك و أنت ربي فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني غير معذبك فإني إذا وعدت وعدا وفيت به .

    قصص الأنبياء عن ابن عباس قال : إن يوشع بن نون بوأ بني إسرائيل الشام بعد موسى (عليه السلام) و قسمها بينهم فسار منهم سبط ببعلبك بأرضها و هو السبط الذي منه إلياس النبي (عليه السلام) فبعثه الله إليهم و عليهم يومئذ ملك فتنهم بعبادة صنم يقال له بعل و ذلك قوله وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ فكذبوه و كان للملك زوجة فاجرة يستخلفها إذا غاب فتقضي بين الناس و كان لها كاتب حكيم قد خلص من يدها ثلاثمائة مؤمن كانت تريد قتلهم و لم يعلم على وجه الأرض أنثى أزنى منها و قد تزوجت سبعة ملوك من بني إسرائيل حتى ولدت تسعين ولدا سوى ولد ولدها و كان لزوجها جار صالح من بني إسرائيل و كان له بستان يعيش به إلى جانب قصر الملك يكرمه فسافر مرة فاغتنمت امرأته فقتلت العبد الصالح و أخذت بستانه غصبا من أهله و كان ذلك سبب سخط الله عليهم فلما قدم زوجها أخبرته الخبر فقال لها ما أصبت فبعث الله إلياس النبي يدعوهم إلى عبادة الله فكذبوه و طردوه و دعاهم إلى الله فلم يزدهم إلا طغيانا فآلى الله على نفسه أن يهلك الملك و الزانية إن لم يتوبوا إليه و أخبرهما بذلك فاشتد غيضهم عليه و هموا لتعذيبه فهرب منهم و لحق بالجبل فبقي سبع سنين يأكل من نبات الأرض فأمرض الله ابنا للملك و كان أعز ولده فاستشفعوا إلى عبدة الأصنام ليشفعوا له فلم ينفع فبعثوا الناس إلى الجبل الذي فيه إلياس فكانوا يقولون اهبط إلينا و اشفع لنا فنزل إلياس من الجبل و قال إن الله أرسلني إليكم و إلى من وراءكم فاسمعوا رسالة

    [319]
    ربكم يقول ارجعوا إلى الملك فقولوا إني أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل أضرهم و أنفعهم و تطلب الشفاء لابنك من غيري فلما صاروا إلى الملك و قصوا عليه القصة امتلأ غيظا فقال لهم ما الذي منعكم أن تقتلوه فإنه عدوي قالوا قذف في قلوبنا الرعب فندب خمسين من قومه و أوصاهم بالاحتيال له و إطماعه في أنهم آمنوا به ليغتر بهم فيمكنهم من نفسه فانطلقوا إلى الجبل الذي فيه إلياس فنادوا يا نبي الله ابرز لنا فإنا آمنا بك فطمع في إيمانهم فقال اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي بالنزول إليهم و إن كانوا كاذبين فارمهم بنار تحرقهم فما استتم كلامه حتى رموا بالنار فاحترقوا فبلغ الملك خبرهم فاشتد غيظه و انتدب كاتب امرأته المؤمن و بعث معه جماعة إلى الجبل و قال له قد آن أن نتوب فقل له يرجع إلينا و يأمرنا و ينهانا بما يرضي ربنا و أمر قومه فاعتزلوا الأصنام فانطلق الكاتب و من معه إلى الجبل ثم ناداه فعرف الناس صوته فأوحى الله إليه أن ابرز إلى أخيك الصالح و صافحه فقال المؤمن بعثني إليك هذا الطاغي و قص عليه ما قالوا ثم قال و إني لخائف إن رجعت إليه و لست معي أن يقتلني فأوحى الله عز و جل إلى إلياس أن كل شي‏ء جاءك منهم خداع ليظفروا بك و أني أشغله عن هذا المؤمن بأن أميت ابنه فلما قدموا عليه أخذ الموت ابنه و رجع إلياس سالما إلى مكانه فلما ذهب الجزع عن الملك سأل الكاتب عن الذي جاء به فقال ليس لي علم به ثم إن إلياس نزل و استخفى عند أم يونس بن متى ستة أشهر و يونس مولود ثم عاد إلى مكانه فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات ابنها حين فطمته فعظم مصابها فخرجت في طلب إلياس و رقت الجبال حتى وجدت إلياس فقالت إن فجعت بموت ابني و ألهمني الله تعالى الاستشفاع بك إليه ليحيي لي ابني فإني تركته بحاله و لم أدفنه و أخفيت مكانه فقال لها و متى مات ابنك قالت اليوم سبعة أيام فانطلق إلياس و سار سبعة أيام أخرى حتى انتهى إلى منزلها فدعا الله سبحانه حتى أحيا الله بقدرته يونس (عليه السلام) فلما عاش انصرف إلياس .


    [320]
    و لما صار أربعين سنة أرسله الله إلى قومه كما قال وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ثم أوحى الله تعالى إلى إلياس بعد سبع سنين من يوم أحيا الله يونس سلني أعطك فقال تميتني فتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل و أبغضتهم فيك فقال الله تعالى ما هذا اليوم الذي أعري الأرض منك و أهلها و إنما قوامها بك و لكن سلني أعطك فقال إلياس فأعطني ثأري من الذين أبغضوني فيك فلا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي فاشتد على بني إسرائيل الجوع و ألح عليهم البلاء و أسرع الموت فيهم و علموا أن ذلك من دعوة إلياس ففزعوا إليه و قالوا نحن طوع يدك فهبط إلياس معهم و معه تلميذ له اليسع و جاء النبي الملك فقال قتلت بني إسرائيل بالقحط فقال قتلهم الذي أغواهم فقال ادع ربك ليسقيهم فلما جن الليل عاد إلياس و دعا الله فقال لليسع انظر في أكناف السماء ما ذا ترى فرأى سحابة فقال أبشروا بالسقاء فليحرروا أنفسهم و أموالهم من الغرق فأمطر الله عليهم السماء و أنبت لهم الأرض فقام إلياس بين أظهرهم و هم صالحون ثم أدركهم الطغيان و البطر فجحدوا حقه و تمردوا فسلط الله عليهم عدوا قصدهم و لم يشعروا به حتى رهقهم فقتل الملك و زوجته و ألقاهما في بستان الذي قتلته زوجة الملك ثم وصى إلياس إلى اليسع و أنبت الله لإلياس الريش و ألبسه النور و رفعه إلى السماء و قذف بكسائه من الجو على اليسع فنبأه الله على بني إسرائيل و أوحى الله إليه و أيده فكان بنو إسرائيل يعظمونه (صلى الله عليه وآله وسلم) و يهتدون بهداه .

    و قال الشيخ الطبرسي اختلف في إلياس فقيل هو إدريس (عليه السلام) و قيل هو من أنبياء بني إسرائيل من ولد هارون بن عمران ابن عم اليسع و هو إلياس بن يسع بن فنحاس بن العيزار بن هارون بن عمران .


    [321]
    عن ابن عباس و محمد بن إسحاق و غيرهما قالوا إنه بعث بعد حزقيل لما عظمت الأحداث في بني إسرائيل. و كان يوشع لما فتح الشام بوأها بني إسرائيل و قسمها بينهم فأحل سبطا منهم ببعلبك و هم سبط إلياس بعث فيهم نبيا إليهم فأجابه الملك ثم إن امرأته حملته على الخلاف لإلياس و طلبته لتقتله فهرب إلى الجبال و البراري و استخلف اليسع على بني إسرائيل و رفعه الله ما بين أظهرهم و قطع عنه لذة الطعام و الشراب و كساه الريش فصار إنسيا ملكيا أرضيا سماويا و سلط الله على الملك و قومه عدوا لهم فقتلهم و بعث الله اليسع رسولا إلى بني إسرائيل فآمنوا به .

    و قيل : إن إلياس صاحب البراري و الخضر صاحب الجزائر و يجتمعان في كل يوم عرفة بعرفات و ذكر وهب أنه ذو الكفل و قيل هو الخضر (عليه السلام) .

    الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليكم بالكرفس فإنه طعام إلياس و اليسع و يوشع بن نون (عليه السلام) .

    و فيه عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) بينا أبي (عليه السلام) يطوف بي الكعبة إذا رجل متعجر فقطع عليه أسبوعه حتى أدخله دارا جنب الصفا فأرسل إلي فكنا ثلاثة فقال مرحبا يا ابن رسول الله ثم قال إن شئت أخبرني و إن شئت أخبرتك قال أشاء قال إياك أن تنطق لسانك عن مسألتي بأمر تضمر لي غيره قال إنما يفعل ذلك من في قلبه علمان يخالف أحدهما صاحبه فإن الله عز و جل أبى أن يكون له علم فيه اختلاف قال هذه مسألتي و قد فسرت طرفا منها أخبرني عن هذا العلم الذي ليس فيه اختلاف من يعلمه قال أما جملة العلم فعند الله سبحانه و أما ما لا بد منه فعند الأوصياء قال ففتح الرجل عجرته و استوى جالسا و تهلل وجهه و قال هذه أردت زعمت أن علم ما لا اختلاف فيه عند الأوصياء فكيف يعلمونه قال كما كان رسول الله يعلم إلا أنهم لا يرون ما كان رسول الله يرى لأنه كان نبيا و هم محدثون و أنه كان يسمع الوحي و هم لا يسمعون فقال صدقت يا ابن رسول الله أخبرني عن هذا العلم

    [322]
    ما له لا يظهر كما كان يظهر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال فضحك أبي (عليه السلام) و قال أبى الله أن يطلع على علمه إلا ممتحنا للإيمان به كما قضى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصبر على أذى قومه و لا يجابههم إلا بأمره فكم من اكتتام قد اكتتم به حتى قيل له فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ و ايم الله لو صدع قبل ذلك لكان آمنا و لكنه إنما نظر في الطاعة و خاف الخلاف فلذلك كذب فوددت أن عينك تكون مع مهدي هذه الأمة و الملائكة بسيوف آل داود بين السماء و الأرض يعذب أرواح الكفرة من الأموات و يلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء ثم أخرج سيفا ثم قال ها إن هذا منها فقال أبي إي و الذي اصطفى محمدا على البشر قال فرد الرجل اعتجاره و قال أنا إلياس ما سألتك عن أمرك و لي منه جهالة غير أني أحببت أن يكون هذا الحديث قوة لأصحابك .

    المناقب لابن شهرآشوب المازندراني روي عن أنس : أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سمع صوتا من قلة جبل اللهم اجعلني من الأمة المرحومة المغفورة فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا بشيخ أشيب قامته ثلاثمائة ذراع فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عانقه ثم قال إني آكل في كل سنة مرة و هذا أوانه فإذا هو بمائدة نزلت من السماء فأكلا و كان إلياس (عليه السلام) .


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب الثاني عشر في قصص موسى و هارون على نبينا و آله و عليهم السلام و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 12:53 pm



    و أما قصص ذي الكفل (عليه السلام)


    فقال تعالى : وَ إِسْماعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَ أَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِين .


    قصص الأنبياء بالإسناد إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إن ذا الكفل كان رجلا من حضرموت و اسمه عويديا بن أديم .

    و لما كبر اليسع (عليه السلام) قال إني استخلفت رجلا يعمل على الناس في حياتي فانظر

    [323]
    كيف يعمل فجمع الناس فقال لهم من يتقبل مني ثلاثا أستخلفه بعدي أن يصوم النهار و يقوم الليل و لا يغضب فقام رجل تزدريه الأعين فقال أنا و كان نبيا و كان يقضي أول النهار .

    فقال إبليس لأتباعه من له فقال واحد منهم يقال له الأبيض أنا فقال إبليس فاذهب إليه لعلك تغضبه .

    فلما انتصف النهار جاء الأبيض إلى ذي الكفل و قد أخذ مضجعه فصاح و قال إني مظلوم فقال قل له تعال فقال لا انصرف قال فأعطاه خاتمه فقال اذهب و أتني بصاحبك فذهب حتى إذا كان من الغد جاء إلى تلك الساعة التي أخذ هو مضجعه فصاح إني مظلوم و إن خصمي لم يلتفت إلى خاتمك فقال له الحاجب ويحك دعه ينم فإنه لم ينم البارحة و لا أمس قال لا أدعه ينام و أنا مظلوم فدخل الحاجب و أعلمه فكتب إليه كتابا و ختمه و دفعه إليه فذهب حتى إذا كان من الغد حين أخذ مضجعه جاء فصاح فقال ما التفت إلى شي‏ء من أمرك و لم يزل يصيح حتى قام و أخذ بيده في يوم شديد الحر لو وضعت فيه بضعة لحم على الشمس لنضجت .

    فلما رأى الأبيض ذلك انتزع يده من يده و يئس منه أن يغضب .

    فأنزل الله تعالى قصته على نبيه ليصبر على الأذى كما يصبر الأنبياء (عليهم السلام) على البلاء .

    و عن عبد العظيم الحسني قال كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) عن ذي الكفل ما اسمه و هل كان من المرسلين .

    فكتب (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث الله تعالى جل ذكره مائة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي المرسلون منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا و أن ذا الكفل منهم (صلى الله عليه وآله وسلم) و كان بعدسليمان (عليه السلام) و كان يقضي بين الناس كما كان يقضي داود (عليه السلام) و لم يغضب إلا لله عز و جل و كان اسمه عويديا .

    و قال الشيخ الطبرسي و أما ذو الكفل فاختلف فيه .

    فقيل إنه كان رجلا صالحا و لم يكن نبيا و لكنه تكفل لنبي صوم النهار و قيام

    [324]
    الليل و أن لا يغضب و يعمل بالحق فوفى بذلك فشكر الله ذلك له و كان نبيا و سمي ذا الكفل بمعنى أنه ذو الضعف فله ثواب غيره ممن هو في زمانه لشرف عمله .

    و قال الثعلبي في كتاب العرائس و قال بعضهم ذو الكفل بشر بن أيوب الصابر (عليه السلام) بعثه الله بعد أبيه رسولا إلى الروم فآمنوا ثم إن الله تعالى أمرهم بالجهاد فأبوا و قالوا يا بشر إنا نحب الحياة و نكره الموت و مع ذلك نكره أن نعصي الله و رسوله فإن سألت الله أن يطيل أعمارنا و لا يميتنا إلا إذا شئنا لنعبده و نجاهد أعداءه فقال لهم بشر لقد سألتموني عظيما. ثم قام و صلى و دعا و قال إلهي أمرتني أن أجاهد أعداءك و أنت تعلم أني لا أملك إلا نفسي و أن قومي سألوني ما أنت أعلم به مني فلا تأخذني بجريرة غيري فأوحى الله تعالى إليه أني قد سمعت مقالة قومك و أني قد أعطيتهم ما سألوني فلا يموتون إلا إذا شاءوا فكن كفيلا لهم مني فبلغهم بشر رسالة الله فسمي ذا الكفل .

    ثم إنهم توالدوا و كثروا و نموا حتى ضاقت بهم بلادهم و تنغصت عليهم معيشتهم و تأذوا بكثرتهم فسألوا بشرا أن يدعو الله تعالى أن يردهم إلى آجالهم فأوحى الله تعالى إلى بشر أ ما علم قومك أن اختياري لهم خير من اختيارهم لأنفسهم ثم ردهم إلى أعمارهم فماتوا بآجالهم. قال فلذلك كثرت الروم حتى يقال إن الدنيا خمسة أسداسها الروم و سموا روما لأنهم نسبوا إلى جدهم روم بن عيص بن إبراهيم .

    و كان بشر بن أيوب مقيما بالشام حتى مات و كان عمره خمسا و تسعين سنة .

    و قال السيد بن طاوس في سعد السعود قيل إنه تكفل الله جل جلاله أن لا يبغضه قومه فسمي ذا الكفل .

    و قيل : تكفل لنبي من الأنبياء أن لا يغضب فاجتهد إبليس أن يغضبه بكل طريق فلم يقدر فسمي ذا الكفل لوفائه لنبي زمانه أن لا يغضب .


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 25, 2018 3:43 pm