منتديات أطياب العراق

اهلا وسهلا بكم في منتدياتكم منتديات أطياب العراق

منتديات أطياب العراق اسلاميه اجتماعيه ثقافيه سياسيه رياضيه ترفيهيه والمزيد...........

  اعلان هام جدا     " ان منتديات أطياب العراق بحاجه الى اعضاء ومشرفين فمن يجد في نفسه القدره على ذلك ماعليه سوى التسجيل في المنتدى ثم كتابه شيء بسيط من سيرته الذاتيه في قسم الشكاوي والاقتراحات وان واجه اي مشكله في التسجيل يمكنه طرح مايريد في منتدى الزوار والذي يقع داخل قسم الشكاوي والاقتراحات (علما ان الترشيح لكلا الجنسين). "       الاداره

    القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    شاطر
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 6:58 pm

    القرآن في مدرسة اهل البيت

    السيد هاشم الموسوي


    كلمة المركز


    القرآن الكريم هو مصدر الشريعة الالهية ورسالة اللّه الاخيرة للانسان، ولانه الرسالة الخالدة فقد تعامل معه المسلمون على مر الاجيال فكان النبع والمصدر في التشريع واستنباط الاحكام..

    ولكن اذا كان القرآن هو النص المكتوب بلغته العربية وبنسخته الوحيدة المتفق على سلامتها لدى جميع المسلمين فلماذا حدثت كل هذه الاختلافات، ولماذا ظهرت مختلف الاتجاهات الفكرية والعقيدية ؟! فالمشكلة اذن تعود الى تعدد الوسائل والرؤى في التعامل مع القرآن وقراءته.. وتكمن في فهم النص القرآني واكتشاف الحقيقة المستورة.

    كان الرسول(ص) هو الذي يفسر القرآن للذين آمنوا به واتبعوه..

    وبعد التحاقه بالرفيق الاعلى.. من الذي سينبري للنهوض بهذه المهمة؟ كثيرون تلقوا الايات في زمن النبي(ص) وعرفوا دلالات بعض نصوص القرآن، ولكن هل كانوا متساوين في الوعي والادراك؟ وهل تلقوا تفسير القرآن كله؟ ان منطق العقل يؤكد ان اكثر الناس قربا من النبي(ص) هم اهل بيته.. وهذا ابن عمه علي بن ابي طالب الذي نشا في احضان النبي(ص).. وتشرب كلماته قبل البعثة وبعدها، فاهل البيت(ع) تشربوا آيات القرآن وادركوا اسراره، ولقد قال اللّه تعالى في القرآن (لا يمسه الا المطهرون).

    وقال سبحانه ايضا: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا).

    فهناك اذن آصرة قوية تجمع بين القرآن الكريم واهل البيت(ع). وهي الاصرة التي اشار النبي(ص) اليها بقوله: «اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي».

    وهذه الاصرة لاتتوقف ولا تنتهي وانما تمتد لتواكب حركة الزمن، فالقرآن الكريم رسالة اللّه يشرحها النبي(ص) وآل النبي(ص) وفي غير هذه الحالة سوف تتاثرالقراءة كنص موضوعي بالحالة الذاتية للقارىء والمفسر وما يرتبط بها من مستويات الوعي والادراك والرؤية الشخصانية.

    هذا ويسر مركز الغدير ان يقدم الى القارىء الكريم هذه الدراسة الوافية في موضوع حساس ومصيري متمنيا للجميع اكتشاف الحقيقة والسير في طريق الحق.

    مركز الغدير


    المقدمه


    الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

    (ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم) لم تشهد البشرية في تاريخ حياتها حدثا على سطح هذا الكوكب كحدث نزول القرآن، ولم يكن من وصل بين عالم الغيب والشهادة يستضاء به في دنيا الانسان غير نورالوحي المستودع في كتاب اللّه الحق.

    هبط القرآن وحيا على الهادي محمد(ص) لينير الدرب ويهدي اجيال الانسان.

    وهكذا كان فقد حدثت المعجزة واكتمل الوحي، وحمل النبي(ص) كلمة اللّه يؤازره من آمن وصدق، يبشرون بها لانقاذ الانسان من ظلمات الجهل والجاهلية، وتحطيم الطاغوت، واحداث عملية التغيير الشامل، فكان القرآن منطلق الحضارة، ومبعث النور، وداعية العلم والعقل.

    لقد احدث القرآن انقلابا فكريا وحضاريا عميقا وشاملا في حياة البشرية، وقاد الانسان في طريق العقل والعلم والاخلاق، فحقق بذلك انسانية الانسان، وعلمه كيف يفكر تفكيرا علميا، وكيف يحيى انسانا اخلاقيا.

    وهذا الوحي الالهي الذي حوى بين جنبيه كنوز العلم، وآفاق المعرفة، قد جاء خطابا بلغة الانسان، وكانت بيئة الخطاب، ولسان النبي المخاطب، هي العربية، وهي ارقى ماعرف الانسان من لغات التعبير، فكان النص الالهي بصياغته العربية المعجزة موضع اهتمام المسلمين، حفظا وقراءة وتفسيرا، منذ عهد النبوة وجيل الصحابة والتابعين، وحتى يومنا الحاضر، وسيمتد ويتصاعد هذا الاهتمام كلما تقدم الانسان في فتوحات العلم، واستنار عقله ووعيه.

    لقد حفظ اللّه سبحانه هذا القرآن من التحريف والتزييف، وتعهد بذلك بقوله سبحانه: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) لقد آمن المسلمون ان القرآن هو مصدر الفكر والاحكام والتشريع، فمنه يستوحي الانسان اصول العقيدة، وتستنبط احكام الشريعة، ومفاهيم الحضارة، ومنهاج الحياة، ومعايير السلوك والاخلاق.

    وعلى امتداد آفاق الاتجاهات الفكرية والمنهجية، امتد التعامل مع القرآن، والاستدلال به بشكل افرز مناهج ومذاهب متعددة ومتباينة للتعامل مع القرآن وفهم دلالته، ومن هنا حدثت المشكلة الفكرية الكبرى بين المسلمين مشكلة فهم القرآن، والاستنباط منه، وتحديد الضوابط والمراجع التي يصار اليها عند وقوع الخلاف لحسمه.

    وكان الرسول(ص) في عصر الوحي والدعوة، هو المبلغ والمبين لما خفي من كتاب اللّه تعالى، فتلقى عنه جيل الصحابة هذا البيان والتفسير عن طريق القول والفعل، غيران درجات الفهم والتلقي تختلف من صحابي لاخر، لذا برز منهم قراء ومفسرون ومفتون، امثال اءبي وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس وغيرهم، ومما اءجمع المسلمون عليه ان اعلم المسلمين بالكتاب والسنة بعد رسول اللّه(ص) هو الامام علي(ع)، لذا آمنت شيعة آل البيت(ع) ان المرجع في فهم القرآن بعد النبي(ص) هوالامام علي(ع)، ويؤكد هذه الحقيقة قول رسول اللّه(ص): «اني اوشك ان ادعى فاءجيب واني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه (عزوجل) وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، وان اللطيف الخبير اخبرني انهما لن يفترقاحتى يردا علي الحوض، فانظروا بم تخلفوني فيهما».

    كما جاء في الروايات الصحاح ان رسول اللّه(ص) قرا الاية الكريمة (وتعيها اذن واعية) ثم التفت الى علي فقال: «سالت اللّه ان يجعلها اذنك».

    فقال علي(ع): «فما سمعت شيئا من رسول اللّه فنسيته».

    وحين تعددت المذاهب والاراء والمدارس الفكرية برزت مدرسة اهل البيت(ع) منارا يضيء الدرب للسائرين ومنهلا ياوي اليه رواد العلم والحقيقة: وكتابنا هذا(القرآن في مدرسة اهل البيت(ع)) هو محاولة فكرية للتعريف بالمنهج الذي استوحاه العلماء من علوم ومعارف اهل البيت(ع) في فهم القرآن والاستفادة منه.

    ومن المفيد ان نعرف اذا بالعنوان الذي اخترناه لهذا الكتاب، وهو: (القرآن في مدرسة اهل البيت(ع)).

    ان المقصود باهل البيت(ع) هم علي وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ذرية الحسين، وهم علي بن الحسين (السجاد) ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمدالصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد،وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي عليهم السلام جميعا.

    وما نقصده بمدرسة اهل البيت(ع) هو ذلك الصرح العلمي والمنهجي الشامخ الذي شاده ائمة اهل البيت(ع) على اساس الكتاب والسنة، وتوارثوه ابنا عن اب عن رسول اللّه(ص).

    وذلك ما يوضحه قول الامام الصادق(ع): «حديثي حديث ابي، وحديث ابي حديث جدي، وحديث جدي حديث ابيه، وحديث ابيه حديث علي بن ابي طالب، وحديث علي حديث رسول اللّه(ص) وحديث رسول اللّه(ص) قول اللّه عزوجل».

    وقول الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) للسائل الذي ساله:

    «بم يفتي الامام، قال:بالكتاب، قال: فان لم يجد، قال بالسنة،...».

    وقول الامام الباقر(ع): «يا جابر لو كنا نفتي الناس براينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنانفتيهم بثار من رسول اللّه(ص) واصول علم عندنا، نتوارثها كابرا عن كابر، نكنزهاكما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم».

    وهكذا فان الاساس الذي بنى عليه ائمة اهل البيت(ع) العلوم والمعارف الاسلامية التي افاضوها هو الكتاب والسنة النبوية المطهرة.

    وهكذا نفهم ايضا ان الكتاب العزيز هو المصدر الاول في علوم ومعارف هذه المدرسة العلمية الخالدة.

    وكما هو واضح فان فهم الكتاب والاستنباط منه استنباطا معبرا عما يحوي الكتاب من علم واقعي يحتاج الى احاطة علمية كاملة وسلامة منهج، لذا كان من جملة ما افاضه ائمة اهل البيت(ع) من علم ومعرفة هو علم التفسير والتاويل، ومنهج فهم القرآن.

    وجدير ذكره ان ائمة اهل البيت(ع) قد اسسوا منهج فهم القرآن على اساس من القرآن ذاته.

    وحين تعددت مناهج الفهم ومذاهب الاستفادة والاستنباط من القرآن بعد رحيل الرسول الاكرم محمد(ص) تصدى ائمه اهل البيت(ع) ومن لدن علي، وحتى آخرهم لمهمة تفسير القرآن وبيان مافيه من فقه وعلوم ومعارف.

    وقد حاولنا في كتابنا هذا (القرآن في مدرسة اهل البيت(ع)) ان نتبع المنهج العلمي في عرض الاراء والتعريف بوجهات النظر المتعددة حول قضايا القرآن وطريقة فهمه، لنعرف بمنهج اهل البيت(ع) او قل بمنهج القرآن، في فهم القرآن، لنساهم في خدمة هذا الكتاب الالهي الخالد، وتكوين الرؤية العلمية لفهم القرآن، فنحن احوج ما نكون الى فهم الاسس السليمة للتعامل مع القرآن، وفهم دلالته.

    سائلين المولى العلي القدير ان يتقبل هذا الجهد، ويسدد للصواب بمنه، انه سميع مجيب.

    المؤلف 7 / جمادى الاولى / 1419 هـ
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 7:01 pm



    الوحي

    تعريف الوحي: الوحي في اللغة: عرف اللغويون الوحي بقولهم:
    «اصل الوحي:

    الاشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: امر وحي، وذلك يكون بالكلام، وعلى سبيل الرمز والتعريض،وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وباشارة بعض الجوارح وبالكتابة... ويقال للكلمة الالهية التي تلقى الى انبيائه واوليائه وحي . وذلك اضرب حسبما دل عليه قوله(وما كان لبشر ان يكلمه اللّه الا وحيا...) الى قوله (باذنه من يشاء).

    وذلك اما برسول مشاهد ترى ذاته، ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل(ع) للنبي في صورة معينة، واما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى(ع) كلام اللّه، واما بالقاء في الروع، كما ذكر عليه الصلاة والسلام: ان روح القدس نفث في روعي، واما بتسخيرنحو قوله: (واوحى ربك الى النحل)، او بمنام كما قال عليه الصلاة والسلام: «انقطع الوحي وبقيت المبشرات، رؤيا المؤمن، فالالهام والتسخير والمنام...»((1)).

    وعرف الشيخ المفيد الوحي فقال: (اصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق على كل شيء قصد به الى افهام المخاطب على السر له عن غيره، والتخصيص له به دون من سواه، واذا اءضيف الى اللّه تعالى كان فيما يخص به الرسل(ص) خاصة دون من سواهم على عرف الاسلام وشريعة النبي...)((2)).

    وتحدث المفسر الامامي الكبير الطبرسي عن الوحي فعرفه بقوله: (الايحاء: هو القاءالمعنى الى الغير على وجه يخفى، والايحاء الارسال الى الانبياء، نقول اوحى اللّه اليه، اي ارسل اليه ملكا. والايحاء الالهام، ومنه قوله تعالى: (واوحى ربك الى النحل).

    وقوله: (بان ربك اوحى لها): معناه القى اليها معنى ما اراد منها، قال العجاج: اوحى اليها القرار فاستقرت. وشدها بالراسيات الثبت.

    والايحاء: الايماء، قال: فاوحت الينا والانامل رسلها.

    ومنه قوله تعالى: (فاوحى اليهم ان سبحوه بكرة وعشيا) اي اشار اليهم. والوحي الكتابة. قال رؤبة: لقدر كان وحاه الواحي.

    وقال: في سور من ربنا موحية. والقلم الذي يكتب به. والقلم الذي يجال بين القوم)((3)).

    وبهذا الاستعراض من اساطين العلم واللغة، نعرف ان معنى الوحي في اللغة، هو القاء المعنى الى الغير بطريقة السر والخفاء بين الملقي، والملقى اليه.

    الوحي في الاصطلاح:

    وكلمة الوحي هي مصطلح قرآني من اعرق واهم المصطلحات الاسلامية في مجال الفكر والعقيدة، ويشكل الايمان به القاعدة الاساسية للايمان بالانبياء والرسل(ع)، وقد استعملها القرآن بهذا المعنى في موارد عديدة، كما جاءت في السنة المطهرة وعلى السن العلماء الاسلاميين، وهو الوحي الى الانبياء والرسل.

    وهو المعنى المتبادر الى ذهن الانسان المسلم من استعمال هذه الكلمة، كقوله تعالىSadولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه).

    وكقوله تعالى: (واءوحي الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ)((4)). وقد اوضح الشيخ المفيد الاستعمال الاصطلاحي لكلمة وحي بقوله: (اذا اضيف «الوحي» الى اللّه تعالى كان فيما يخص به الرسل صلى اللّه عليهم خاصة دون من سواهم على عرف الاسلام وشريعة النبي(ص))((5)).

    وهذا الصنف من الوحي الالهي الى البشر قد انقطع بوفاة نبينا محمد(ص) ولتاكيد هذاالمعتقد الضروري في الاسلام قال الشيخ المفيد: (...والاتفاق على انه من زعم ان احدابعد نبينا محمد(ص) يوحى اليه فقد اخطا وكفر، ولحصول العلم بذلك من دين النبي(ص)...)((6)).

    ثم يوضح المعنى الاصطلاحي للوحي، ويفصله عن غيره، رغم استعمال نفس اللفظ بقوله: (وقد يري اللّه سبحانه وتعالى في المنام خلقا كثيرا ما يصح تاويله، وتثبت حقيقته، لكنه لا يطلق بعد استقرار الشريعة عليه اسم الوحي، ولا يقال في هذا الوقت لمن طبعه اللّه على علم شيء انه يوحى اليه...)((7)). وقد جاء في توضيح المعنى الاصطلاحي ايضا:

    (واما تفسير وحي النبوة والرسالة فهو: قوله تعالى: (انا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده واوحينا الى ابراهيم واسماعيل((Cool)...)((9)).

    وهكذا يتضح الاستعمال الاصطلاحي لكلمة وحي، ويفترق عن الاستعمالات الاخرى التي تنطبق على غير الانبياء، كما يتضح ذلك.

    الوحي في القرآن:

    لقد استعمل القرآن الكريم كلمة الوحي في معان عديدة، وهذه الاستعمالات هي:

    1- استعمل القرآن الكريم كلمة وحي بمعناها الاصطلاحي كما اشرنا اليه آنفا.

    2- استعمل القرآن الكريم كلمة وحي بمعنى الالقاء في نفوس بعض العباد من غيرالانبياء، كالقاء اللّه سبحانه ما اراد القاءه في نفس ام موسى والهامها.

    قال تعالى: (واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه فاذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين)((10)).

    وقد نقل الشيخ المفيد تفسير هذا اللون من الوحي بقوله عند تفسير الاية الانفة الذكرSadفاتفق اهل الاسلام على ان الوحي كان رؤيا، او كلاما سمعته ام موسى في منامها على الاختصاص)((11)).

    وكالقائه سبحانه في نفوس الحواريين ليؤمنوا بعيسى الذي صوره بقوله: (واذ اوحيت الى الحواريين ان آمنوا بي وبرسولي...)((12)).

    ونقرا تفسيرا آخر لكلمة الوحي بمعنى الهام بعض الناس او توجيه بعض الخلائق،فقد نقل العلا مة المجلسي من تفسير النعماني مانصه:

    «واما وحي الالهام فهو قوله عزوجل: (واوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون). ومثله:

    (واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه فاذاخفت عليه فالقيه في اليم...)((13))». وقد اشار الشيخ المفيد الى ان هذا اللون من الالقاء يحصل لائمة اهل البيت الهداة(ع)لما اتصفوا به من طهارة الذات، وصفاء النفس، وكمال التقوى، والتوجه الى اللّهسبحانه، على ان هذا الالقاء كما يوضح الشيخ المفيد ليس هو القاء احكام او تشريع،فان ذلك منقطع بعد النبي(ص) ولا يصح القول به.

    قال رحمه اللّه: (وعندنا ان اللّه يسمع الحجج بعد نبيه كلاما يلقيه اليهم في علم ما يكون،لكنه لا يطلق عليه اسم الوحي، لما قدمناه من اجماع المسلمين على انه لا وحي الى احد بعد نبينا، وانه لا يقال في شيء مما ذكرناه انه وحي الى احد)((14)). فهذا الصنف من الالقاء الذي اشار اليه الرسول(ص) واجمع المسلمون على حصوله لغير الانبياء يتحقق للاولياء في المنام والالهام والرؤيا، وغير ذلك من المبشرات التي ذكرها الحديث النبوي الشريف.

    3- استعمل القرآن كلمة (الوحي) بمعنى الوسوسة والالقاء الخبيث في النفس، وقدجاء هذا الاستعمال في قوله تعالى:

    (وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم...)((15)).

    وبقوله: (يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا...).

    4- واستعمل القرآن كلمة الوحي بمعنى الاشارة المفهمة افهاما خفيا للمراد.

    فقد جاء هذا الاستعمال في وصفه تعالى لاشارة النبي يحيى(ع) الى اصحابه، قال تعالى: (فخرج على قومه من المحراب فاوحى اليهم...)((16)).

    5- الايحاء بمعنى التسخير و وضع النظام التكويني من قبل اللّه تعالى لتسير وفقه عوالم الطبيعة والمادة والاحياء. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات في يومين واوحى في كل سماء امرها)((17)).

    (واوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر وممايعرشون)((18)).

    صور الوحي الى الانبياء:

    قال تعالى: (وما كان لبشر ان يكلمه اللّه الا وحيا او من وراء حجاب او يرسل رسولافيوحي باذنه ما يشاء انه علي حكيم # وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا...)((19)).

    لقد تحدث القرآن الكريم عن حالات عديدة للالقاء الالهي وحالات الوحي الى الانبياء التي يتلقاها الانبياء بوعي ووضوح كامل لما يريد اللّه سبحانه ان يلقيه اليهم.

    وهذه الحالات هي:

    1- الوحي المباشر: لقد حظ ي بعض الانبياء بالحديث الالهي المباشر، والقاء الكلمة اليهم، واسماعهم من غير واسطة الملك(ع) وقد وصف الامام جعفر بن محمدالصادق(ع) هذا الصنف من الوحي الذي تلقاه نبينا محمد(ص) بقوله: «كان رسول اللّه(ص) اذا اتاه الوحي وبينهما جبرئيل(ع) يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، واذا اتاه الوحي، وليس بينهما جبرئيل، تصيبه تلك السبتة((20))، ويغشاه منه ما يغشاه،لثقل الوحي عليه من اللّه عزوجل»((21)).

    وروى زرارة قال: «قلت لابي عبد اللّه(ع) جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول اللّه(ص) اذا نزل عليه الوحي؟ قال:

    فقال: ذلك اذا لم يكن بينه وبين اللّه احد،ذاك اذا تجلى اللّه له، قال: ثم قال: تلك النبوة يازرارة»((22)).

    ويصف الشيخ المفيد هذه الحالة فيقول: (فاما الوحي من اللّه تعالى الى نبيه(ص) فقدكان تارة باسماعه الكلام من غير واسطة...)((23)) ومثاله ما كلم اللّه به النبي محمدا(ص) في معراجه المبارك عند سدرة المنتهى((24)).

    وهذه المباشرة لا تعني زوال الحجاب الذي يكلم من ورائه البشر، كما ذكر اللّه سبحانه ذلك.

    2- الوحي بواسطة الملك جبرئيل: وهذا اللون من الوحي هو الوحي المالوف في الرسالات، وبه نزلت الكتب والشرائع، فقد جعل اللّه جبرئيل(ع) وسيطا لايصال رسالاته الى الانبياء(ع).

    قال اللّه تعالى: موضحا نزول القرآن على نبينا محمد(ص) بواسطة جبرئيل(ع)Sadنزل به الروح الامين. على قلبك لتكون من المنذرين) ((25)).

    وقال سبحانه: (قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن اللّه...)((26)).

    3- الوحي بواسطة الرؤيا: ومن صور الوحي للانبياء هو الرؤيا الصادقة التي يريها اللّهسبحانه لانبيائه ورسله(ع). وقد تحدث القرآن عن رؤيا ابراهيم ويوسف ومحمد(ص)، نذكر منها حديث القرآن عن الرؤيا التي اراها اللّه سبحانه لنبيه في دخول المسجد الحرام، وتحقيق النصر له.

    قال تعالى: (لقد صدق اللّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء اللّهآمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاقريبا)((27)).

    (واذ قلنا لك ان ربك احاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا)((28)).

    وروى الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) حين سئل: كم تتاخر الرؤيا؟ قال: «راى رسول اللّه(ص) في منامه كان كلبا ابقع يلغ في دمه فكان، اي ذلك الكلب الابقع شمرا،قاتل الحسين، وكان ابرص، فكان تاخير الرؤيا بعد خمسين سنة»((29)).

    وورد عن الامام علي بن ابي طالب(ع) قوله: «رؤيا الانبياء وحي».

    ويوضح الامام الصادق(ع) ان صنفا من الانبياء يتلقون وحيهم عن طريق الرؤيا، فقدروي عنه قوله في هذا الصنف من التلقي:

    «...الرسول الذي ياتيه جبريل قبلا فيراه ويكلمه، فهذا الرسول.

    واما النبي فهو الذي يرى في منامه. نحو رؤيا ابراهيم.

    ونحوماكان راى رسول اللّه(ص) من اسباب النبوة قبل الوحي، حتى اتاه جبريل(ع) من عند اللّه بالرسالة»((30)).

    وقد روي عن عائشة قولها: (اول ما بدئ به رسول اللّه(ص) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم...)((31)).

    4- النفث في الروع والالقاء في النفس: ومن صور الوحي والالقاء الالهي في نفوس الانبياء هو النفث في الروع. فقد روي عن النبي(ص) بيانه لهذه الصورة من صورالوحي، روى الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) قول الرسول(ص): «ايها الناس اني لم اءدع شيئا يقربكم الى الجنة، ويباعدكم من النار، الا وقد نباتكم به، اءلا وان روح القدس (قد) نفث في روعي، واخبرني ان لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوااللّه عزوجل، واجملوا في الطلب»((32)).

    وهكذا يوضح هذا الحديث طريقة النفث في الروع والالقاء في نفس النبي(ص)المقدسة.

    وفيما يلي نقرا تلخيصا لصور الوحي في قوله تعالى: (ما كان لبشر) اي لايصح له(ان يكلمه اللّه الا وحيا) اي الهاما وقذفا في القلوب، او القاء في المنام، (او من وراءحجاب) اي يكلمه من وراء حجاب، كما كلم موسى بخلق الصوت في الطور، وكماكلم نبينا في المعراج، وهذا اما على سبيل الاستعارة والتشبيه، فان من يسمع الكلام،ولا يرى المتكلم، يشبه حاله بحال من يكلم من وراء حجاب، او المراد بالحجاب الحجاب المعنوي من كماله تعالى ونقص الممكنات، ونوريته تعالى وظلمانية غيره،كما سبق تحقيقه في كتاب التوحيد. (او يرسل رسولا) اي ملكا (فيوحي باذنه مايشاء).

    فظهر ان وحيه تعالى منحصر في اقسام ثلاثة:

    اما بالالهام((33)) والالقاء في المنام، او بخلق الصوت بحيث يسمعه الموحى اليه.

    او بارسال ملك((34)).

    بدء الوحي:

    يشكل الوحي ابرز ظاهرة ربانية غيبية في عالم الانسان والشهادة. ولقد تحدث القرآن عن الوحي، واضاء ما لابد للانسان معرفته من هذه الظاهرة الغيبية.

    وفي هذا الموضوع نحاول ان ندرس مسالة بدء الوحي الى النبي محمد(ص) فان تحديد بداية الوحي الى النبي(ص) توضح لنا مسائل عديدة، من ابرزها انهاءالتقولات التي وصف بها موقف النبي حين مخاطبة جبريل(ع) له في غار حراء.

    فقد جاءت روايات مختلفة تصور لنا موقف النبي(ص) من تلقي البشارة بالبعثة الى البشرية يوم اراد اللّه سبحانه بعثه الى الناس كافة، تروي ان النبي(ص) لم يكن يعرف ما حدث له، فعاد الى اهله يملا قلبه الرعب والشك بنفسه، وهو يبحث عن تفسير لماراى وسمع، فكان فهم ذلك وتفسيره عند خديجة وورقة بن نوفل.

    ولكي نقف على جانب من تلك الروايات فلنقرا:

    اخرج البخاري عن عائشة: (اول ما بدئ به رسول اللّه(ص) من الوحي، الرؤياالصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا الا وجاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب اليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل ان ينزع الى اهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرا، قال:

    (ما انا بقارئ). قال: (فاخذني فغطني((35))حتى بلغ مني الجهد، ثم ارسلني فقال: اقرا، قلت: ما انا بقارئ، فاءخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم ارسلني فقال: اقرا، فقلت: ما انا بقارئ، فاخذني فغطني الثالثة،ثم ارسلني فقال:

    (اقرا باسم ربك الذي خلق # خلق الانسان من علق # اقرا وربك الاكرم). فرجع بها رسول اللّه(ص) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد،رضي اللّه عنها، فقال: (زملوني زملوني). فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة،واخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي). فقالت خديجة: كلا ، واللّه ما يخزيك اللّهابدا، انك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

    فانطلقت به خديجة حتى اتت به ورقة بن نوفل بن اسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء اللّه ان يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة:يابن عم، اسمع من ابن اخيك. فقال له ورقة: ياابن اخي ماذاترى؟ فاخبره رسول اللّه(ص) خبر ما راى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله اللّه على موسى...)((36)).

    ويتحدث الطبري في تاريخه المعروف بتاريخ الطبري عن بدء الوحي في غار حراءفيصور ذلك المشهد بالرواية التي رواها البخاري مضيفا: (...حتى فجاه الحق فاتاه،فقال: يامحمد انت رسول اللّه، قال رسول اللّه(ص) فجثوت لركبتي وانا قائم، ثم زحفت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة، فقلت:

    زملوني، زملوني حتى ذهب عني الروع، ثم اتاني فقال: يا محمد انت رسول اللّه، قال: فلقد هممت ان اطرح نفسي من حالق من جبل فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد انا جبريل، وانت رسول اللّه...)((37)).

    ويروي لنا الطبري حوادث بدء الوحي في رواية اخرى، فيقول بعد ان تحدث عن حوار جبريل مع النبي: (...فجاء الى خديجة فقال: يا خديجة ما اراني الا قد عرض لي،قالت: كلا ، واللّه ماكان ربك يفعل ذلك بك، ما اتيت فاحشة قط، قال: فاتت خديجة ورقة ابن نوفل فاخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صادقة، ان زوجك لنبي...)((38)).

    ثم يروي الطبري عن النبي(ص) انه قال: ان جبريل جاءه، وهو نائم في غار حراء ليلا،فقال له: اقرا، والنبي يقول: ماذا اقرا؟ ثم يكرر عليه، وهو يقول: ماذا اقرا؟ فقال له في المرة الثالثة: (اقرا باسم ربك الذي خلق) الى قوله (علم الانسان مالم يعلم).

    ثم ينقل عن النبي(ص) قوله: «فقراته، ثم انتهى، ثم انصرف عني، وهببت من نومي، وكانما كتب في قلبي كتابا».

    قال اي النبي(ص): «ولم يكن من خلق اللّه احد ابغض الي من شاعر او مجنون كنت لا اطيق ان انظر اليهما، قال: قلت ان الابعد يعني نفسه لشاعر او مجنون، لا تحدث بهاعني قريش ابدا، لاعمدن الى حالق من الجبل فلاطرحن نفسي منه، فلاقتلنهافلاستريحن.

    قال(ص): فخرجت اريد ذلك، حتى اذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد انت رسول اللّه، وانا جبرئيل...) ((39)).

    ثم يواصل الطبري نقله لهذه الرواية التي تنسب الى النبي(ص): (...وانصرفت راجعاالى اهلي حتى اتيت خديجة فجلست الى فخذها مضيفا، فقالت: يا ابا القاسم اين كنت؟ فواللّه لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة، ورجعوا الي، قال:

    قلت لها:ان الابعد لشاعر او مجنون، فقالت: اعيذك باللّه من ذلك يا ابا القاسم: ما كان اللّه ليصنع ذلك بك مع ما اعلم منك من صدق حديثك، وعظم امانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك، وذاك يا ابن عم ! لعلك رايت شيئا؟ قال: فقلت لها: نعم. ثم حدثتها بالذي رايت، فقالت: ابشر ياابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده اني لارجو ان تكون نبي هذه الامة.

    ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت الى ورقة بن نوفل بن اسدوهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرا الكتب، وسمع من اهل التوراة والانجيل فاخبرته بما اخبرها به رسول اللّه(ص) انه راى وسمع، فقال ورقة: قدوس، قدوس!والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الاكبر يعني بالناموس جبرئيل(ع) الذي كان ياتي موسى وانه لنبي هذه الامة، فقولي له فليثبت.فرجعت خديجة الى رسول اللّه(ص)، فاخبرته بقول ورقة فسهل ذلك عليه بعض ماهو فيه من الهم...)((40)).

    وهكذا تصور هذه الروايات شخصية النبي الاكرم محمد(ص) وموقفه من تلقي الوحي بشكل يتناقض وما ورد عن ائمة اهل البيت وعلمائهم، وتبرز ثلاثة عناصراساسية حرية بان نناقشها، ونكشف ماحوت من طعن في شخص النبي الكريم(ص)وتوهين لموقفه، ومخالفة للعقل والمنطق. فهي تصور:

    1- ان النبي كان يجهل ما سمع وراى، ولا يعرف له تفسيرا.

    2- اتهم النبي(ص) نفسه بانه شاعر او مجنون. مما يكشف التلفيق الواضح، والدس الصريح الماخوذ من تهم الاعداء لشخص النبي(ص) بعد التعريف بنبوته.

    3- لقد فقد النبي السيطرة على موقفه العصبي، وحاول ان يلقي بنفسه من اعلى الجبل ليقتلها.

    4- ان خديجة وورقة بن نوفل قد اكتشفا ان الذي رآه النبي(ص) هو جبريل، وان ماحدث له ان هو الا تباشير النبوة.

    فطماناه بذلك فعرف انه نبي مخاطب بالوحي منهما،وبذا اطمانت نفسه، وعرف تفسير ما راى. اما هو فلم يستطع معرفة ما راى وسمع.

    5- ان ما رآه النبي(ص) هو رؤية منام، وليس يقظة كما اورد الطبري ذلك في احدى رواياته.

    6- تتناقض هذه الروايات مع صدر الرواية التي رواها البخاري عن عائشة من ان الوحي الى النبي(ص) قد بدئ بالرؤية الصالحة، فكان لايرى رؤية الا جاءت كفلق الصبح.

    واذا كانت هذه المجموعة من الروايات تتحدث بهذا الشكل المشوه والمفترى في بدءالوحي، وتلقي الرسول(ص) لهذا الفتح الغيبي الفريد في عالم الانسان، والتي تبناهاالمستشرقون والمشوهون لمبدا النبوة، فلنتناول مجموعة اخرى من الروايات والاراءالتي تتحدث عن بدء الوحي، وعن موقف الرسول(ص) وعلاقته باللّه سبحانه قبل ان يتفضل المولى عليه ببشارة البعثة في غار حراء، لنسجل التناقض بين المجموعتين،ونعرض الفهم السليم لشخص الرسول، ولنزول الوحي، وكيفية تلقيه(ص) لهذاالحدث العظيم.

    فقد جاء عن ائمة اهل البيت(ع)، وعن عدد من علماء ينتسبون الى مدارس مذهبية متباينة؟. ان النبي لم يفاجا بالوحي، وان هناك مرحلة اعداد الهي، وتربية للنبي(ص) ليكون مؤهلا لتلقي الوحي، واستقبال المهمة الكبرى في عالم الانسان.

    قال الاحول: سالت ابا جعفر عن الرسول والنبي والمحدث: قال:

    (الرسول الذي ياتيه جبريل قبلا فيراه ويكلمه، فهذا الرسول.

    واما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤياابراهيم(ع) ونحو ما كان راي رسول اللّه(ص) من اسباب النبوة قبل الوحي، حتى اتاه جبريل(ع) من عند اللّه بالرسالة، وكان محمد(ص) حين جمع له النبوة، وجاءته الرسالة من عند اللّه يجيئه بها جبريل(ع)، ويكلمه قبلا...)((41)).

    وعن زرارة قال: قلت لابي عبد اللّه: كيف لم يخف رسول اللّه(ص) فيما ياتيه من قبل اللّه ان يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان؟ قال: فقال: «ان اللّه اذا اتخذ عبدا رسولا انزل عليه السكينة والوقار فكان ياتيه من قبل اللّه، عزوجل، مثل الذي يراه بعينه»((42)). وتحدث الامام علي(ع) في الاعداد الالهي لشخص النبي الكريم وتاهيله للنبوة فقال:«لقد قرن اللّه به من لدن كان فطيما اعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن اخلاق العالم، ليله ونهاره»((43)).

    ونقل الماوردي عن الشعبي ما يساوق قول الامام علي(ع) فقد جاء فيه: (ان اللّه قرن اسرافيل(ع) بنبيه ثلاث سنين، يسمع حسه، ولا يرى شخصه، يعلمه الشيء بعدالشيء، ولا يذكر له القرآن، فكان في هذه المدة مبشرا بالنبوة، وامهله هذه المدة، ليتاهب لوحيه)((44)).

    واخرج البخاري عن عائشة رض انها قالت: (اول ما بدئ به رسول اللّه من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح...).

    وقال القاضي وغيره: (وانما ابتدئ رسول اللّه(ص) بالرؤيا لئلا يفجاه الملك الذي هوجبرئيل(ع) بالنبوة: اي الرسالة، فلا تتحملها القوى البشرية: اي لان القوى البشرية لاتتحمل رؤية الملك، وان لم يكن على صورته التي خلقه اللّه عليها، ولا على سماع صوته، ولاعلى ما يخبر به، لا سيما الرسالة، فكانت الرؤيا تانيسا له(ص) والمرادبالملك جبرئيل(ع))((45)).

    ثم نقل الحلبي في سياق عرضه للاراء الواردة في بدئ الوحي فقال: وعن علقمة بن قيس: (اول ما يؤتى به الانبياء في النوم، اي ما يكون في المنام، حتى تهدا قلوبهم، ثم ينزل الوحي)((46)). ثم علق الحلبي على ذلك بقوله: اي في اليقظة((47))، لان رؤيا الانبياء وحي وصدق وحق، لا اضغاث احلام، ولا تخيل من الشيطان، اذ لا سبيل له عليهم، لان قلوبهم نورانية فما يرونه في المنام، له حكم اليقظة، فجميع ما ينطبع في عالم مثالهم لا يكون الا حقا، ومن ثم جاء: «نحن معاشر الانبياء تنام اعيننا ولا تنام قلوبنا»((48)).

    ثم قال: (وذكر بعضهم ان مدة الرؤيا ستة اشهر، قال: فيكون ابتداء الرؤيا حصل في شهر ربيع الاول، وهو مولده(ص) ثم اوحى اللّه اليه في اليقظة، اي في رمضان، ذكره البيهقي وغيره)((49)). وتحدث العلا مة المجلسي بعد ان عرض جملة من الاخبار والروايات والتحليلات المتعلقة ببدء الوحي، قال: (فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي ظهر لي من الاخبارالمعتبرة، والاثار المستفيضة، هو انه كان قبل بعثته، مذ اكمل اللّه عقله في بدو سنه، نبيامؤيدا بروح القدس، يكلمه الملك، ويسمع الصوت، ويرى في المنام، ثم بعد اربعين سنة صار رسولا، وكلمه الملك معاينة، ونزل عليه القرآن، وامر بالتبليغ، وكان يعبد اللّهقبل ذلك بصنوف العبادات، اما موافقا لما امر به الناس بعد التبليغ، وهو اظهر، او على وجه آخر، اما مطابقا لشريعة ابراهيم(ع) او غيره ممن تقدمه من الانبياء(ع) لا على وجه كونه تابعا لهم، او عاملا بشريعتهم، بل ان ما اوحي اليه كان مطابقا لبعض شرائعهم، او على وجه آخر، نسخ بما نزل عليه بعد الارسال...)((50)).

    ان هذه المجموعة من الروايات والاراء والتحليلات العلمية التي وردت عن ائمة اهل البيت وعلمائهم، وعدد من علماء المذاهب الاسلامية الاخرى. لتؤكد لنا حقيقة منطقية، وتكشف واقعا موضوعيا يتلخص في المبادئ الاتية:

    1- ان اللّه اعد نبيه، وهياه لتحمل تلك المسؤولية الكبرى، ورعاه رعاية ربانية عن طريق ملك (روح القدس) مكلف بذلك قبل ان يكلف بحمل الرسالة الى البشرية في غارحراء.

    2- ان بدء الوحي، هو الرؤية الصادقة في المنام التي كان يدرك حقيقتها، كما يدرك في عالم اليقظة.

    3- انه نبئ فكان نبيا، مذ اكمل اللّه عقله في بدو سنه، يتلقى الوحي عن طريق المنام والالقاء في النفس وحديث الملك قبل ان يبعث الى الناس رسولا.

    4- ان فترة الخلوة التي كان يخلوها في غار حراء كان فيها نبيا، فكان يخلو للتعبدوالتامل، منتظرا البعثة والرسالة. ولم يفاجا بشيء ابدا.

    5 بعد ان كمل عمره الشريف اربعين سنة، نزل عليه جبريل(ع) بالقرآن، وبعثه اللّه الى الناس رسولا.

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 7:06 pm



    كيفية نزول القرآن

    لقد تحدث القرآن عن زمن النزول وكيفيته، فاوضح ان القرآن نزل في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك، جاء ذلك في قوله تعالى: (شهر رمضان الذي اءنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان...).

    ثم بين الليلة التي نزل فيها القرآن، فقال: (انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين #فيها يفرق كل امر حكيم)((51)).

    وبين هذه الليلة المباركة بقوله: (انا انزلناه في ليلة القدر).

    وهكذا يوضح القرآن انه نزل ليلا في ليلة القدر على النبي الامين محمد(ص) في شهر رمضان المبارك. وفي موضع آخر تحدث عن كيفية نزول القرآن وتنزيله من قبل اللّه تعالى على النبي محمد(ص)، قال سبحانه: (ما كان لبشر ان يكلمه اللّه الا وحيا اومن وراء حجاب او يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء انه علي حكيم)((52)). وقال تعالى: (فاذا قراناه فاتبع قرآنه)((53))، وقال تعالى:

    (وقرآنا فرقناه لتقراه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)((54)). وقال تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا)((55)).

    وحصيلة ما يستفاد من هذه الايات المباركة:

    1- ان القرآن نزل وحيا من رب العزة، وبصورة قراءة، نزل به جبريل على النبي محمد(ص) وليس مكتوبا بصحف او الواح، كما نزلت الكتب الالهية الاخرى.

    2- ان النزول بدا في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك، كما نزلت الكتب الالهية التوراة والانجيل والزبور في هذا الشهر المبارك، كما تفيد الروايات ذلك.

    3- ان القرآن نزل مفرقا على شكل آيات او سور احيانا، ولم ينزل بصورته الكاملة على النبي محمد(ص) دفعة واحدة، ويتضح ذلك من قوله تعالى: (لتقراه على الناس على مكث) و (ورتلناه ترتيلا) اي بيناه وفرقناه تفريقا، كما يتضح ذلك من رده على الكافرين بالاية 32 من سورة الفرقان، الذين طالبوا بانزاله جملة واحدة على النبي محمد(ص).

    وما جاء في الفقرة الثالثة آنفا، هو ما يذهب اليه جمع من العلماء والمحققين، وبه قال الشيخ المفيد.

    غير ان هناك من يذهب الى ان القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ الى السماءالدنيا، ثم انزله اللّه تعالى عن طريق جبرئيل على نبيه محمد(ص) مفرقا.

    وقد اخرج الحاكم والبيهقي والنسائي وابن ابي شيبة وابن ابي حاتم والطبراني والبزاروابن مردويه عن ابن عباس بعدة طرق، اخرجوا ذلك((56)).

    ومن علماء الشيعة يذهب الى هذا القول الشيخ الصدوق ايضا وهو من اعاظم علماءالشيعة الامامية، وقد رد الشيخ المفيد هذا الراي، وناقش الصدوق، ولكي يتضح الرايان فلنذكرهما معا:

    قال الشيخ الصدوق: (ان القرآن نزل في شهر رمضان، في ليلة القدر جملة واحدة الى البيت المعمور، ثم انزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة)((57)).

    وقد رد الشيخ المفيد على هذا الراي بقوله: ((الذي ذهب اليه ابو جعفر في هذا الباب اصله حديث واحد، لا يوجب علما ولا عملا ونزول القرآن على الاسباب الحادثة،حالا فحالا يدل على خلاف ماتضمنه الحديث. وذلك انه قد تضمن حكم ما حدث، وذكر ماجرى، وذلك لا يكون على الحقيقة الا لحدوثه عند السبب. ثم استشهد بيات كثيرة مثل: (قد سمع اللّه قول التي تجادلك في زوجها) وكثير من امثال ذلك، بالاضافة الى استعمال القرآن صيغة الماضي في وقوع الحوادث التي وقعت في عهد النزول على النبي(ص) بعد حدوثها، فكيف يستعمل صيغة الماضي قبل وقوع الحوادث التي وقعت في المدينة في حال التسليم بنزوله كاملا في مكة ليلة القدر؟.

    ثم قال: وقد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملة في ليلة القدر، انه نزل جملة منه في ليلة القدر، ثم تلاه ما نزل منه الى وفاة النبي(ص). فاما ان يكون نزل باسره وجميعه في ليلة القدر، فهو بعيد مما يقتضيه ظاهر القرآن، والمتواتر من الاخبار، واجماع العلماء على اختلافهم في الاراء((58)).

    اول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه:

    ان اول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى: (بسم اللّه الرحمن الرحيم # اقرا باسم ربك الذي خلق # خلق الانسان من علق # اقرا وربك الاكرم # الذي علم بالقلم # علم الانسان مالم يعلم) فهذه الايات الخمس بعد البسملة، هي اول ما نزل من القرآن على النبي(ص) في غار حراء. اما الايات الاخرى من سورة العلق فقد نزلت بعد فترة من الزمن ثم وضعت في موضعها الذي هي فيه من السورة، غير ان هناك آراء وروايات تتحدث عن ان اول ما نزل من القرآن هو سورة المدثر، واخرى تذهب الى ان اول مانزل من القرآن هو سورة الفاتحة. واختار الطوسي والطباطبائي في تفسيريهما: ان اول ما نزل من القرآن، هو الايات الخمس من سورة العلق.

    وكما اختلف في اول ما نزل من القرآن، اختلف كذلك في آخر مانزل منه، فقيل هي سورة براءة، وقيل سورة: اذا جاء نصر اللّه والفتح، وقيل سورة المائدة، وقيل غيرذلك.

    ويرجح علماء الشيعة الامامية ان آخر ما نزل من القرآن هو قوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا).

    لماذا نزل القرآن مفرقا:

    اثار المشركون شبهة ملخصها: ان نزول القرآن مفرقا يعني ان النبي(ص) ليس مرسلابدين من اللّه سبحانه، اذ لو كان وحيا الهيا على زعمهم لنزل دينا كاملا مرة واحدة، ونزوله مفرقا يعني انه قول البشر يتامل نصوصه فياتي بها.

    فرد عليهم القرآن، وبين الحكمة من النزول مفرقا، فقال تعالى:

    (وقال الذين كفروا لولاانزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا)((59)).

    ويمكن ان يكون سبب هذه الشبهة ما هو معروف من اخبار الديانات السابقة، ان الكتب انزلت مكتوبة جملة واحدة، وكيفية نزول القرآن تختلف عن كيفية نزول التوراة والانجيل والزبور، فالقرآن نزل قراءة ومفرقا، اما تلك الكتب فقد نزلت مكتوبة جملة واحدة وبصيغتها الكاملة. وقد ذكر القرآن ذلك، كما في قوله تعالى: (وكتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وامر قومك ياخذواباحسنها ساوريكم دار الفاسقين)((60)).

    وقال تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب اخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون)((61)).

    وهكذا يوضح القرآن ان التوارة انزلت مكتوبة بشكلها الكامل في الالواح، وبهذه الصيغة تلقاها موسى(ع). وقد بين القرآن الحكمة من نزوله مفرقا في الاية (32) من سورة الفرقان، كما وبين ذلك في الاية (145) من سورة الاعراف.

    وملخص الحكمة في الايتين هو:

    1- لنثبت به فؤادك.

    2- لتقراه على الناس على مكث.

    فالحكمة اذن هي ان استمرار نزول الوحي، وتواصل نزول القرآن ومواصلة النبي بالقرآن، يثبت فؤاد النبي(ص) ويقوي موقفه الجهادي في مواجهة التحديات اولا، وثانيا ان الرسالة الاسلامية رسالة تغييرشامل، وتسعى لبناء مجتمع ودولة وحضارة، وتثبيت قانون ونظام. والتغيير والبناء يقتضي التدرج في التبليغ لمواصلة عملية الهدم والبناء، ولترسخ الدعوة في النفوس، وتستوعب العقيدة والاحكام والمفاهيم بشكل تدريجي، وليستقبل الناس التغيير على مراحل، وليتفاعلوا مع مبادئ القرآن، وتتهيا النفوس لتحمل التكاليف.

    وهكذا يكون العامل الزمني والنزول التدريجي قضية ضرورية للنبي(ص) وللمجتمع كما يوضح القرآن ذلك.

    ولعل البحث يدعونا الى ان نذكر ان الرسول(ص) كان نبيا قبل ان يبعث رسولا، اي قبل ان ينزل عليه القرآن في غار حراء، وهذا يعني ان النبي(ص) كان يتلقى تعاليم قرآنية بمعانيها ودلالاتها ليعد ويهيا لمهمة تلقي القرآن، وحمل الرسالة الكبرى.

    وقد ذهبت بعض الاراء الى ان النبي(ص) تلقى وحيا الاركان الاساسية والخطوط الكبرى لامهات الكتاب جملة واحدة، ثم نزل القرآن باكمله مفرقا عبر سني التنزيل.

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 7:17 pm



    حفظ القرآن من التحريف


    لم يحظ كتاب على وجه البسيطة بالعناية والاهتمام كما حظ ي القرآن الكريم، فمنذ بدا الوحي وتلقى النبي(ص) هذا الخطاب الالهي المقدس، كان اهتمامه(ص) به عظيما، وشغفه به فريدا، وحبه له منقطع النظير.

    وقد خلد الوحي الالهي هذا الاهتمام النبوي بنص قوله:

    (لاتحرك به لسانك لتعجل به # ان علينا جمعه وقرآنه # فاذا قراناه فاتبع قرآنه)((62)).

    سجل المؤرخون وكتاب السير، والمهتمون بعلوم القرآن وتاريخه، ان النبي(ص)كان يدون كل ماينزل عليه من وحي، وان عددا من الصحابة كان يحفظ القرآن. كمادلت الروايات التاريخية ان عددا من الصحابة كانت لهم مصاحف يختلف ترتيب السور فيها من صحابي الى صحابي آخر، وعدوا مصحف الامام علي(ع)، ومصحف عبد اللّه بن مسعود، ومصحف ابي بن كعب(رضى اللّه)...الخ.

    ولقد تلقى المسلمون القرآن الكريم جيلا بعد جيل بالحفظ والقراءة والتفسيروالمدارسة، وبشكل متواتر، لا يعط ي مجالا لاحد ان يخفي، او يسقط شيئا منه، كماليس بوسع احد ان يضيف اليه لنشوز المضاف، وتميزه عن كلام اللّه تعالى.

    ولوجودالحفاظ والمصاحف المكتوبة.

    ومما يؤكد هذه الحقيقة هو قول اللّه سبحانه: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)، وقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به # ان علينا جمعه وقرآنه).

    وبهاتين الايتين تعهد اللّه سبحانه بحفظ القرآن من التحريف والضياع، فقد تعهد بجمعه كاملا، وبحفظه من التحريف والضياع والاندراس.

    وناقش العلماء المختصون ما رواه البعض من روايات ضعيفة وموضوعة عن بعض الرواة المتهمين، من المنتمين الى المذاهب السنية والشيعية، واسقطوها من الاعتبار، واجمعوا على سلامة القرآن وصيانته من التحريف وللّه الحمد.

    وقد عبر اساطين العلماء من الشيعة الامامية عن سلامة القرآن وصيانته من التحريف.

    ومن المفيد ان نورد بعضا منها.

    قال الشيخ الطوسي مدافعا عن صيانة القرآن من التحريف ورده على ما يردده البعض:

    (واما الكلام في زيادته ونقصانه، فمما لا يليق به ايضا، لان الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر ايضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الاليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى(رضى اللّه) وهو الظاهر في الروايات. غير انه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع الى موضع، طريقها الاحاد التي لا توجب علما ولاعملا)((63)).

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 7:38 pm



    جمع القرآن

    قال اللّه تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به × ان علينا جمعه وقرآنه × فاذا قرآناه فاتبع قرآنه)((65)).

    وقال تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون).

    وقال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء اللّه).

    من القضايا المسلم بها لدى جميع المسلمين ان القرآن نزل على النبي(ص) مفرقاعلى امتداد ثلاثة وعشرين عاما، وهي مدة نزول الوحي والرسالة، وان الرسول(ص) كان اذا نزل عليه الشيء من القرآن قام بتبليغه، وبيان ما فيه من العمل والتطبيق الى من حوله، فيتلقاه منه اصحابه بالقراءة والحفظ.

    روى عبادة بن الصامت قال: (كان رسول اللّه(ص) يشغل، فاذا قدم رجل مهاجر على رسول اللّه(ص) دفعه الى رجل منا يعلمه القرآن) ((66)). وروى كليب قال: (كنت مع علي(ع) فسمع ضجتهم في المسجد يقراون القرآن، فقال: طوبى لهؤلاء...)((67)).

    وعن عبادة بن الصامت قال: (كان الرجل اذا هاجر دفعه النبي(ص) الى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع بمسجد رسول اللّه(ص) ضجة بتلاوة القرآن، حتى امرهم رسول اللّه ان يخفضوا اصواتهم، لئلا يتغالطوا)((68)).

    وقد رغب رسول اللّه(ص) المسلمين، وحثهم على حفظ القرآن وتدارسه وتعليمه، فنشطت حركة القراءة والحفظ والتعليم، واشتدت العناية بكتاب اللّه العزيز، فكان في جيل الصحابة من يحفظ القرآن حفظا كاملا على عهد النبي(ص) وهم الامام علي بن ابي طالب(ع) وابي بن كعب، وابو الدرداء، وسعد بن عبيد بن النعمان، وثابت بن زيدبن النعمان، ومعاذ بن جبل، وعبيد بن معاوية بن زيد بن ثابت((69))، وكان هناك من يحفظ بعضه والكثير منه.

    ويستفاد من الاخبار اهتمام جيل الصحابة البالغ بحفظ القرآن وتلاوته.

    كما روي ان بعض الصحابة كان يعرض حفظه على النبي(ص) ليتاكد من حفظه.

    ومن الثابت لدى المسلمين جميعا ان رسول اللّه(ص) كان له كتاب يكتبون ما ينزل من الوحي فيدون على العسب واللخاف وجريد النخل.

    قال اليعقوبي: (وكان كتابه الذين يكتبون الوحي والكتب والعهود: علي بن ابي طالب، وعثمان بن عفان، وعمرو بن العاص بن امية، ومعاوية بن ابي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعبد اللّه بن سعد بن ابي سرح، والمغيرة بن شعبة، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وحنظلة بن الربيع، وابي بن كعب، وجهيم بن الصلت، والحصين بن النميري)((70)).

    وقال زيد بن ثابت: (كنا عند النبي(ص) نؤلف القرآن من الرقاع)((71)). ويتحصل من ذلك: ان اللّه سبحانه تعهد بحفظ القرآن من الضياع والتحريف، كمانصت الايات الانفة الذكر. وان الحقائق التاريخية تدحض شبهات التحريف التافهة.

    فقد كان العشرات من جيل الصحابة يحفظون القرآن عن ظهر قلب، وان القرآن كان مجموعا ومدونا على عهد رسول اللّه(ص) على قطع من الجلد او الجريد او اللخاف او العسب... الخ.

    روايات جمع القرآن:

    واذا تاكد لنا ان رسول اللّه(ص) كان قد دون القرآن على جريد النخل واللخاف والعسب... الخ.

    وان القرآن كان مجموعا في صدور الحفاظ فما معنى جمع القرآن الذي تحدثت به الروايات التاريخية بعد النبي(ص) وبشكل متعارض، فكان بعضها يقول ان ابا بكر قدجمع القرآن، وبعضها يقول ان عمر بن الخطاب كان قد جمع القرآن، وبعضها يقول ان عثمان هو الذي جمع القرآن، واخرى تقول ان الذي جمعه هو الامام علي(ع).

    فيما يلي نستعرض بعضا من تلك الروايات:

    روى زيد بن ثابت، قال: (ارسل الي ابو بكر مقتل اهل اليمامة فاذا عمر بن الخطاب عنده. قال ابو بكر: ان عمر اتاني، فقال: ان القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن،واني اخشى ان يستحر القتل بالقراء بالمواطن ، فيذهب كثير من القرآن، واني ارى ان تامر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه(ص)؟ قال عمر: هذا واللّه خير، فلم يزل ابو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك، ورايت في ذلك الذي رآى عمر، قال زيد: قال ابو بكر: انك رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه(ص) فتتبع القرآن باجمعه، فواللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان اثقل علي مما امرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه(ص)؟ قال: هو واللّه خير، فلم يزل ابو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر ابي بكر وعمر، فتتبعت القرآن اجمعه من العسب، واللخاف،وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ابي خزيمة الانصاري، لم اجدهامع احد غيره.

    (لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم × فان تولوا فقل حسبي اللّه لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)((72)).

    حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند ابي بكر حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر)((73)).

    وهناك روايات تقول ان عمر بن الخطاب هو الذي جمع القرآن:

    فقد روى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: (اراد عمر بن الخطاب ان يجمع القرآن فقام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول اللّه(ص) شيئا من القرآن فلياتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف، والالواح، والعسب، وكان لا يقبل من احد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك اليه، فقام عثمان، فقال: من كان عنده من كتاب اللّه شيء فلياتنا به،وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان، فجاء خزيمة بن ثابت، فقال: اني قد رايتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قالوا:

    ما هما ! قال: تلقيت من رسول اللّه(ص)Sadلقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم...). الى آخر السورة فقال عثمان:وانا اشهد انهما من عند اللّه، فاين ترى ان نجعلهما؟ قال اختم بهما آخر ما نزل من القرآن فختمت بهما براءة)((74)).

    وهناك روايات تقول ان عثمان بن عفان هو الذي جمع القرآن:

    فقد روى ابن شهاب ان انس بن مالك حدثه: (ان حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي اهل الشام في فتح ارمينية واذربيجان مع اهل العراق. فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان: يا اميرالمؤمنين ادرك هذه الامة قبل ان يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فارسل عثمان الى حفصة ان ارسلي الينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها اليك، فارسلت بها حفصة الى عثمان فامر زيد بن ثابت، وعبد اللّهبن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: اذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فانما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى اذا نسخواالصحف في المصاحف رد عثمان الصحف الى حفصة، وارسل الى كل افق بمصحف مما نسخوا، وامر بما سواه من القرآن في كل صحيفة او مصحف ان يحرق) ((75)).

    قال ابن شهاب: واخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت اسمع رسول اللّه(ص) يقرا بها،فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الانصاري.

    (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه)((76)) فالحقناها في سورتها في المصحف((77)).

    وعن محمد بن اسحاق: روى الثقة ان حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان، وكان بالعراق، وقال لعثمان: ادرك هذه الامة قبل ان يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.

    فارسل عثمان الى حفصة ان ارسلي الينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها اليك، فارسلت بها حفصة الى عثمان، فامر عثمان زيد بن ثابت، وعبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف)((78)).

    وهناك روايات تقول ان الامام علي بن ابي طالب(ع) هو الذي جمع القرآن.

    قال اليعقوبي: (روى بعضهم ان علي بن ابي طالب كان جمعه لما قبض رسول اللّه،واتى به يحمله على جمل، فقال: هذا القرآن قد جمعته، وكان قد جزاه سبعة اجزاء...)((79)).

    ونقل ابن النديم في كتابه الفهرست: (... عن علي(ع) انه راى من الناس طيرة عند وفاة النبي(ص) فاقسم انه لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة ايام حتى جمع القرآن، فهو اول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه، وكان المصحف عند اهل جعفر، ورايت انا في زماننا عند ابي يعلى حمزة الحسني(رحمه اللّه)مصحفا قد سقط منه اوراق بخط علي بن ابي طالب يتوارثه بنو حسن على مر الزمان،وهذا ترتيب السور من ذلك المصحف...) ((80)).

    ونجد في رواية اسلام عمر وثيقه تاريخه تؤيد عناية رسول اللّه(ص) بتدوين القرآن في مكة المكرمة، ومن بدء نزوله، والمواظبة على حفظه، وانه كان يتداول بينهم مكتوبا على صحف تحوي النازل منه كله او بعضه آنذاك، كما كان يتداول حفظا.

    فقد جاء في تلك الرواية: (...فرجع عمر عامدا الى اخته وختنه، وعندهما خباب بن الارت معه صحيفة، فيها (طه) يقرءهما اياها،فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهم، او في بعض البيت، واخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها...) ((81)).

    وجاء ايضا ان عمر هاجم بيت اخته فاطمة وزوجها، وهما يقرئان القرآن، فضربهما، فقالت له اخته: (وان كان الحق في غير دينك اني اشهد ان لا اله الا اللّه وان محمدا عبده ورسوله، فقال عمر:

    اعطوني الكتاب الذي هو عندكم فاقراه، وكان عمر يقرا الكتاب، فقالت اخته: انك رجس، وانه لا يمسه الا المطهرون فقم واغتسل او توضا، فقام فتوضا، ثم اخذ الكتاب، فقرا (طه) حتى انتهى الى: (انني انا اللّه لا اله الا انا فاعبدني واقم الصلاة لذكري)...)((82)). ودراسة هذه الوثيقة تؤكد ان الرسول(ص) كان يدون القرآن من بدء الدعوة في مكة المكرمة. وذلك واضح في عبارتي (معه صحيفة فيها طه). (واعطوني الكتاب الذي هوعندكم فاقراه) فحوادث هذه الوثيقة، كما يذكر المؤرخون، كانت في المرحلة السرية،وكما تشير الحادثة ذاتها الى ذلك، مما يكشف المشروع النبوي لتدوين القرآن وجمعه مدونا، اضافة الى جمعه في صدور الحفاظ، كما ذكر.

    وقد قام المرجع الديني الراحل السيد ابو القاسم الخوئي(رحمه اللّه) بدراسة وتحليل هذه الروايات ونقدها، واستخلاص النتائج بشكل علمي متين منها في كتابه البيان في تفسير القرآن.

    ويمكننا ان نستخلص من مجموع تلك الروايات ما يلي:

    1- ان القرآن كان مدونا بكامله على عهد رسول اللّه(ص) وانه كان محفوظا بكامله في صدور الحفاظ.

    2- ان روايات الجمع: يقصد بها تدوين كامل القرآن في مصحف موحد، بدلا من كونه متناثرا في العسب واللخاف وقطع القماش والقراطيس والجريد...الخ.

    وهذا ما قام به الامام علي(ع) من حفظه، كما تفيد الروايات، واصرحها ما نقله ابن النديم: (فهو اول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه).

    3- ان ما قام به عثمان بن عفان، كما تفيد الروايات، كان سببه هو الاختلاف في القراءات، لذا فان عمل عثمان تركز في توحيد القراءات من خلال كتابة مصحف جمع فيه كامل القرآن، كما تفيد رواية ابن الاثير في الكامل.

    4- ان احتمال ان يقوم بتدوين القرآن، في مصحف موحد اكثر من صحابي في آن واحد مسالة مقبولة، ولا تعني التعارض.

    ترتيب القرآن:

    لقد اصطلح القدماء على ترتيب القرآن ترتيب سور القرآن وآياته داخل السورة اصطلحوا على تسمية ذلك: بالتاليف.

    فمصطلح تاليف القرآن يعني جمع آياته، وسوره حسب ترتيبها في المصحف.

    جاء في المصباح المنير: (والالفة ايضا اسم من (الائتلاف) وهو الالتيام والاجتماع...).

    وجاء هذا الاستعمال على لسان زيد بن ثابت في قوله: (كنا عند النبي(ص) نؤلف القرآن من الرقاع)((83)).

    وقال اليعقوبي حين ذكر ترتيب سور القرآن النازلة في مكة.

    قال: (وقد اختلف الناس في هذا التاليف في غير رواية ابن عباس، وكان الاختلاف يسيرا)((84)).

    اخرج البخاري عن ابراهيم بن موسى اخبرنا هشام بن يوسف ان جريح اخبرهم قال:واخبرني يوسف بن ماهك قال: اني عند عائشة ام المؤمنين (رض) اذ جاءها عراقي فقال: اي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك؟ قال: يا ام المؤمنين ارني مصحفك،قالت: لم؟ قال: لعلي اولف القرآن عليه فانه يقرا غير مولف، قالت: وما يضرك ايه قرات قبل انما نزل اول مانزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى اذاثاب الناس الى الاسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل اول شيء لاتشربوا الخمر، لقالوا: لاندع الخمر ابدا، ولو نزل لاتزنوا لقالوا: لاندع الزنا ابدا، لقد نزل بمكة على محمد(ص) واني لجارية العب بل الساعة موعدهم والساعة ادهى وامر، وما نزلت البقرة والنساء الا وانا عنده. قال: فاخرجت له المصحف فاملت عليه آي السورة((85)).

    ان القرآن الذي بين ايدينا الان يحوي ترتيبين هما :

    1- ترتيب الايات في سورها.

    2- ترتيب السور في المصحف.

    1- ترتيب الايات في سورها:

    وهذا الترتيب يشكل السياق القرآني، ويؤثر تاثيرا بالغا في المعنى، وتغييره تغيير في بنية القرآن ومعناه.

    وتثبت الروايات ان تنظيم الايات، وترتيبها ضمن كل سورة، هو تنظيم وترتيب الهي توقيفي.

    قال ابن عباس: (كان جبريل اذا نزل على النبي بالوحي يقول له: ضع هذه الاية في سورة كذا، في موضع كذا. فلما نزل عليه:

    (اتقوا يوما ترجعون فيه الى اللّه) قال:ضعها في سورة البقرة)((86)). وكان المسلمون يعرفون ذلك حتى ان الحجاج بن يوسف الثقفي كان يخطب الناس يوما فقال: (الفوا القرآن، كما الفه جبريل(ع))((87)). وتفيد الروايات التاريخية، وتؤيدها دلالات الايات ان كثيرا من الايات المتتالية في ترتيبها داخل السورة الواحدة ليس ضروريا ان تكون نزلت متسلسلة تسلسلا زمنيا،الواحدة بعد الاخرى، بل ان هناك فترة زمنية ربما كانت طويلة بين آية واخرى، وان مانزل بعد هذه الاية في تسلسله الزمني ربما وضع في موقع آخر، في حين وضعت آية الى جوار الاية السابقة، رغم التباعد الزمني بينها. كما ان بعضها قد نزل في مكة المكرمة ونجده في سورة مدنية.

    ونستطيع ان ناخذ مثالا للدراسة سورة العلق، فنكتشف من خلال تحليل مضامين آياتها الفارق الزمني بين آيات تلك السورة، اذ تتكون هذه السورة من مقطعين من الايات: الاول منها يبدا من قوله تعالى: (بسم اللّه الرحمن الرحيم × اقرا باسم ربك الذي خلق × خلق الانسان من علق× اقرا وربك الاكرم الذي علم بالقلم × علم الانسان ما لم يعلم) اما المقطع الثاني فيتكون من الايات الاخرى المتبقية من السورة.

    ومن خلال الدراسة التحليلية للمصطلحات والمفاهيم والوقائع التاريخية نكتشف الفارق الزمني بين مقطعي السورة، وكما ذكر العلماء المهتمون بالنزول وتاريخ القرآن،فان آيات كثيرة نزلت بعد مقطع الايات الاولى، وقبل آيات المقطع الثاني في حين وضعت هذه الايات في هذا الموقع من سورة العلق، ولم توضع الايات التي نزلت قبلها، كيات سورة المدثر والمزمل...الخ في هذه السورة، مما يدل على ان وضع الايات في موضعها المثبت في القرآن الكريم هو امر الهي، وقائم على اتساق وترابط سياق، كما روى ابن عباس آنفا.

    ولكي يتضح ذلك ننقل آراء المفسرين التي ارخت لنزول هذين المقطعين من الايات.

    قال الشيخ الطوسي: (روي عن عائشة، ومجاهد وعطاء وابن سيار: ان اول آية نزلت قوله تعالى: (اقرا باسم ربك الذي خلق) وهو قول اكثر المفسرين. وقال قوم اول مانزل قوله تعالى (يا ايها المدثر) ((88)).

    وفي الحديث عن اسباب نزول آيات المقطع الثاني قال:

    (وقوله: (ارايت الذي ينهى عبدا اذا صلى) تقرير للنبي(ص) واعلام له مايفعله بمن ينهاه عن الصلاة.

    وقيل: ان الايات نزلت في ابي جهل بن هشام. والمراد بالعبد في الاية النبي(ص) فان ابا جهل كان ينهى النبي عن الصلاة...)((89)). ومن الواضح تاريخيا ان صلاة النبي المعلنة والتي كان ينهاه ابو جهل عنها تكشف ان تلك الحوادث قد وقعت بعد ما كان النبي(ص) يصلي بشكل معلن، وان ابا جهل كان قد دعي الى الهدى فاعرض عن تلك الدعوة، ولم تحدث دعوة النبي لابي جهل وتكذيبه للنبي وصده له عن الصلاة ورد الرسول(ص) على ابي جهل وانتهاره له الا بعد فترة زمنية طويلة تفصل بين نزول الايات الخمس الاولى وما بعدها.

    كما ان هناك سورا مكية فيها آيات مدنية، مثل سورة (القلم)، قال الطبرسي(رحمه اللّه): (وتسمى ايضا سورة: ن، وهي مكية، عن الحسن وعكرمة وعطاء، وقال ابن عباس وقتادة من اولها الى قوله: (سنسمه على الخرطوم) مكي،وما بعده الى قوله: (لو كانوا يعلمون) مدني، وما بعده الى قوله: (يكتبون) مكي،وما بعده مدني وهي اثنتان وخمسون آية بالاجماع)((90)).

    2- ترتيب السور في المصحف:

    ومن القضايا التي ينبغي التعرف عليها في ترتيب القرآن وتاليفه، هو ترتيب سوره بالشكل القائم بين الدفتين في المصحف المتداول بين المسلمين، والذي يبدا بسورة الفاتحة، وينتهي بسورة الناس، وبمراجعة الوثائق التاريخية المختلفة يتضح لنا ان هذا الترتيب مؤسس على اختيار عدد من الصحابة في عهد الخليفة عثمان بعد ان وحدالقراءات، واستنسخ عددا من المصاحف. فلم يكن ترتيب السور حسب نزولها مثبتافي القرآن. فالمعروف ان اول سورة نزلت من القرآن هي سورة العلق.

    وقيل ان سورة العلق هي اول سورة نزلت للنبوة، وان المدثر اول سورة نزلت للرسالة((91)).

    اما آخر سورة نزلت منه فقد اختلف فيها، فقيل: سورة براءة، وقيل: سورة اذا جاء نصراللّه، وقيل: سورة المائدة، وقيل غير ذلك.

    ويرجح علماء الشيعة الى ان آخر ما نزل من القرآن هو قوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا).

    وتثبت الروايات التاريخية ان هناك اكثر من ترتيب تاريخي للسور القرآنية على عهدالصحابة، ثم وحد في مصحف عثمان فتلك الروايات تذكر ان هناك ترتيبا خاصابمصحف الامام علي، كما جاء في تاريخ اليعقوبي: (وروى بعضهم ان علي بن ابي طالب(ع) كان جمعه لما قبض رسول اللّه(ص) واتى به يحمله على جمل، فقال: هذاالقرآن قد جمعته...)((92)).

    غير ان اليعقوبي لم يذكر لنا الى من حمل علي(ع) القرآن، ومن هو المخاطب بقول علي(ع): (هذا القرآن قد جمعته)؟ كما ان اليعقوبي لم يذكر جواب المخاطب! ثم واصل بعد ذلك حديثه عن ترتيب مصحف علي(ع): كالاتي: (وكان قد جزاه سبعة اجزاء...((93)).

    وهناك ترتيب السور في مصحف عبد اللّه بن مسعود، وهناك ترتيب السور في مصحف ابي بن كعب، وهناك ترتيب السور في مصحف عبد اللّه بن عباس.

    والاختلاف في ترتيب السور لا يضر في معنى ونظم القرآن وسياقه ومعناه، كما هوالحال في ترتيب الايات.

    والذي يبدو من هذه الصور التنظيمية المختلفة للقرآن ان تنظيمه لم يكن مسالة توقيفية محددة في ذلك الوقت، بل كان الصحابي يدون سور القرآن ضمن الترتيب الذي يختاره. وروايات تعدد ترتيب المصاحف تدل ايضا على ان اكثر من صحابي كان قد جمع القرآن مدونا في مصحف واحد، مما يسقط الروايات التي ذكرت ان عثمان، هو اول من جمع القرآن، او ان ابا بكر هو اول من جمعه.

    ومن المؤسف اننا الان لا نجد الوثائق المثبتة لتسلسل السور والايات حسب نزولهاالتاريخي بشكل دقيق وكامل، وقد ذكر ان الامام عليا(ع) كان قد رتب الايات حسب نزولها، كما انه اثبت تفسير وتاويل بعض الايات في هذا المصحف، مما يساهم في فهم المعنى والوقائع والحوادث ومصاديق الايات، وفهم كثير من الاحكام.

    وجدير ذكره ان هناك خطا في بعض الروايات التاريخية التي ذكرت تسلسل السورحسب نزولها.

    فمثلا: ان ابن النديم ذكر في الفهرست((94)): ان سورة (الكوثر) نزلت بعد سورة(العاديات) ومما يسقط هذه الرواية ان سورة (الكوثر) نزلت في مكة بعد وفاة عبد اللّهابن النبي(ص)، اثر قول العاص بن وائل السهمي في النبي انه (الابتر) اي الذي لا ولدله يعقبه. في حين ان سبب نزول سورة (العاديات) هي احدى الغزوات (ذات السلاسل) وكانت الغزوات في المدينة المنورة، وبذا يكون نزولها في المدينة، كمايكون نزول الكوثر قبل نزول العاديات.

    وقد انعكس هذا الاختلاف في آراء الصحابة والمفسرين فقد نقل الطبرسي في مجمع البيان: (سورة العاديات مدنية عند ابن عباس وقتادة، وقيل مكية) وهي في المصحف(مكية) اما الطوسي فقد قال في التبيان: (مكية في قول ابن عباس، وقال الضحاك: هي مدنية).

    وقد عدها اليعقوبي: (سورة مدنية...)((95)).

    اما ابن النديم فقد روى عن مجاهد انها (مكية)((96)).

    ويرجح مدنيتها ان المفسرين ومن كتبوا في اسباب النزول ذكروا انها نزلت في غزوة ذات السلاسل((97))، اذ بعث رسول اللّه الامام عليا(ع) فحقق نصرا كبيرا فاخبر اللّه نبيه بهذا النصر بهذه السورة.

    وروي ايضا (ان رسول اللّه(ص) بعث سرية الى حي بني كنانة واستعمل عليهم المنذربن عمرو الانصاري، فتاخر خبرهم، فقال المنافقون: قتلوا جميعا، فاخبر اللّه تعالى عنها، فانزل...والعاديات ضبحا يعني تلك الخيل)((98)).

    ومن الواضح ان الغزوات جميعها وقعت في المدينة المنورة، لذا فان نزول هذه السورة في المدينة يكون هو الارجح، لانها تتحدث عن الغزو واغارة الخيل.

    المكي والمدني لقد بدا نزول الوحي في مكة المكرمة في غار حراء في شهر رمضان المبارك على الرسول(ص)، واستمر نزوله ثلاثة عشر عاما، وسمي ما نزل من القرآن في مكة(بالمكي)، وبعد هجرته المباركة الى المدينة المنورة استمر نزول الوحي عليه حتى التحاقه بالرفيق الاعلى.

    وقد استمرت هذه الفترة طوال عشر سنوات. وسمي ما نزل من القرآن في المدينة(بالمدني).

    كما سمي مدنيا ايضا ما نزل على الرسول(ص) خارج المدينة في غزواته الكثيرة خارج المدينة المنورة.

    حتى ما نزل منه في مكة المكرمة او على مقربة منها. فالفاصل بين المكي والمدني، هومرحلي ايضا. (مرحلة مكة والمدينة).

    وليس مكانيا فحسب.

    ومما اثبته الباحثون في علوم القرآن والسيرة ان آيات نزلت في المدينة قد وضعت في سور مكية، كما في سورة ابراهيم المكية، عدا آيتين منها، كما ان آيات مكية، قدوضعت في سور مدنية.



    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 7:57 pm




    التفسير


    التفسير في اللغة: قال الراغب الاصفهاني: (الفسر: اظهار المعنى المعقول، ومنه قيل لما ينبئ عنه البول:تفسرة، وسمي بها قارورة الماء، والتفسير في المبالغة كالفسر. والتفسير قد يقال فيما يختص بمفردات الالفاظ وغريبها، وفيما يختص بالتاويل، ولهذا يقال تفسير الرؤيا و تاويلها.

    قال عزوجل: (واحسن تفسيرا)((99)).

    (الفسر: البيان)((100)).

    (فسر الشيء يفسره بالكسر، ويفسره بالضم، فسرا. وفسره: ابانه.

    والتفسير مثله. ابن الاعرابي.

    التفسير والتاويل والمعنى واحد. وقوله: (واحسن تفسيرا).

    الفسر: كشف المغط ى. والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل. والتاويل: رد احدالمحتملين الى مايطابق الظاهر...)((101)).

    التفسير في الاصطلاح:

    واذا فالتفسير في اللغة ماخوذ من الفسر: وهو: اظهار المعنى، وكشف الغطاءوالبيان.

    ومنه التفسرة: وتعني ما يستدل بها على غيرها مما يرتبط بها.اي هي اسم لعملية الكشف عن الخفي بماهو ظاهر لوجود العلاقة بينهما.

    ولفظ التفسير كغيره من الالفاظ التي اصبح لها معنى خاص في اصطلاح العلماء. فهو(التفسير) اسم لعلم من اهم العلوم والمعارف الاسلامية، واكثرها اثرا في حياة الامة الفكرية والتشريعية والاجتماعية وغيرها من مجالات الحياة.

    ومن استقراء التعاريف التي اوردها العلماء في كتبهم وتحديدهم لشخصية وهوية هذاالعلم واهدافه، نجد التقارب بين معناه في الاصطلاح، ومعناه في اللغة.

    وقد عرفه العلماء بعبارات يختلف بعضها عن بعض احيانا. كما عرفه البعض منهم بماعرف به التاويل، فلم يفرق بينهما، بينما فرق فريق آخر من العلماء بين التفسيرو التاويل تفريقا حديا، بل واعتبر بعضهم عدم التفريق بينهما جهلا بالتفسير وبعلوم القرآن.

    وقال السيوط ي ناقلا عن الراغب تعريفه للتفسير: (وقال الراغب: التفسير اعم من التاويل، واكثر استعماله في الالفاظ ومفرداتها، واكثر مايستعمل التاويل في المعاني والجمل، واكثر ما يستعمل في الكتب الالهية. والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها)((102)).

    وقال غيره: (التفسير بيان لفظ لا يحتمل الا وجها واحدا...)((103)). وقال الماتريدي: (التفسير القطع على ان المراد من اللفظ هذا، والشهادة على اللّه انه عني باللفظ هذا، فان قام دليل مقطوع به فصحيح، والا فتفسير بالراي وهو المنهي عنه...)((104)).

    وقال ابو طالب التغلبي: (التفسير بيان وضع اللفظ، اما حقيقة، او مجازا، كتفسيرالصراط بالطريق، والصيب بالمطر. والتاويل تفسير باطن اللفظ، ماخوذ من الاول، وهو الرجوع لعاقبة الامر، فالتاويل اخبار عن حقيقة المراد، والتفسير اخبار عن دليل المراد، لان اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثاله قوله تعالى: (ان ربك لبالمرصاد)((105))، تفسيره انه من الرصد، يقال: رصدته رقبته، والمرصاد (مفعال)منه، وتاويله التحذير من التهاون بامر اللّه والغفلة عن الاهبة والاستعداد للعرض عليه،وقواطع الادلة تقتضي بيان المراد منه، على خلاف وضع اللفظ في اللغة)((106)).

    وقال الاصبهاني في تفسيره: ((اعلم ان التفسير في عرف العلماء: كشف معاني القرآن، وبيان المراد، اعم من ان يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهروغيره، والتاويل اكثره في الجمل. والتفسير اما ان يستعمل في غريب الالفاظ نحوالبحيرة والسائبة، والوصيلة، او في وجيز يتبين بشرح، نحو: اقيموا الصلوة وآتواالزكاة، واما لكلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره الا بمعرفتها، كقوله: (انما النسيءزيادة في الكفر) وقوله: (وليس البر بان تاتوا البيوت من ظهورها)))((107)). وقال ابو نصر القشيري: التفسير مقصور على الاتباع والسماع والاستنباط، مما يتعلق بالتاويل.

    وقال قوم: ما وقع مبينا في كتاب اللّه ومعينا في صحيح السنة سمي تفسيرا، لان معناه قدظهر ووضح، وليس لاحد ان يتعرض اليه باجتهاد ولا غيره، بل يحمله على المعنى الذي ورد، لايتعداه)((108)).

    وقال الزركشي: (قال ابن فارس: معاني العبارات التي يعبر بها عن الاشياء ترجع الى ثلاثة: المعنى، والتفسير، والتاويل، وهي وان اختلفت فالمقاصد بها متقاربة.

    فاما المعنى: فهو القصد والمراد.

    واما التفسير في اللغة: فهو راجع الى معنى الاظهار والكشف...

    فالتفسير: كشف المغلق من المراد بلفظه، واطلاق للمحتبس عن الفهم به...)((109)).

    واختلفوا فقيل: التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، ورد احد الاحتمالين الى مايطابق الظاهر...)((110)).

    وقال الزركشي: (واعلم ان التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن، وبيان المراداعم من ان يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره،والتفسير اكثره في الجمل)((111)).

    وقد عرفه الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي بقوله:

    (التفسير: كشف المرادعن اللفظ المشكل)((112))، كما عرف التاويل بقوله: (والتاويل رد احد المحتملين الى ما يطابق الظاهر)((113)). وعرفه السيد ابو القاسم الخوئي بقوله: (التفسير هو ايضاح مراد اللّه تعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت انه حجة من طريق العقل، او من طريق الشرع للنهي عن اتباع الظن، وحرمة اسناد شيءالى اللّه بغير اذنه)((114)).

    اما الشهيد الصدر فقد عرف التفسير بقوله: (فتفسير الكلام اي كلام معناه: الكشف عن مدلوله، وبيان معناه الذي يشير اليه اللفظ)((115)). وبعد ان عرف الشهيد الصدر التفسير عرض اتجاهين لتعريف التفسير وتحديددلالته.

    الاتجاه الاول: وهو الاتجاه السائد عند الاصوليين الذي لخصه بقوله(رحمه اللّه)Sad...وبتعبير آخر ان من اظهر معنى اللفظ يكون قد فسره، واما حيث يكون المعنى ظاهرا ومتبادرا بطبيعته، فلا اظهار ولا تفسير.

    وسيرا مع هذا الاتجاه، لا يكون من التفسير الا اظهار احد محتملات اللفظ، واثبات انه هو المعنى المراد، او اظهار المعنى الخفي غير المتبادر، واثبات انه هو المعنى المراد،بدلا من المعنى الظاهر المتبادر. واما ذكر المعنى الظاهر المتبادر من اللفظ، فلا يكون تفسيرا.

    وهذا الراي يمثل الراي السائد عند الاصوليين)((116)).

    اما الراي الثاني فهو الراي الذي تبناه هو(رحمه اللّه) بقوله:

    (ولكن الصحيح: هو ان ذكر المعنى الظاهر قد يكون في بعض الحالات تفسيرا ايضا، واظهارا لامر خفي، كماانه في بعض الحالات الاخرى لايكون تفسيرا، لانه يفقد عنصر الخفاء والغموض، فلايكون اظهارا لامر خفي او ازالة لغموض)((117)).

    وعند دراسة وتحليل الرايين الذين عرضهما الشهيد الصدر رايه والراي الاخرنجدانهما متفقان في مفهوم التفسير ، ومختلفان في تحديد مصاديقه، فالتفسير عندهما هوكشف الغموض، وازالة الخفاء عن المعنى المراد للمتكلم.

    اما اعتبار المتبادر من ظهور المعنى اذا كان من الدرجة المعقدة كما عبر الشهيد الصدرمن الغامض الخفي الذي يجب ان يكشف عنه او لا، فهو تشخيص مصداق، وليس تحديد مفهوم.

    وبذا يتضح اتجاهان في معنى التفسير:

    اولهما: يحصر التفسير في اظهار احد محتملات اللفظ، واثبات انه المعنى المراد، وبذايكون من حقق ذلك قد فسر القول.

    او ان يكون المفسر قد اظهر المعنى الخفي في الكلام غير المتبادر منه، واثبت ان المرادليس المتبادر، بل غيره.

    وهو الاتجاه السائد لدى الاصوليين، كما يقول الشهيد الصدر.

    والاتجاه الثاني: يرى ان التفسير يصدق ايضا ببيان المعنى الظاهر اذا كان في ذلك العمل اظهار لامر خفي في الكلام.

    وبعد هذا العرض لمفهوم التفسير، وتعريفه في اللغة والاصطلاح يتضح لنا معنى التفسير واهميته في الفكر الاسلامي، فهو عبارة عن بيان المحتوى القرآني الذي يحتاج الى بيان، وكشف المراد منه، سواء اكان ذلك بيان معنى لمفردة لفظية اوجملة.

    وبيان المحتوى القرآني (ومراد اللّه تعالى من كتابه). مسالة من اهم المسائل، واكثرهااثرا في حياة الامة الاسلامية.

    تحدث الوحي عن مسالة البيان القرآني بقوله: (ان علينا جمعه وقرآنه فاذا قراناه فاتبع قرآنه × ثم ان علينا بيانه)((118)) وبقوله: (...وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون) ((119)).

    وهكذا يوضح القرآن ان بيان ما كان غامضا من القرآن، لا يتضح الا ببيان الرسول(ص)وهو من مهامه(ص)، وان اللّه سبحانه قد بينه له، وكشف غوامضه.

    قال الشيخ الطوسي في تفسيره لقوله تعالى: (ثم ان علينا بيانه): (والبيان اظهارالمعنى للنفس بما يتميز به من غيره بان الشيء يبين اذا ظهر، وابانه غيره، اي اظهره بياناوابانة. ونقيض البيان الاخفاء والاغماض. وقال قتادة: ثم ان علينا بيانه، معناه:

    انا نبين لك معناه اذا حفظته)((120)).

    وفسر العلامة الطباطبائي هذه الاية بقوله: (اي علينا ايضاحه عليك بعد ما كان عليناجمعه وقرآنه، فثم للتاخير الرتبي، لان البيان مترتب على الجمع والقراءة رتبة.

    وقيل: المعنى: ثم ان علينا بيانه للناس بلسانك تحفظه في ذهنك عن التغيير والزوال حتى تقراه على الناس)((121)).

    من يفسر القرآن:

    ان الحديث عن منهج التفسير في مدرسة اهل البيت، والادوات والوسائل التي توصل الى معرفة القرآن، والكشف عن معانيه، وبيان مراد اللّه تعالى منه. يقودنا الى ضرورة بيان مسالة اساسية من المسائل التي يرتبط بها فهم القرآن، واكتشاف محتواه الفكري والتشريعي والتربوي...الخ. وهي مسالة: (من المخول بفهم القرآن وتفسيره). فقدنشات في هذا الشان عدة نظريات اساسية اثارت جدلا وخلافا بين العلماء وهي:

    1- النظرية التي تذهب الى ان القرآن لا يفسره الا الرسول(ص) باعتباره المخاطب به،وهو وحده يدرك ما فيه من معان ومضامين، وهو مذهب الحشوية والمجبرة، كما ذكرالشيخ الطوسي ذلك.

    2- النظرية القائلة ان القرآن لا يفسره الا الرسول(ص) والائمة من اهل البيت(ع)باعتبارهم الحجة على الخلق بعد رسول اللّه(ص)، ووفق هاتين النظريتين يتوقف دور العقل والاجتهاد في فهم القرآن.

    3- النظرية التي تذهب الى ان القرآن خطاب عربي مبين، وان كل من عرف لغة العرب يستطيع ان يفهم القرآن.

    4- النظرية التي تذهب الى ان القرآن خطاب الهي موجه الى البشرية جميعها، بلغة عربية فصيحة، وبالاعتماد على العنصر اللغوي وادوات علمية اخرى نستطيع ان نفهم القرآن وفق ظهوره اللغوي، كما نستطيع ان نستنبط الكثير من معانيه عن طريق العقل والتدبر، غير ان هناك بعض المعاني والمفاهيم التي يحتاج الناس في بيانها الى الرسول(ص) او الامام الذي ورث علوم الرسول(ص) فلابد فيها من الرجوع اليه،فهو المرجع من بعده وان بيانه هو الحجة عند الخلاف في فهم القرآن، وبذا يكون فهم القرآن والاستنباط منه عملا علميا جائزا لغير النبي(ص) والامام(ع) اذا كان قدتوفرت لديه الوسائل العلمية التي تؤهله لفهم القرآن، وهذه النظرية هي النظرية العلمية السائدة لدى مفسري وفقهاء الشيعة الامامية، وفي ذلك تحدث الشيخ الطوسي مبينا بطلان النظريات الاولى والثانية والثالثة، واثبات النظرية الرابعة، وقد صرح بذلك عند تفسيره الاية الكريمة: (افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)((122)).

    قال: هذه الاية الكريمة تدل على اشياء:

    احدها: على بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في اصول الدين:

    لانه حث ودعاء الى التدبر، وذلك لا يكون الا بالفكر والنظر.

    الثاني: يدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن لايفهم معناه الا بتفسير الرسول(ص)من الحشوية والمجبرة، لانه تعالى حث على تدبره ليعملوا به((123)).

    وعند تفسيره لقوله تعالى: (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها)((122)) قال:معناه: (افلا يتدبرون القرآن بان يتفكروا فيه، ويعتبروا به، ام على قلوبهم قفل يمنعهم من ذلك، تنبيها لهم على ان الامر بخلافه، وليس عليها ما يمنع من التدبر والتفكر، والتدبر: النظر في موجب الامر وعاقبته. وعلى ذلك دعاهم الى تدبر القرآن.

    وفي ذلك حجة على بطلان قول من يقول: لا يجوز تفسير شيء من ظاهر القرآن الا بخبر وسمع)((125)).

    هذه الاية تدل على اشياء وذكر منها: انها تدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن لايفهم معناه الا بتفسير الرسول من الحشوية والمجبرة، لانه تعالى حث على تدبره ليعملوا به.

    وتحدث الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر(رحمه اللّه) في هذه النظريات في احد كتبه الاصولية المدرسية فقال: (ذهب جماعة من العلماء الى استثناء ظواهرالكتاب الكريم من الحجية، وقالوا: بانه لايجوز العمل فيما يتعلق بالقرآن العزيز الا بماكان نصا في المعنى، او مفسرا تفسيرا محددا من قبل النبي(ص) او المعصومين من آله عليهم الصلاة والسلام)((126)). وبعد ان عرف بهذه النظرية رد عليها استدلالها، وناقش ادلتها التي استدلت بها من الكتاب والروايات التي احتجت بها.

    فمن القرآن استدلوا بقوله تعالى: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات) ويمكن تلخيص رد الشهيد الصدر((217)) على هذا الاتجاه بالاتي:

    1- رده على ما استدل به من القرآن الكريم ويبتنى على:

    ا ان اللفظ الظاهر ليس من المتشابه.

    ب لو سلمنا بان الظاهر من المتشابه فلا نسلم ان الاية تنهى عن مجرد العمل بالمتشابه، وانما هي في سياق ذم من يلتقط المتشابهات فيركز عليها بصورة منفصلة عن المحكمات ابتغاء الفتنة، وهذا مما لا شك في عدم جوازه.

    ج يلزم من قال بعدم حجية الظهور بطلان احتجاجه بهذه الاية، لانه احتجاج بظهورها.

    2- رده ((128)) على ما استدل به من الروايات الناهية عن العمل بظاهر الكتاب،ويلخص رده بالاتي:

    ا- ضعف هذه الروايات، وان رواتها في الغالب من اصحاب الاتجاهات الباطنية المنحرفة.

    ب- ان هذه الروايات معارضة للكتاب الكريم الدال على انه تبيان لكل شيء وهدى وبلاغ، والمخالف من اخبار الاحاد للكتاب لا يشمله دليل حجية خبر الواحد.

    ج- ما دل من الروايات على وجوب التمسك بالقرآن، ذلك لان التمسك به يعني عرفاالعمل بظواهره.

    ونخلص من دراسة آراء اولئك الاعلام ان المنهج الامامي في التفسير يثبت مبدا ان القرآن يمكن ان يفسره غير النبي او الامام،يفسر ما لم يرد فيه بيان من النبي(ص) او الامام(ع) من بعده، وان الماثور الثابت الصحة هو المرجع والمقياس في التفسير والتاويل.

    ولعل في ذلك الرد الكافي على الاتجاه الباطني الخارج على منهج اهل البيت(ع) كماان في ذلك الرد الكافي على من خلط بين منهج مدرسة اهل البيت في التفسير، وبين المنهج الباطني، ولعل من اوضح صور الخلط والتشويه، وسوء الفهم المؤسف، هو ماجاء في كتاب (دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث) للدكتور عبد اللّه فهدالنفيسي. قال:

    (ان نظرة الشيعة الى مصادر الشريعة الاسلامية تختلف اختلافا كليا عن نظرة السنة اليها، فالسنة تعتبر المصدر الاول للشرع القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف (السنة)والاجماع والقياس، ولكن الشيعة، في صورة عامة يتطلعون الى امام بالتعيين من قبل اللّه بواسطة رسوله يستطيع وحده تفسير القرآن، ويدرك معناه الباطني. وبسبب هذاالخلاف الجوهري في النظرة الى الاسلام، فان الشيعة تنظر الى قضية خلاص الانسان من زاوية تختلف عن نظرة السنة. فان الخلاص البشري في نظر الشيعة، لا يتم كماترى السنة بواسطة اتباع احكام القرآن، اي ان تكون حياة المسلم منسجمة مع اوامر اللّهونواهيه، كما نصها الوحي.

    وانما بواسطة امام الزمان...)((129)).

    وقد اكد ائمة اهل البيت(ع) في مواضع عديدة، وعلى امتداد وجودهم انهم ورثة علوم رسول اللّه، ورواة معارفه، فمنها ياخذون، وعليها يؤسسون، وان كل ما صدر عنهم، هوماخوذ عما وصلهم ابا عن اب عن رسول اللّه(ص).

    وفي ذلك يقول الامام الصادق(ع): ((حديثي حديث ابي، وحديث ابي حديث جدي،وحديث جدي حديث ابيه، وحديث ابيه حديث علي بن ابي طالب، وحديث علي حديث رسول اللّه، وحديث رسول اللّه(ص) قول اللّه عزوجل))((130)).

    وسال رجل الامام الصادق(ع) فقال: (ارايت ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال له: مه ما اجبتك فيه من شيء، فهو عن رسول اللّه(ص))((131)).

    وساله احد اصحابه قال: (باي شيء يفتي الامام؟ قال: بالكتاب والسنة؟ قلت: فما لم يكن في الكتاب؟ قال: بالسنة، قلت: فما ما لم يكن في الكتاب والسنة، قال: ليس شيء الا في الكتاب والسنة. قال: فكررت مرتين او اثنتين، قال: يسدد ويوفق، فاما ما تظن فلا)((132)).

    وقد علق العلا مة المجلسي على ذلك بقوله: (يوفق ويسدد، اي لان يعلم ذلك من الكتاب والسنة).

    وعن جابر قال: قال ابو جعفر الباقر(ع) «ياجابر لو كنا نفتي الناس براينا لكنا من الهالكين، ولكنا نفتيهم بثار من رسول اللّه واصول علم عندنا يتوارثها كابر عن كابر،نكنزها، كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم»((133)).

    وتحدث الامام الحسن(ع) عن تفسير اهل البيت(ع) للقرآن فقال: «نحن حزب اللّهالغالبون، وعترة رسول اللّه(ص) الاقربون، واهل بيته الطيبون الطاهرون، واحدالثقلين اللذين خلفهما رسول اللّه(ص) في امته، تالي كتاب اللّه الذي فيه تفصيل كل شيء، لا ياتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فالمعول علينا تفسيره، لانتظنن تاويله، بل نتيقن حقائقه...»((134)).

    وبضم الاحاديث بعضها الى بعض، ودراستها دراسة تحليلية يتضح لنا ان الامام حين يفتي الناس بكتاب اللّه عزوجل، ويبين محتواه انما يعتمد على آثار علم من رسول اللّه(ص) وان لا شيء الا وقد نزله اللّه في كتابه، وبينه لنبيه، وان ائمة اهل البيت قدورثوا هذا البيان عن جدهم الهادي محمد(ص) فبينوه للناس، كما ان قوله(ع) «يوفق ويسدد» يوضح ان الامام بما يحمل من طهارة النفس، وكمال العلم، والتعلق المطلق باللّه تعالى، يوفق ويسدد لمعرفة ما هو غامض على غيره من كتاب اللّه عزوجل، لذاكانوا هم المرجع في فهم القرآن وتفسيره عند الخلاف.

    وقد اعترف علماء الاسلام بمختلف مذاهبهم باعلمية ائمة اهل البيت(ع)ومرجعيتهم العلمية.

    ومن الثابت تاريخيا، ان الصحابة جميعا كانوا يرون ان الامام عليا(ع) هو اعلمهم،ومرجعهم في الاحكام والمعارف الاسلامية، وبيان ما لم يكن جليا مشخصا منها بعدان شخص لهم الرسول(ص) هذه الحقيقة بقوله: «اقضاكم علي»((135)). و «انا مدينة العلم وعلي بابها»((136)).

    قال ابن عطية: (اما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن ابي طالب، ويتلوه عبد اللّهبن عباس، وهو تجرد للامر وكمله.

    وقال ابن عباس: ما اخذت من تفسير القرآن فعن علي بن ابي طالب)((137)).

    وقد وصفت زوج الرسول(ص) عائشة عليا(ع) بقولها: (اما انه اعلم الناس بالسنة)((138)).

    ونقل المفسرون عن علي(ع) ان رسول اللّه(ص) دعا له ربه بان تكون اذنه هي الاذن الواعية لاحكام الشريعة، واصول الاسلام، عند نزول قوله تعالى: (وتعيها اذن واعية)((139))، فقد قال:

    قال (لي) النبي (ص): «سالت ربي ان يجعلها اذنك ياعلي»((140))، فقال علي(ع): «فما سمعت شيئا من رسول اللّه(ص)فنسيته» ((141)).

    وان اكثرها وضوحا والزاما، هو قول الهادي محمد(ص): «اني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا بعدي: الثقلين، احدهما اكبر من الاخر: كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي، الا انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض((142))»، فان هذا الحديث يؤكد التلازم بين اهل البيت(ع) وبين كتاب اللّه فهم لايفترقون عنه في العلم والعمل، وبذا وجب ان يكونوا المرجع والمصدر في معرفة الشريعة، ورفع الاختلاف.

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:03 pm



    المرجع في التفسير


    من المجمع عليه بين المسلمين جميعا ان النبي(ص) هو العالم بما في القرآن، وهوالمرجع والمفسر والمبين لما حوى من عقيدة وفكر واحكام وتوجيه وهداية وعلوم ومعارف مختلفة، فالرسول(ص) هو المخاطب بالوحي، وهو العالم بمراد اللّه تعالى من كتابه العزيز، ومع بداهة هذا ووضوحه، ثبت القرآن مرجعية الرسول(ص) وامربالرجوع اليه، من ذلك قوله تعالى:

    (فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والرسول) وقال تعالى:

    (ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وقال تعالى: (وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم) وقال تعالىSadوانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم) (وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه).

    وهكذا يتضح ان الرسول(ص) مبلغ ومبين للقرآن، مبين بقوله وفعله وتقريره. وقددرس العلماء البيان النبوي دراسة علمية مستفيضة في علم اصول الفقه في مباحث علاقة السنة بالكتاب.

    ويقسم البيان النبوي للقرآن الكريم الى قسمين:

    1- بيان المعنى: فقد فسر رسول اللّه(ص) معنى القرآن وايضاح ما قد اشكل فهمه على ذلك الجيل الذي كان يتحدث بلغة القرآن، ويفهم الفاظه وخطابه اللغوي.

    2- بيان الجانب التطبيقي والمصداقي: وكما وضح رسول اللّه(ص) معاني القرآن ومقاصده العامة، عند عدم وضوحها، قام بتطبيق احكامه وتشريعاته في مجال العبادات والقوانين والانظمة الاجتماعية، كاحكام الصلاة والحج والزكاة والميراث.فعرف المسلمون المقصود التطبيقي ومصداق الايات.

    فالسنة هي التي بينت لنا، تطبيقيا، كيفية التيمم الذي ورد في قوله تعالى: (فان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) وهي التي بينت لنا تفصيلات احكام الزكاة بنسبهاواعيانها الزكوية... الخ.

    فقد جاء تشريع الزكاة مجملا في قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها...).

    والرسول(ص) هو الذي بين للامة ما المقصود بقوله تعالى:

    (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا).
    فقد روى المفسرون عن ام سلمة زوج الرسول(ص): (ان الرسول (ص) كان في بيتهاعلى منامة له، وعليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول اللّه(ص): ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم، فبينما هم ياكلون اذ نزلت على رسول اللّه(ص): (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) فاخذ النبي(ص) بفضلة ازاره فغشاهم اياه، ثم اخرج يده من الكساء، واوما بها الى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراقالها ثلاث مرات، قالت ام سلمة: فادخلت راسي في الستر فقلت: يارسول اللّه(ص)وانا معكم؟ فقال: انك الى خير، مرتين...)((143)).

    وبعد مرحلة النبوة والوحي جاءت مرحلة الصحابة فكانت لهم تفاسير وآراء فيما لم يرد فيه بيان نبوي واضح، وكان من ابرز من كان لهم بيان وتفسير، هم: الامام علي(ع)، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وغيرهم. ثم جاء من بعدهم من التابعين فكانت لهم آراء وتفسيرات.

    ومن الواضح ان هذه التفسيرات كانت تختلف وتتباين احيانا، فما هو المرجح لتفسيرعلى آخر؟ ومن هو المرجع في التفسير عند الاختلاف اذن؟ وتلك مسالة علمية وعقيدية ترتب عليها بناء وامتداد فكري واسع في الامة، بل وساهم الجواب على هذين السؤالين في بنية وتكوين المذاهب الفكرية والفقهية والاتجاهات السياسية لدى المسلمين.

    ويمكننا ان نلخص هذه الاتجاهات في اتجاهين اساسيين هما:

    1- اتجاه يساوي في القيمة العلمية بين ما صدر عن الصحابة جميعا ثم التابعين من تفسير وبيان قرآني.

    2- اتجاه يؤمن بان الامام عليا(ع) ومن بعده الائمة من ذريته هم المرجع عندالاختلاف في فهم القرآن وتفسيره وهم اتباع اهل البيت(ع) (اي شيعتهم)، وان ماصدر عنهم من تفسير وبيان قرآني هو الحجة على الاخرين، وهو الرافع للاختلاف،واستدلوا على ذلك بيات وروايات عديدة كقول الرسول(ص): «اني اوشك ان ادعى فاجيب، واني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزوجل وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، وان اللطيف الخبير اخبرني انهما لن يفترقاحتى يردا علي الحوض، فانظروا بم تخلفوني فيهما»((144)).

    وكقوله(ص) لعلي(ع): «ان اللّه امرني ان ادنيك ولا اقصيك، وان اعلمك وتعي، وحق على اللّه تعالى ان تعي، فنزلت: (وتعيها اذن واعية)((145)).

    وروى ابن عباس: ان رسول اللّه(ص) دعا لعلي(ع) بقوله:

    «اللهم فقهه في الدين،وعلمه التاويل»((146)).

    وروى ابو بكر بن عياش محمد نصير بن سليمان الاحمسي عن ابيه عن علي قال: «واللّهما نزلت آية الا وقد علمت فيم نزلت، واين نزلت. ان ربي وهب لي قلبا عقولا، ولساناسؤولا»((147)).

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:08 pm



    اللغة والتفسير


    قال اللّه تعالى: (وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم)((148)). (لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين)((149)). (فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا)((150)). ان المعجزة الكبرى التي تحدت العرب، رغم مالديهم من بلاغة وفصاحة وتفوق ادبي، هي القرآن الكريم، والقرآن هو الخطاب الالهي الذي نزل على قلب النبي الامين محمد(ص) بلسان العرب ولغتهم، لتفهيم المخاطبين، وتيسير فهمه لهم.

    قال تعالى موضحا هذه الخصيصة: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وبذاصار القرآن حجة على العرب المخاطبين به، لوضوح خطابه لديهم، فان تعذر بيان شيء لم يالفوه من المعاني والمسميات، بينه الرسول(ص) لهم باتم بيان.

    والتفسير كما عرفنا، هو بيان مراد اللّه تعالى من كتابه، وهذا المراد معبر عنه بلغة عربية فصحى، لذا فان من عرف العربية بمستوى معرفتها في عصر الوحي، يستطيع ان يفهم القرآن الا ما كان فهمه يحتاج الى بيان من خارج حدود اللغة.

    وتاسيسا على ذلك اعتبر علماء اصول الفقه الامامية الظاهر القرآني حجة، وثبتوا قاعدة علمية لفهم القرآن وتفسيره، واكتشاف الاحكام والمفاهيم بعنوان: (حجية الظهور).

    فليس القرآن رموزا باطنية، ولا اشارات معقدة، كما ذهب الباطنيون الى ذلك، اذ ردعليهم الفقهاء هذا المذهب، وقالوا بحجية الظاهر القرآني، واستدلوا لحجية الظاهرالقرآني اي ما يفهم من ظاهر اللفظ والسياق القرآني وفق اصوله العربية انه حجة بادلة كثيرة موضحة في مواردها من علم اصول الفقه.

    و في دراسة اللغة واثرها في التفسير تبرز امامنا عدة موضوعات هي:

    1- الترادف.

    2- الاشتراك.

    3- الاعراب وموقع الكلمة المفردة والجملة من الكلام. 4- فهم معنى المفردة القرآنية.

    5- القراءة.

    6- الحقيقة والمجاز.

    ولنتناول تلك الموضوعات بشيء من التفصيل ليتضح لنا كيف تعاملت مدرسة اهل البيت مع المعنى القرآني من خلال اللغة، وكيف وظفت تلك الاداة في اكتشاف المعنى وفهمه.

    1- الترادف:

    من الواضح ان المفردات اللغوية هي وحدات البناء اللغوي، وان للالفاظ دلالات وضعية على المعاني المراد التعريف بها، وان من الظواهر المالوفة في لغة العرب ظاهرة الاشتراك في المعنى، وهو مايسمى اصطلاحا ب (الاشتراك) اي استعمال اللفظ في اكثر من معنى. كما نجد في اللغة العربية استعمال لفظين لمعنى واحد ويسمى(بالترادف)، كالغيم والسحاب، والعقل والنهى، والريب والشك، والبارئ والخالق.والاعتماد على المرادف اللغوي هو منهج اساسي من المناهج المتبعة في تفسيرمفردات القرآن الغريبة، ومن الامثلة العملية على وجود الترادف، وتفسيره بالمرادف، هو تفسير ابق ب (هرب)، وتفسير تفثهم ب (وسخهم)، وتفسير اءجاج ب(شديد الملوحة)، وتفسير لاريب فيه ب(لاشك فيه).

    وهكذا فسرت الفاظ القرآن المفردة ذات الدلالة الغريبة على القارئ والسامع بمفردة لغوية اخرى مالوفة المعنى عنده. ولهذا الغرض اءلفت تفاسير: (مفردات غريب اءلفاظ القرآن) لبيان معانيها ودلالاتها، كمفردات الراغب الاصفهاني، وغريب القرآن للسجستاني، وغريب القرآن لابي عبيدة، وغريب القرآن لابن قتيبة وغيرها كثير.

    وفي الحديث عن تفسير المفردة القرآنية بمفردة اخرى مرادفة لها ينبغي دراسة وتحليل محتوى اللفظ، وتحديد معناه الذي حمله الواضع اياها. وبالتحديد ينبغي ان تدرس هذه الالفاظ المترادفة، هل هي متكافئة في معناها بشكل كامل كما تتكافا قطع النقود من فئة واحدة؟ او كما تتكافا قطع الغيار المتعددة في اداء العمل في الماكنة الواحدة، بحيث يتحقق تمام الغرض القرآني عند استعمال اي من المفردات او لا؟ لكي يتضح لنا ذلك فلنصغ الى الراغب الاصفهاني احد اعلام مفسري مفردات القرآن،ومن اوائل المؤلفين فيه، ليحدثنا عن تفسير المفردة القرآنية بمفردة اخرى مرادفة لها.قال(رحمه اللّه) في مقدمة كتابه (المفردات في غريب القرآن):

    «واتبع هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى ونسا في الاجل، بكتاب ينبئ عن تحقيق الالفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الالفاظ المترادفة دون غيره من اخواته، نحو ذكره القلب مرة، والفؤادمرة والصدر مرة. ونحو ذكره تعالى في عقب قصة: (ان في ذلك لايات لقوم يؤمنون) وفي اءخرى: (لقوم يتفكرون) وفي اءخرى: (لقوم يعلمون) وفي اءخرى:

    (لقوم يفقهون) وفي اءخرى: (لاولي الابصار) وفي اءخرى: (لذي حجر) وفي اءخرىSadلاولي النهى) ونحو ذلك مما يعده من لايحق الحق ويبطل الباطل، انه باب واحد، فيقدر انه اذا فسر الحمدللّه، بقوله الشكر للّه، ولا ريب فيه، بلا شك فيه فقد فسر القرآن، ووفاه التبيان، جعل اللّه لنا التوفيق رائدا، والتقوى سائقا، ونفعنا بما اولانا، وجعله لنامن معاون تحصيل الزاد المامور به في قوله تعالى: (وتزودوا فان خير الزادالتقوى)».

    وبذا يوضح الراغب احد ائمة التفسير اللغوي ان المترادفات في اللغة غير متساوية في المعنى تمام التساوي، وان هناك فارقا في المعنى بين مرادف ومرادف آخر زائدا على مرادفه، فالمترادفان بينهما اشتراك في المعنى اضافة الى معنى اضافي، غير ان المرادف يقوم بدور الوسيط في ايضاح مرادفه، وليس هو المؤدي تمام المعنى والاداء المساوي من غير فرق بينهما، ولقد طبق الراغب هذه النظرية تطبيقا عمليا على عمله التفسيري في كتابه: (المفردات في غريب القرآن) فلم يكتف بايراد المرادف كمفسر، بل اورده مع الفارق الاضافي من معنى مستبطن في اللفظ المستعمل قرآنيا، نعرف بعضا منهالايضاح هذه النظرية في التفسير اللغوي، فمثلا فسر كلمة (الريب) بقوله: (الريب ان تتوهم امرا ما فينكشف عما تتوهمه) وفسر كلمة (الشك) بقوله: (الشك: اعتدال النقيضين عند الانسان وتساويهما) وبذا يتضح الفارق بين الشك والريب في المعنى،في حين لم يفرق كثير من المفسرين بينهما، كما لم يفرق كثير من اصحاب القواميس بينهما.

    وفسر (الامة) بقوله: (كل جماعة يجمعهم امر ما، اما دين واحد، او زمان واحد، اومكان واحد). ولذا فكلمة امة لا تفسر بكلمة جماعة مجردة من اضافة الامر الجامع.

    وهكذا فان كلمة (جماعة) لا تساوي كلمة (امة)، بشكل كامل.

    وفي تفسيره (للخشوع)(بالضراعة)، وضح الفارق في المعنى بين المترادفين بقوله: (الخشوع: الضراعة،واكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة اكثر ما تستعمل في مايوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: اذا ضرع القلب خشعت الجوارح، وفسر(السغب) بقوله: (هو الجوع مع التعب، وقد قيل في العطش مع التعب).

    بينما فسر السغب في قواميس اللغة بالجوع مجردا من حالة التعب. وهكذا فتفسيرالسغب بالجوع مجردا، لا يؤدي الغرض القرآني من استعمال كلمة السغب، ولم يستعمل كلمة جوع، لانها لا تعبر عن تمام المراد، وهو وصف الحالة التي تسيطر على الناس في ذلك اليوم (جوع ونصب)، او (جوع يخالطه عطش وتعب) او كل هذه الحالات.

    وفسر الاشفاق مفرقا بينه وبين مرادفه، الخوف، بقوله:

    (والاشفاق عناية مختلطة بخوف، لان المشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه.

    قال: (وهم من الساعة مشفقون) فاذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه اظهر، واذا عدي بفي فمعنى العناية فيه اظهر. قال: (انا كنا قبل في اهلنا مشفقين).

    وفسر الهداية بقوله: (الهداية: دلالة بلطف... ثم قال: ان قيل كيف جعلت الهداية دلالة بلطف، وقد قال اللّه تعالى: (فاهدوهم الى صراط الجحيم) ويهديه الى عذاب السعير.قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللفظ على التهكم مبالغة في المعنى، كقوله: فبشرهم بعذاب اليم.

    وبهذا التفسير نفهم الفارق بين تفسير من يفسر الهداية بانها:

    دلالة بلطف، وبين من يفسرها بالدلالة كمرادف لها.

    فالتفسير الاول يوضح مراد القرآن المودع في هذه الكلمة كاملا، ليوضح للناس ان اللّه سبحانه دلهم على الطريق بلطف، بينما لا يوضح التفسير الثاني عنصر اللطف في الدلالة، لذا فهو ليس تفسيرا تاما لمراد القرآن الكريم من استعمال لفظ الهداية دون مرادفها.

    2- الاشتراك:

    وبعد ان تكونت لدينا صورة عن الترادف، وعدم دقة التفسير بالمرادف، لعدم قدرة مرادفه على اداء كامل معناه، نوضح الصنف الثاني من الاشتراك، وهو اشتراك معنيين،او اكثر بلفظ واحد.

    اي ان يكون للفظ الواحد اكثر من معنى كلفظ (القرء) الذي قال فيه الراغب: (والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسما جامع اللامرين معا: الطهر والحيض المتعقب له، اطلق على كل واحد منهما.

    والقرءاذا انفرد، كالمائدة للخوان والطعام، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به، وليس القرءاسما للطهر مجردا، ولاللحيض مجردا...((151)).

    وكلفظ (المولى) الذي يعني العبد والسيد، وكلفظ (دين) الذي يعني: العادة والشان والجزاء والمكافاة.

    وعرف اللفظ المشترك بانه: (اللفظ الذي تعدد معناه، وقد وضع للجميع كلا على حدة ولكن من دون ان يسبق وضعه لبعضها لبعض على وضعه للاخر، مثل (عين)الموضوع، لحاسة النظر، وينبوع الماء، والذهب، وغيرها((152)).

    وقد ذكر بعض العلماء استحالة استعمال لفظ واحد في معنيين في استعمال واحد.

    وحين يرد اللفظ المشترك في القرآن الكريم ينبغي التعامل معه انه من المجملات، وينحل الاجمال بالقرائن اللفظية والسياقية وغيرها من القرائن التي توضح مراد القرآن من المعنى المستعمل فيه.

    قال الشيخ الطوسي في مقدمة تفسير التبيان: (ومتى كان اللفظ مشتركا بين شيئين او مازاد عليهما، ودل الدليل على انه لا يجوز ان يريد الا وجها واحدا، جاز ان يقال انه هوالمراد).

    وقال الشيخ محمد رضا المظفر(رحمه اللّه): «ولا شك في جواز استعمال اللفظ المشترك في احد معانيه بمعونة القرينة المعينة، وعلى تقدير عدم القرينة يكون اللفظ مجملا، لا دلالة له على احد معانيه» ((153)).

    لذا ينبغي للمفسر ان يلم بهذه الاستعمالات، ويشخص القرائن المفسرة لهذا الاستعمال المجمل ليستطيع تشخيص المراد القرآني.

    3- الاعراب:

    من الواضح لدى المختصين بعلم النحو ان الاعراب في حقيقته هو: عبارة عن بيان موقع الكلمة او الجملة من الكلام، وذلك يعتمد على فهم المعنى وتحديده، وقد وضعت علامات الاعراب للفظ المفرد لتكون دليلا على موقعه من الكلام، او علامة قرائية لبيان المعنى. والقرآن كما نعرف هو آية في البلاغة والفصاحة والاتقان اللغوي، لذا فان تفسيره، وفهمه لغويا، الذي يكشف لنا عن معناه يحتاج الى فهم اعراب الكلمة والجملة. وكما نعرف فان المفسر الذي عاش، او يعيش في بيئة غير بيئة اللغة القرآنية اي يعيش في غير عصر الاحتجاج اللغوي فهو ليس من اهل اللغة، كماكان المعاصرون لنزول القرآن، امثال ابن عباس، واءبي وغيرهم، انما يتعلمها تعلما.

    وكما نعلم فان للنحويين مذاهب ونظريات نحوية، كما ان فهم المفسر الاعرابي يختلف من شخص لاخر ، لذلك نجد الاختلاف في اعراب الكلمة والجملة القرآنية لدى المفسرين والنحويين.

    وينعكس هذا الاختلاف في الاعراب على الاختلاف في فهم المعنى واكتشافه، مما يستوجب توفر القدرة اللغوية لدى المفسر في هذا الحقل من علوم اللغة. ومساحة هذا المجال في القرآن الكريم واسعة، وذات اثر هام.

    وللايضاح نذكر امثلة من الخلاف في الاعراب الذي ينتج عنه خلاف في التفسير. فالذي جاء في اعراب (الا) الواقعة في قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم...)((154))... ما ياتي:

    ذكر العلامة الطباطبائي ان بعضهم اعربها بانها استثناء منقطع، واعربها آخرون بانهااستثناء متصل، اما هو فقد فسرها بقوله:

    (فتقييد الجملة، اعني قوله: لا تاكلوا اموالكم بينكم بعد تقييدها بقوله: بالباطل، النهي عن المعاملات الناقلة التي لا تسوق المجتمع الى سعادته ونجاحه، بل تضره وتجره الى الفساد والهلاك، وهي المعاملات الباطلة في نظر الدين، كالربا والقمار والبيوع الغررية... وعلى هذا فالاستثناء الواقع في قوله تعالى: (الا ان تكون تجارة عن تراض منكم) استثناء منقطع جي به لدفع الدخل...)((155)).

    ثم قال: (وربما يقال ان الاستثناء متصل، وقوله بالباطل قول توضيحي جي به لبيان حال المستثنى منه بعد خروج المستثنى وتعلق النهي)((156)).

    غير انه رفض هذا الاعراب ثم علق على ما اورد من آراء: (وهذا الذي ذكرناه من انقطاع الاستثناء هو الاوفق بسياق الاية...)((157)). وهكذا ربط العلامة الطباطبائي بين التفسير والاعراب والسياق.

    ولعل من اوضح الاثار الاعرابية في تفسير القرآن هو الاختلاف في اعراب آية الوضوء: (يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق وامسحوا برؤوسكم وارجلكم الى الكعبين...)((158)).

    فقد صار الاختلاف في القراءة والاعراب سببا للاختلاف في التفسير وبالتالي سبباللاختلاف في حكم القدمين في الوضوء، هل هو الغسل او المسح؟ ويلاحظ ايضا ان القراءة تؤثر بدورها في تحديد الاعراب، فكلاهما يقوم على اساس فهم للمعنى، كمايتضح من تفسير الطوسي لهذه الاية، وللاية السابقة.

    قال: (وقوله: ارجلكم الى الكعبين، عطف على الرؤوس، فمن قرا بالجر ذهب الى انه يجب مسحهما، كما وجب مسح الراس، ومن نصبها ذهب الى انه معطوف على موضع الرؤوس، لان موضعها نصب لوقوع المسح عليها، وانما جر الرؤوس لدخول الباءالموجبة للتبعيض على مابيناه. فالقراءتان جميعا تفيدان المسح على ما نذهب اليه.

    وممن قال بالمسح ابن عباس والحسن البصري وابو علي الجبائي ومحمد بن جريرالطبري وغيرهم ممن ذكرناهم في الخلاف...) ((159)).

    4- معنى المفردة القرآنية:

    ومن ضرورات التفسير هو احاطة المفسر بمعنى المفردات اللغوية، فنوع الفهم للمفردة يقود الى تحديد ما يفهمه المفسر من كتاب اللّه تعالى. فالمفردات اللغوية من الاسماء والحروف والافعال لها معان ودلالات، تجب معرفتها معرفة دقيقة، كما ان لبعضها اكثر من معنى كما ذكرنا في الاشتراك، وفهم المعنى المراد في هذا الاستعمال يؤثر تاثيرا بالغا في فهم العقيدة والمعارف والاحكام الشرعية.

    ومن الامثلة على ذلك هو الخلاف في تحديد معنى (ما) في قوله تعالى: «انما نملي لهم» ومعنى (اللام) في قوله تعالى:

    (ليزدادوا اثما) في الاية الكريمة: (ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين) ((160)).

    قال المفسر الكبير الشيخ الطبرسي(رحمه اللّه): «و (ما) يحتمل امرين: احدهما: ان يكون بمعنى (الذي) فيكون تقديره:

    لايحسبن الذين كفروا ان الذي نمليه لهم خيرلانفسهم، و (الاخر) ان يكون ما نملي بمنزلة (الاملاء) فيكون مصدرا لم يقتض راجعااليه».

    ثم فسر معنى (اللام) بانه لام العاقبة وليس بلام الارادة. وعلى فهمه لمعنى (ما) و(اللام) فسر الاية بقوله: ثم بين سبحانه ان امهال الكفار لاينفعهم اذا كان يؤدي الى العقاب فقال (ولا يحسبن) اي لايظنن (الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم) اي ان اطالتنا لاعمارهم، وامهالنااياهم، خير لهم من القتل في سبيل اللّه باحد، لان قتل الشهداء اداهم الى الجنة، وبقاء هؤلاء في الكفر يؤديهم الى العقاب، ثم ابتدا سبحانه فقال:

    (انما نملي لهم) اي: انمانطيل عمرهم، ونترك المعاجلة لعقوبتهم (ليزدادوا اثما) اي: لتكون عاقبة امرهم بازديادهم الاثم فيكون اللام لام العاقبة. مثل اللام في قوله: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وهم انما اخذوه ليكون لهم سرورا وقرة عين، ولكن لما علم اللّه انه يصير في آخر امره عدوا وحزنا قال كذلك، ومثله في قول الشاعر:

    اموالنا لذوي الميراث نجمعها و دورنا لخراب الدهر نبنيها وقول الاخر:

    اءم سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة وقول الاخر:

    فللموت تغذو الوالدات سخالهاكما لخراب الدهر تبنى المساكن وقول الاخر: لدوا للموت وابنوا للخراب، ولا يجوز ان يكون اللام لام الارادة والغرض لوجهين: (احدهما) ان ارادة القبيح قبيحة.وتلك عنه سبحانه منفية (والاخر) انها لو كانت لام الارادة لوجب ان يكون الكفارمطيعين للّه تعالى، من حيث فعلوا ما وافق ارادته، وذلك خلاف الاجماع. وقد قال عزاسمه: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) (وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن اللّه) (وما اءمروا الا ليعبدوا اللّه) والقرآن يصدق بعضه بعضا، وعلى هذا فلابد من تخصيص الاية فيمن علم منه انه لا يؤمن، لانه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه اليهم هذا الوعيد المخصوص، وقال ابو القاسم البلخي معناه ولا يحسبن الذين كفروا ان املاءنا لهم رضا بافعالهم، وقبول لها، بل هو شر لهم، لانا نملي لهم، وهم يزدادون اثمايستحقون به العذاب الاليم، ومثله: ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن والانس، اي:

    ذراناكثيرا من الخلق سيصيرون الى جهنم بسوء افعالهم، وقد يقول الرجل لغيره، وقدنصحه فلم يقبل نصحه: ما زادك نصحي الا شرا و وعظي الا فسادا، ونظيره قولهSadحتى انسوكم ذكري) ومعلوم ان الرسل ما انسوهم ذكر اللّه على الحقيقة، وما بعثواالا للتذكير والتنبيه دون الانساء مع ان الانساء ليس من فعلهم، فلا يجوز اضافته اليهم،ولكنه انما اضيف اليهم، لان دعاءه اياهم لما كان لاينجع فيهم، ولا يردهم عن معاصيهم، فاضيف الانساء اليهم، وفي هذا المعنى قوله حكاية عن نوح:

    (فلم يزدهم دعائي الا فرارا).

    وروي عن ابي الحسن الاخفش والاسكافي (انما) الاخيرة مفتوحة الهمزة، لانهامعمول ليحسبن على هذا القول، وان يكون انماالاولى مكسورة الهمزة، لانها مبتدا على هذا القول، والتقديم والتاخير لايغيران الاعراب عن استحقاقه، وذلك خلاف ماعليه القراءة، لان القراء قداجمعوا على كسر الثانية، واكثرهم على فتح الاولى».

    ومن امثلة تاثير فهم معنى المفردات اللغوية على فهم مراد اللّه تعالى من كتابه، هواختلاف المفسرين في فهم المراد من حرف (الى) في قوله تعالى: (واذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق).

    فقد فسرها بعضهم بمعنى: الغاية والانتهاء، اي منتهى ما يطلب غسله من اليد، وهذايعني ان الابتداء في الغسل من رؤوس الاصابع. وفسرها البعض الاخر بانها تعني(مع).

    قال الطوسي(رحمه اللّه) (وقوله: وايديكم الى المرافق، منصوب بالعطف على الوجوه الواجب غسلها.

    ويجب عندنا غسل الايدي من المرافق، وغسل المرافق معها الى رؤوس الاصابع، ولايجوز غسلها من الاصابع الى المرافق. و (الى) في الاية بمعنى (مع)، كقوله: (لا تاكلوااموالهم الى اموالكم...) ((161)).

    5- القراءة:

    والمقصود هنا القراءة القرآنية، وهي مصطلح من المصطلحات المتداولة في علوم القرآن، وقد عرفت بانها: (النطق بحروف القرآن كما نطق بها النبي(ص))((162)).

    لقد نزل القرآن الكريم من رب العزة على النبي الامين محمد(ص) بلسانه الذي ينطق به، لذا فان نزوله كان بقراءة واحدة، كما ورد عن ائمة اهل البيت(ع) وكما يفهم من قوله تعالى: (انما يسرناه بلسانك) وقال تعالى: (فاذا قراناه فاتبع قرآنه).

    فالاية الاولى صريحة بان القرآن انزل بلسان قريش (بلهجتها) وانه بهذه اللغة واللهجة قرئ على النبي الكريم محمد(ص) ولم ينزل بقراءات متعددة، فقد ورد في روايات جمع القرآن ان عثمان بن عفان قال للرهط القرشيين الثلاثة بعد ان كلفهم بجمع القرآن: «اذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شيء من القراءات فاكتبوه بلسان قريش فانما نزل القرآن بلسانهم».

    وقد ورد عن ائمه اهل البيت(ع) ان القرآن نزل بحرف واحد على النبي الكريم(ص)،فقد جاء عن الامام ابي جعفر الباقر(ع):

    (ان القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجي من قبل الرواة)((163)).

    وذهب بعض علماء المسلمين الى ان القرآن نزل على سبعة احرف، واولوا ذلك بانه نزل على سبع قراءات، معتمدين على روايات آحاد لاتصمد امام الحوارالعلمي((164)).

    ويؤيد ذلك ان عثمان بن عفان حين وضع المصحف الامام انما اراد توحيد القراءات بعد ان اختلف الناس في الامصار، وتعددت قراءاتهم، وتشير الروايات الكثيرة الى ان سبب وضع مصحف موحد بامر من عثمان بن عفان، هو الاختلاف في القراءات، كماروى البخاري عن انس ان حذيفة بن اليمان افزعه الاختلاف في القراءة، بعد ان سمع اختلاف اهل ارمينية واهل العراق واذربيجان والشام، فاخبر عثمان بن عفان بذلك، فاقدم عثمان على جمع الناس على قراءة واحدة، وارسل سبعة مصاحف الى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وحبس واحدا بالمدينة((165)).

    (وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس ان جامع القرآن عثمان، وليس كذلك،انما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والانصار لما خشي الفتنة عند اختلاف اهل العراق والشام في حروف القراءات. فاما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة...)((166)).

    ويمكننا تلخيص الاراء الاساسية في مدرسة الشيعة الخاصة بالقراءات بالاتي:

    1- ان القرآن نزل بقراءة واحدة على النبي محمد(ص).

    2- القراءات المتعددة غير متواترة وطرقها آحاد.

    3- ان الاختلاف في القراءة، هو من اجتهاد القراء، ومن قبل الرواة.

    4- ان بعض القراءات يغير المعنى، وهذا التغيير هو تحريف للقرآن.

    5- جوز فقهاء الشيعة الامامية القراءة بالقراءات السبع، كما جوزوا القراءة بغيرها من القراءات المتعارفة في عهد ائمة اهل البيت (ع) ((167))، وللايضاح ننقل عن السيد الخوئي(رحمه اللّه) قوله: (يجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان اهل البيت(ع)، والواجب هو قراءة القرآن بخصوصه، لا ما تصدق عليه القراءة العربية الصحيحة.

    نعم الظاهر جواز الاكتفاء بكل قراءة متعارفة عند الناس، ولو كانت من غير السبع)((168)).

    وقال الطوسي: (فالوجه الاخير اصلح الوجوه على ماروي عنهم(ع) من جواز القراءة بما اختلف القراء فيه)((169)).

    ويبدو ان المستند لما ورد اعلاه كما يتضح من السيد ابو القاسم (رحمه اللّه) هو ماروي عن ائمة اهل البيت(ع): «اقراوا كما يقرا الناس»((170)) و «اقراوا كماعلمتم»((171)).

    6- عدم حجية القراءات السبع وغيرها في الاستنباط، فلا يستدل بها على الحكم الشرعي، اي ان الفقيه لا يعتمد في استنباط الحكم من القرآن الكريم على قراءة احدالقراء باعتبارها حجة((172)). وينبغي ان نوضح هنا ان القرآن هو غير القراءة، كما يؤكد العلماء، (ان تواتر القرآن لايستلزم تواتر القراءات)((173)).

    فالقرآن هو ما نزل على النبي محمد(ص) من الوحي بلفظه ومعناه ونظمه. والقراءة هي النطق بالقرآن.

    والقراءة يجب ان تؤخذ عن النبي(ص) كما تلقاها عن رب العزة، قال تعالى: (فاذاقراناه فاتبع قرآنه) فان النطق بالقرآن المغاير للكيفية التي قرا بها الرسول الامين محمد(ص) غير جائز، انما اجاز العلماء القراءات التي لا تخل بالمعنى الذي تضمنه القرآن، والتي لم ترد فيها قراءة معتمدة عن النبي(ص).

    وينبغي الانتباه هنا الى حقيقة بلاغية، وهي ان اللّه سبحانه حينما اختار هذا المفرداللغوي دون غيره، ووضعه الى جنب لفظ دون غيره، كان الاختيار لحكمة اعجازية،فايقاع الحروف، وتناسق النطق بها، والتناغم بين الكلمات والحروف والاصوات وغيرها، كلها من مقاصد الصياغة القرآنية، لذا فان استبدال كلمة بكلمة اخرى في القراءة التي هي من قبيل التفسير لايحفظ جمال القرآن واعجازه. فقوله تعالىSadكالعهن المنفوش) لايساويه في الصياغة والبلاغة: كالصوف المنفوش، كما في بعض القراءات (كما يروى عن ابن مسعود).

    ونخلص في نهاية المطاف الى ان لا صحة للراي القائل: ان القرآن نزل على سبعة احرف، فقد رد العلماء المحققون هذه الروايات، كما اكدوا ان القراءات السبعة المشهورة، ليست هي القراءات الوحيدة، بل هناك قراءات عشر واربع عشرة، وان حصر القراءات في سبعة، كما ذكرنا جاء متاخرا، ويعود تمييز هذه القراءات عن غيرهاوتبنيها بالشكل المتميز الى الامام ابي بكر احمد بن موسى بن العباس بن مجاهدببغداد على راس الثلاثمائة من الهجرة...((174)).

    وفيما يلي نذكر نموذجا لاختلاف القراءات، وتعددها، واثرها في المعنى:

    (ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين).

    «القراءة» قرا ابن كثير وابو عمرو ولا يحسبن الذين كفروا ولا يحسبن الذين يبخلون ولا يحسبن الذين يفرحون كلهم بالياء وكسر السين، وكذلك فلا يحسبنهم بضم الباءوالياء وكسر السين، وقرا حمزة كلها بالتاء وفتح السين وفتح الباء من يحسبنهم، وقرااهل المدينة والشام ويعقوب كلها بالياء، الا قوله فلا تحسبنهم بالتاء، وفتح الباء، الا ان اهل المدينة ويعقوب كسروا السين، وفتحها الشامي، وقرا عاصم والكسائي، وخلف،كل ما في هذه السورة بالتاء الا حرفين، ولا يحسبن الذين كفروا، ولا يحسبن الذين يبخلون، فانهما بالياء، غير ان عاصما فتح السين، وكسرها الكسائي.

    «الحجة والاعراب» من قرا بالياء فالذين في هذه الاية في موضع الرفع بانه فاعل واذاكان الذين فاعلا، ويقتضي حسب مفعولين، او ما يسد مسد المفعولين، نحو حسبت ان زيدا منطلق، وحسبت ان يقوم عمرو، فقوله تعالى: (انما نملي لهم خير لانفسهم) قدسد مسد المفعولين الذين يقتضيهما يحسبن. (وما) يحتمل امرين (احدهما) ان يكون بمعنى الذي فيكون تقديره لا يحسبن الذين كفروا ان الذي نمليه لهم خير لانفسهم(والاخر) ان يكون ما نملي بمنزلة الاملاء، فيكون مصدرا، واذا كان مصدرا لم يقتض راجعا اليه، وقال المبرد من قرا يحسبن بالياء فتح ان، ويقبح الكسر مع الياء، وهو جائزعلى قبحه، لان الحسبان ليس بفعل حقيقي، فهو يبطل عمله مع ان المكسورة، كمايبطل مع اللام، كما يجوز حسبت لعبد اللّه منطلق يجوز على بعد حسبت ان عبد اللّهمنطلق، وقال ابو علي الوجه فيه ان يتلقى بها القسم، كما يتلقى بلام الابتداء، وتدخل كل واحد منهما على الابتداء والخبر، فكانه قال: لا يحسبن الذين كفروا للاخرة خيرالهم، واما قراءة حمزة بالتاء من تحسبن، وبفتح ان، فقد خطاه البصريون في ذلك، لانه يصير المعنى ولا تحسبن الذين كفروا املاءنا، وذلك لا يصح، غير ان الزجاج قال:يجوز على البدل من الذين، والمعنى ولا تحسبن املاء للذين كفروا خيرا لهم، ومثله في الشعر.

    وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدما قال ابو علي: لا يجوز ذلك لانك اذا ابدلت ان من الذين كفروا لزمك ان تنصب خيرامن حيث كان المفعول الثاني، ولم ينصبه احد من القراء واذا لم يصح البدل لم يجز فيه الا كسر ان على انه يكون ان وخبرها في موضع المفعول الثاني من تحسبن)((175)). ومن خلال ما تقدم من حوارات بين القراء يتضح لنا اثر القراءة في تحديد المعنى،


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:11 pm



    التفسير والسياق القرآني


    عرف الشهيد الصدر السياق واثره في فهم مراد المتكلم بقوله:

    «... ونريد بالسياق كل ما يكشف اللفظ الذي نريد فهمه من دوال اخرى، سواء كانت لفظية، كالكلمات التي تشكل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاما واحدا مترابطا، او حالية كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام، وتكون ذات دلالة في الموضوع...»((176)).

    الواضح ان المتكلم والكاتب حينما يرتب افكار الحديث والفاظه او موضوعه الكتابي، ويضع العبارات في سياق متتابع، فيضع هذه العبارة في موقع معين، ويضع غيرها في موضع آخر، وهو ملتفت الى ما يفعل، وقاصد لذلك انما يريد ان يوضح مراده بتنظيم كلامه، وترتيب افكاره وعباراته، وبعبارة اخرى يكون السياق او البنية المتتالية للنص قرينة يلجا اليها في فهم مراده وقصده من كلامه.

    والقرآن الحكيم هو كلام اللّه تعالى المتصف بالدقة والاتقان، لذا فان اختيار هذه المفردة دون غيرها لم يكن امرا جزافا، بل لغرض وغاية ترتبط بالبلاغة والمعنى.

    والقرآن قد نظم بمشيئة الهية على شكل سور، تشكل كل سورة منه وحدة قرآنية مستقلة، كما ان موضع كل كلمة وجملة وآية في القرآن، قد حدد تحديدا الهيا في سياق السورة وبنيتها لابراز المعنى المراد.

    وقد بين ابن عباس اهتمام الوحي بالسياق القرآني، وان موضع الاية في السورة من القرآن انما هو وضع الهي، اي جزء من الهية القرآن.

    وبين ذلك بقوله (رض): «كان جبريل(ع) اذا نزل على النبي محمد(ص) بالوحي يقول له: ضع هذه الاية في سورة كذا، في موضع كذا. فلما نزل عليه: (اتقوا يوماترجعون فيه الى اللّه) قال:

    ضعها في سورة البقرة».

    لذا فان الاية السابقة واللاحقة كثيرا ما تعين على فهم الاية ذات العلاقة بها، ومعرفة دلالتها ومصداقها الا اذا وجدنا قرينة اخرى مفسرة على خلاف السياق، كسبب النزول، او بيان نبوي... الخ.

    ولننقل مثالا على اثر السياق في تفسير المعنى عن المفسر الكبير الشيخ الطبرسي(رحمه اللّه) قال:

    «النظم: ووجه اتصال قوله (وليس البر بان تاتوا البيوت من ظهورها ((177)) بقوله(يسالونك عن الاهلة) انه لما بين ان الاهلة مواقيت للناس والحج، وكانوا اذا احرموايدخلون البيوت من ورائها عطف عليها قوله (وليس البر بان تاتوا البيوت من ظهورها) وقيل: انه لما بين ان امورنا مقدرة باوقات قرن به قوله (وليس البر بان تاتواالبيوت من ظهورها) اي فكما ان اموركم مقدرة باوقات، فلتكن افعالكم جارية على الاستقامة باتباع ما امر اللّه به، والانتهاء عما نهى عنه، لان اتباع ما امر به، خير من اتباع مالم يامر به».

    6 الحقيقة والمجاز:

    من المباحث الاساسية في علوم اللغة هو مبحث الحقيقة والمجاز، وهو من مباحث علم البلاغة، واستعمال الحقيقة والمجاز من الاستعمالات الشائعة في لغة العرب شيوعا واسعا، كقولهم للشجاع (اسد)، ولجميل الوجه (قمر)، ولكثير العلم (بحر).

    ويشكل مبحث (الحقيقة والمجاز) احد البحوث الاساسية في علم البلاغة، ولهذاالمبحث تاثير بالغ في فهم دلالة كثير من الالفاظ القرآنية وتاويلها، لا سيما ذات الدلالة العقيدية التي تحدثت عن الصفات، فقد ساهم حمل اللفظ على الحقيقة اوالمجاز في تحديد المعتقد، ونسبة الصفة الى اللّه تعالى، وكان هذا الحمل هو الفاصل بين الفهمين، والمميز بين التجسيم والتشبيه، وبين التنزيه عن المشابهة.

    ومن الامثلة على ذلك تاويل قوله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والارض) على اساس حمل الاستعمال على المجاز، ف (الكرسي) في هذه الاية كناية عن الملك والسلطان، وليس الكرسي بمعناه الحسي، فاستعمله القرآن مجازا، ولم يستعمله على نحو الحقيقة.

    وكقوله تعالى: (يد اللّه فوق ايديهم)، ف (يد اللّه) في هذه الاية كناية عن الهيمنة والقهروالسلطان، وليست اليد بمعناها الحسي فاللفظ مستعمل في المجاز، وليس في الحقيقة.

    وكل تلك الاستعمالات هي من الاستعمال المجازي، فان حملها على الحقيقة يقودالى التجسيم والتشبيه، وهو سبحانه منزه عن ذلك، فهو كما وصف نفسه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

    ومثلها قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) فقد فسره الزمخشري بقولهSadواعلم ان الكلمة كما توصف بالمجاز، لنقلها عن معناها الاصلي، كما مضى، توصف به ايضا لنقلها عن اعرابها الاصلي الى غيره، لحذف لفظ او زيادة لفظ. اما الحذف فكقوله تعالى: (واسال القرية) اي اهل القرية. فاعراب القرية في الاصل هو الجر،فحذف المضاف، واعط ي المضاف اليه اعرابه.

    ونحوه قوله تعالى: (وجاء ربك)، اي امر ربك...)((178)).

    وهكذا يتضح الفارق العقيدي بين من يجعل المجيء للّه، وهو يعني الانتقال والحركة اللتين يتنزه اللّه عنهما، وبين من يجعل المجي لامر اللّه، كما فسره الزمخشري، محمولاعلى المجاز.

    واعتماد المجاز في التفسير منهج لغوي اتبعه معظم المفسرين من مختلف المذاهب الاسلامية، عدا اهل الظاهر والحشوية وامثالهم من المشبهة والمجسمة.


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:16 pm



    التاويل


    التاويل والتفسير مصطلحان قرآنيان نطق بهما القرآن، ثم استعملهما المسلمون بعدذلك، ولقد اصبح التفسير والتاويل علمين من اكثر علوم القرآن اهمية، واثرا في الفكروالتشريع والمعارف الاسلامية.

    قال اللّه تعالى: (...ولا ياتونك بمثل الا جئناك بالحق واحسن تفسيرا)((179)) وقال تعالى: (...ذلك خير واحسن تاويلا)((180)). (...واما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)((181)).

    (هل ينظرون الا تاويله يوم ياتي تاويله...)((182)).

    التاويل في اللغة:

    عرف اللغويون معنى التاويل في اللغة، واوضحوه بشكل محدد ودقيق، نذكر من تلك التعاريف:

    قال الفيومي في المصباح المنير «آل الشيء (يؤول) (اولا) و (ملا) رجع».

    وقال ابن الاثير في النهاية: (والتاويل: هو من الشيء يؤول الى كذا، اي رجع، وصاراليه...).

    وقال الراغب الاصفهاني: (التاويل من الاول، اي الرجوع الى الاصل. ومنه الموئل للموضع الذي يرجع اليه. وذلك هو رد الشيء الى الغاية المرادة منه، علما كان او فعلا،ففي العلم نحو:

    (وما يعلم تاويله الا اللّه والراسخون في العلم...) وفي الفعل كقول الشاعر:وللنوى قبل يوم البين تاويل) وقوله تعالى: (وهل ينظرون الا تاويله يوم ياتي تاويله) اي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه.

    وقوله تعالى: (ذلك خير واحسن تاويلا) قيل احسن معنى وترجمة((183)). ولقد ساهم علم التاويل مساهمة فعالة واساسية في فهم آيات الاعتقاد، لاسيماالمتعلقة بصفات اللّه تعالى.

    وقد حدثت على مر العصور معركة فكرية حامية حول منهج التاويل وما انتجه من فكرومعرفة، وعرض الفكر الشيعي لنقد حاد من خصومه، بسبب اهتمامه بالتاويل،واعتماده اساسا في حفظ التوحيد نقيا من التشبيه والتجسيم.

    ومن الواضح تاريخيا ان التاويل منهج علمي اسلامي عام وليس منهجا شيعيا او معتزلياخاصا، كما يتصور البعض. هو وسيلة تعبيرية من صميم الطبيعة اللغوية، لذا فمنهج التاويل فرضته حقائق علمية ولغوية، وليس منهجا مرتجلا عبثيا. ومن دراسة وتحليل معنى وتعريفات التاويل، وما ورد في الكتاب والسنة فيه، والوقوف على مصاديقه، وموارد انطباقه، والنتائج الفكرية التي افرزها هذا المنهج، نستطيع ان نستنتج الاتي:

    1- ان التاويل اسلوب معرفي عام يستعمله العقل البشري لاكتشاف الغوامض ممايشير اليه اللفظ او الحدث او الرمز، فقد اعتاد الناس ولاسباب فنية ان يعبروا عن مقاصدهم احيانا بطريقة لاتكشف الا بالتاويل، كما ان بعض الافعال والحوادث الصادرة عن الانسان او الحيوان او النبات او الجماد انما هي رموز تكشف عن حقيقة غير مصرح بها في ذلك الفعل او الحدث، واستنتاجها هو التاويل.

    2- ان التاويل هو منهج نطق به القرآن، وبالتالي فهو منهج مشروع، لو احسن استخدامه وتطبيقاته بعيدا عن المحاذير التي حذر منها القرآن بقوله: (...ابتغاء الفتنة).

    3- ان طبيعة البيان القرآني حوت المحكم والمتشابه، كما نص القرآن على ذلك، وان المتشابه يحتاج فهمه في كثير من الاحيان الى التاويل والى رده الى المحكم.

    4- ان هناك معان عقيدية ترتبط بالذات الالهية، وبعالم الغيب وهي منزهة عن المادية والحسية، لابد من تفهيمها الانسان، وذلك التفهيم يقتضي التعبير عنها بالفاظ لغوية،كصفة الحب والعلم والحياة والسمع والبصر واليد والكرسي والاستواء والغضب والارادة والمكر والخديعة والكراهية والاسف والسخط والرضا... الخ وصف اللّهسبحانه نفسه بها.

    والمتلقي حين يتعامل مع تلك الصفات تعاملا ظاهريا، وفق اللفظ الظاهري، فانه يقع في الشرك، ويفهمها من خلال فهمه للصفات الانسانية، فلا يفرق بين مصاديق تلك الصفات، فبعضها، حسب دلالتها الحسية، تعبر عن صفات انفعالية كما في عالم الانسان النفسي والانفعالي كصفة المكر والخديعة والغضب.

    اما حين يوصف بها الخالق العظيم فيجب تنزيهه عن مشابهة الخلق، وعن كل قبيح،فهو سبحانه وصف نفسه بقوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

    ودعا في موارد عديدة من كتابه الكريم الى التسبيح، واكد ان كل مافي هذا الوجود من عوالم انما هو مسبح يشهد بتنزيهه عن مشابهة المخلوقين، فليس علمه كعلم المخلوقين، ولا حبه وارادته وغضبه ورضاه، كالذي يحدث في النفس الانسانية،وليس مكره وخديعته كالصفة الاخلاقية الذميمة عند الانسان، وليس بين الحقيقتين الا الاشتراك اللفظي دون المعنوي، فمعنى المكر الذي وصف اللّه به نفسه سبحانه، هوايقاع المجرمين في حبائل جرائمهم، من حيث لايشعرون.

    وحين يستعمل القرآن تلك الالفاظ لوصف التعامل الالهي مع الانسان انما استعملهالانها ادوات لتفهيم الفكرة للانسان، والتي تعين على ادراك صفات الذات والافعال الالهية ادراكا تحدده ضوابط التنزيه ونفي المشابهة، وان من ضوابط التنزيه هو التاويل اي حمل الالفاظ على المعاني غير المنطبقة على المعاني الحسية المالوفة في عالم الانسان، وبيان المقصود القرآني منها، وفق ضوابط لغوية. واسس قرآنية دالة على ذلك.

    5- ان من مقتضيات التاويل في القرآن الكريم هو ان اللغة العربية لغة غنية بالمجاز،وقد زخرت الايات الكريمة بالمجاز الذي ينطلق من الاستعمال الحسي ليعبر عن المجرد المعنوي، فكلمة اليد واليمين والوجه والعرش والكرسي، التي استعملهاالقرآن في وصف الباري، عز ذكره، بها نفسه فقال: (يد اللّه فوق ايديهم) (والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) (... اينما تولوا فثم وجه اللّه) (وكان عرشه على الماء) .(وسع كرسيه السماوات والارض) ان كل تلك المعاني انما هي معان مجازية، فاليد في عالم الانسان مثلا اسم لتلك الجارحة الحسية، وبما انها اداة القوة والاحسان وغيرها من الافعال كني بها عن الاحسان والقوة، فقيل (يد اللّه فوق ايديهم) اي هو المهيمن والمتفوق عليهم.

    ومن المفيد هنا ان ننقل آراء المفسرين من مختلف المذاهب الاسلامية ليتضح لنا ان علم التاويل منهج اسلامي عام اولا، وثانيا هو طريقة موضوعية افرزتها طبيعة اللغة العربية، وضرورة لتفهيم المعنى المجرد بطريقة حسية، وليس منهجا تحميليا، لذا فان التحميل ليس تاويلا انما هو عبث وقول بغير علم، هاجمه القرآن بقوله:

    (واما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله).

    والمقصود بابتغاء تاويله. ابتغاء حمله على ما لا يحتمله النص، بل هو تحميل وتحكم من المؤول، بغرض الفتنة والتحريف.

    التاويل في المصطلح: ولاهمية التاويل واثره في الفكر الاسلامي فقد حظي بالدراسة والمناقشة من قبل العلماء المختصين بعلوم القرآن فاهتموا به، ودققوا في تعريفه،ودراسة نتائجه، فعرف بعضهم التاويل بالتفسير ولم يفرق بينهما، في حين راى آخرون ان من لم يميز بين التفسير والتاويل لم يعرف من علوم القرآن شيئا، وليس هذافحسب، بل واختلفت عباراتهم في تعريف التاويل، وتحديد حقيقته.

    وفيما يلي نستعرض بعضا من تلك التعاريف:

    قال السيوطي (911 ه): (هو ما ترك ظاهره لدليل)((184)).

    ثم قال: (والتاويل انما يقبل اذا قام عليه دليل، وكان قريبا)((185)). اما البعيد فلا، كتاويل الحنفية قوله تعالى: (فاطعام ستين مسكينا) ستين مدا على ان يقدر مضاف... ووجه البعد: اعتبار مالم يذكر، وهو المضاف، والغاء ما ذكر وهوالعدد...)((186)).

    وعرف الزركشي (794 ه): التاويل بقوله: (...فكان التاويل صرف الاية الى ما تحتمله من المعاني)((187)).

    ثم قال: (وقيل: اصله من الايالة، وهي السياسة، فكان المؤول للكلام يسوي الكلام،ويضع المعنى في موضعه)((188)).

    وعرفه الطبرسي (القرن السادس) بقوله: (والتاويل رد احد المحتملين الى ما يطابق الظاهر) ثم قال: (وقيل: التفسير كشف المغط ى، والتاويل انتهاء الشيء ومصيره، ومايؤول اليه امره، والمعنى ماخوذ من قولهم عنيت فلانا، اي قصدته، فكان المراد من قولهم عنى به كذا، قصد بالكلام كذا((189)).

    وعرفه ابو طالب التغلبي بقوله: (والتاويل تفسير باطن اللفظ، ماخوذ من الاول، وهوالرجوع لعاقبة الامر. فالتاويل اخبار عن حقيقة المراد...).

    وعرفه الشهيد الصدر بقوله: (التاويل جاء في القرآن بمعنى مايؤول اليه الشيء، لابمعنى التفسير، وقد استخدم بهذا المعنى للدلالة على تفسير المعنى، لا تفسير اللفظ،اي على تجسيد المعنى العام في صورة ذهنية معينة)((190)).

    وعرفه العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان بقوله: (انه الحقيقة الواقعية التي تستند اليها البيانات القرآنية، من حكم او موعظة، او حكمة وانه موجودلجميع الايات القرآنية، محكمها ومتشابهها، وانه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالالفاظ، بل هي من الامور العينية المتعالية من ان يحيط بها شبكات الالفاظ،وانما قيدها اللّه سبحانه بقيد الالفاظ لتقريبها من اذهاننا بعض التقريب. فهي كالامثال تضرب ليقرب بها المقاصد ، وتوضح بحسب ما يناسب فهم السامع، كما قال تعالى: (...والكتاب المبين انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وانه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم)((191)).

    ثم عرفه بقوله: (... ان المراد بتاويل الاية ليس مفهوما من المفاهيم تدل عليه الاية،سواء كان مخالفا لظاهرها او موافقا، بل هو من قبيل الامور الخارجية، ولا كل امرخارجي حتى يكون المصداق الخارجي للخبر تاويلا له، بل امر خارجي مخصوص نسبته الى الكلام نسبة الممثل الى المثل، والباطن الى الظاهر)((192)).
    ومن قراءة التعاريف الاخيرة الثلاثة يتضح لنا ان التاويل هو عبارة عن بيان الحقيقة الخارجية للشيء، كبيان المقصود بقوله تعالىSadوسع كرسيه السماوات والارض) بان الكرسي، كناية عن الملك والسلطان، فالحقيقة الخارجية للكرسي في هذه الاية هي الملك والسلطان، وليست هي الكرسي المادي المالوف في عالم الانسان، فهو تعبير مجاز، وليس تعبير حقيقة.

    منهج التفسير في مدرسة اهل البيت:

    لقد تعددت مناهج تفسير وفهم القرآن، وظهرت مدارس وآراء ومذاهب مختلفة في الصف الاسلامي، كالمنهج الظاهري، والمنهج الباطني، والمنهج الاثري والتفسيراللغوي، والتفسير بالراي والمنهج المتعدد العناصر... الخ.

    وكان لهذا التعدد اثره ونتائجه السلبية المختلفة الناتجة عن الاتجاهات غير السليمة في معظم تلك المناهج، ومن ابرز ما نتج عن ذلك من آثار سلبية، هو الجمود والتحجرالفكري، والتوقف في فهم القرآن، وتجميد دور العقل والنمو الفكري تارة، وتحميل القرآن آراء وقناعات المفسر تارة اخرى، والشطط في فهم القرآن تارة ثالثة.

    ولقد برز منهج علماء اهل البيت(ع) في فهم القرآن منهجا مستقلا متوازنا يقوم على الاسس العلمية التي حددها القرآن ذاته والمؤهلة لفهم القرآن، وتطوير العقل البشري وتنميته، وتحقيق الاصالة والنقاء اذا ما تفاعلت جميعها في عمل المفسر لتوصل الى فهم القرآن فهما سليما، اذا ما استكمل المفسر استيعاب تلك العناصر، وتوفرت له مادتها. وابعد عمله عن الذاتية والقصور الذاتي.

    ومع كل ذلك فان النتائج التي يتوصل اليها المفسر المجتهد تبقى اجتهادا قابلا للنقدوالتمحيص، ومحاولة لفهم المحتوى القرآني بالقدر المتيسر للمفسر.

    وللتعريف بتلك العناصر فلنرجع الى كل من الشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي، وهمامن اعلام الفكر الامامي، ومن اعاظم المفسرين (فالتبيان) للشيخ الطوسي و (مجمع البيان) للشيخ الطبرسي يعتبران من اعظم مراجع التفسير عند الشيعة الامامية، وماامتازا به من عمق ودقة ونقاء، بل ويعتبر مجمع البيان مدرسة في علوم القرآن واللغة، ومرجعا فريدا في هذا المجال للمسلمين جميعا.

    فلنقرا اذا ما كتبا في منهج التفسير المعتمد في مدرسة اهل البيت(ع).

    ومما يزيد هذا المنهج وضوحا، هو تطبيقهما لهذا المنهج، واشادة تفسيريهما على اساسه.

    قال الشيخ الطوسي ملخصا منهج التفسير الامامي بقوله:

    (والذي نقول به: ان معاني القرآن على اربعة اقسام:

    احدها: ما اختص اللّه تعالى بالعلم به، فلا يجوز لاحد تكلف القول فيه، ولا تعاطي معرفته، وذلك مثل قوله تعالى:

    (يسالونك عن الساعة ايان مرساها قل انما علمها عندربي لا يجليها لوقتها الا هو...)((193)) ومثل قوله تعالى: (ان اللّه عنده علم الساعة...)((194)) الى آخرها. فتعاطي معرفة ما اختص اللّه تعالى به خطا.

    وثانيها: ما كان ظاهره مطابقا لمعناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها، عرف معناها، مثل قوله تعالى: (...ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه الا بالحق...)((195)).

    ومثل قوله تعالى: (قل هو اللّه احد)((196)) وغير ذلك.

    وثالثها: ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا. مثل قوله تعالى: (اقيمواالصلاة وآتوا الزكاة...)((197)) ومثل قوله:

    (وللّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا...)((198)) وقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده...)((199)) وقوله: (والذين في اموالهم حق معلوم)((200)) وما اشبه ذلك فان تفصيل اعداد الصلاة وعدد ركعاتها،وتفصيل مناسك الحج وشروطه، ومقادير النصاب في الزكاة لا يمكن استخراجه الا ببيان النبي(ص) ووحي من جهة اللّه تعالى. فتكلف القول في ذلك خطا ممنوع منه،يمكن ان تكون الاخبار متناولة له.

    ورابعها: ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عنهما، ويمكن ان يكون كل واحدمنهما مرادا. فانه لا ينبغي ان يقدم احد به فيقول: ان مراد اللّه فيه بعض ما يحتمل الا بقول نبي او امام معصوم بل ينبغي ان يقول: ان الظاهر يحتمل لامور، وكل واحد يجوزان يكون مرادا على التفصيل. واللّه اعلم بما اراد.

    ومتى كان اللفظ مشتركا بين شيئين، او ما زاد عليهما، ودل الدليل على انه لا يجوز ان يريد الا وجها واحدا، جاز ان يقال: انه هو المراد.

    ومتى قسمنا هذه الاقسام، نكون قد قبلنا هذه الاخبار، ولم نردها على وجه يوحش نقلتها والمتمسكين بها، ولا منعنا بذلك من الكلام في تاويل الاي جملة.

    ولا ينبغي لاحد ان ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد تفصيلا، او يقلد احدامن المفسرين، الا ان يكون التاويل مجمعا عليه، فيجب اتباعه لمكان الاجماع، لان من المفسرين من حمدت طرائقه، ومدحت مذاهبه، كابن عباس، والحسن، وقتادة ومجاهد وغيرهم. ومنهم من ذمت مذاهبه، كابي صالح والسدي والكلبي وغيرهم.هذا في الطبقة الاولى.

    واما المتاخرون فكل واحد منهم نصر مذهبه، وتاول على مايطابق اصله، ولا يجوزلاحد ان يقلد احدا منهم، بل ينبغي ان يرجع الى الادلة الصحيحة: اما العقلية، اوالشرعية، من اجماع عليه، او نقل متواتر به، عمن يجب اتباع قوله، ولا يقبل في ذلك خبر واحد خاصة اذا كان مما طريقه العلم، ومتى كان التاويل يحتاج الى شاهد من اللغة، فلا يقبل من الشاهد الا ما كان معلوما بين اهل اللغة شائعا بينهم.واما طريقة الاحاد من الروايات الشاردة، والالفاظ النادرة، فانه لايقطع بذلك، ولا يجعل شاهدا على كتاب اللّه، وينبغي ان يتوقف فيه ويذكر مايحتمله، ولا يقطع على المراد منه بعينه، فانه متى قطع بالمراد كان مخطئا، وان اصاب الحق، كما روي عن النبي(ص) لانه قال تخمينا وحدسا، ولم يصدر ذلك عن حجة قاطعة. وذلك باطل بالاتفاق)((201)).

    وقال الشيخ الطبرسي ملخصا المنهج الامامي ومتوافقا مع الشيخ الطوسي، فيما حدده من العناصر المعتمدة في التفسير:

    ((واعلم ان الخبر قد صح عن النبي(ص) وعن الائمة القائمين مقامه(ع) ان تفسيرالقرآن لا يجوز الا بالاثر الصحيح، والنص الصريح، وروت العامة ايضا عن النبي(ص) انه قال من فسر القرآن برايه فاصاب الحق فقد اخطا، قالوا: وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالراي، كسعيد بن المسيب، وعبيدة السلماني، ونافع وسالم بن عبد اللّه،وغيرهم، والقول في ذلك ان اللّه سبحانه ندب الى الاستنباط واوضح السبيل اليه،ومدح اقواما عليه فقال: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم).

    وذم آخرين على ترك تدبره، والاضراب عن التفكر فيه، فقال:

    (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها).وذكر ان القرآن منزل بلسان العرب فقال: (انا جعلناه قرآنا عربيا)، وقال النبي(ص) ((اذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فما وافقه فاقبلوه، وماخالفه فاضربوا به عرض الحائط)) فبين ان الكتاب حجة، ومعروض عليه، وكيف يمكن العرض عليه، وهو غير مفهوم المعنى. فهذا وامثاله يدل على ان الخبر متروك الظاهر فيكون معناه ان صح ان من حمل القرآن على رايه، ولم يعمل بشواهد الفاظه،فاصاب الحق، فقد اخطا الدليل. وقد روي عن النبي(ص) انه قال: ((القرآن ذلول، ذووجوه، فاحملوه على احسن الوجوه)) وروي عن عبد اللّه بن عباس انه قسم وجوه التفسير على اربعة اقسام: تفسير لا يعذر احد بجهالته، وتفسير تعرفه العرب بكلامها،وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعرفه الا اللّه عزوجل، فاما الذي لا يعذر احد بجهالته فهو ما يلزم الكافة من الشرائع التي في القرآن، وجمل دلائل التوحيد، واما الذي تعرفه العرب بلسانها، فهو حقائق اللغة، وموضوع كلامهم، واما الذي يعلمه العلماء فهوتاويل المتشابه، وفروع الاحكام. واما الذي لايعلمه الا اللّه، فهو ما يجري مجرى الغيوب، وقيام الساعة، واقول ان الاعراب اجل علوم القرآن فان اليه يفتقر كل بيان، وهو الذي يفتح من الالفاظ الاغلاق، ويستخرج من فحواها الاعلاق.

    اذ الاغراض كامنة فيها، فيكون هو المثير لها، والباحث عنها، والمشير اليها، وهو معيار الكلام الذي لايبين نقصانه ورجحانه حتى يعرض عليه، ومقياسه الذي لا يميز بين سقيمه ومستقيمه، حتى يرجع اليه، وقد روي عن النبي(ص) انه قال اعربوا القرآن، والتمسوا غرائبه. واذا كان ظاهر القرآن طبقا لمعناه، فكل من عرف العربية والاعراب عرف فحواه ويعلم مراد اللّه به قطعا.

    هذا اذا كان اللفظ غير مجمل يحتاج الى بيان، ولا محتمل لمعنيين او معان، وذلك مثل قوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه الا بالحق) وقوله: (والهكم اله واحد) وقولهSadولا يظلم ربك احدا) واشباه ذلك.

    واما ما كان مجملا لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا، مثل قوله سبحانه: (اقيمواالصلاة وآتوا الزكاة) (وآتوا حقه يوم حصاده) فانه يحتاج فيه الى بيان النبي(ص) بوحي من اللّه سبحانه اليه فيبين تفصيل اعيان الصلوات، واعداد الركعات، ومقاديرالنصب في الزكاة، وامثالها كثيرة الشروع في بيان ذلك من غير نص وتوقيف ممنوع منه. ويمكن ان يكون الخبر الذي تقدم محمولا عليه.

    واما ما كان محتملا لامور كثيرة، او لامرين، فلا يجوز ان يكون الجميع مرادا بل قد دل الدليل على انه لا يجوز ان يكون المراد به الا وجها واحدا، فهو من باب المتشابه لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد فيحمل على الوجه الذي يوافق الدليل، وجاز ان يقال انه هو المراد وان كان اللفظ مشتركا بين معنيين، او اكثر، ويمكن ان يكون كل واحد من ذلك مرادا فلا ينبغي ان يقدم عليه بجسارة، فيقال ان المراد به كذا قطعا، الا بقول نبي او امام مقطوع على صدقه، بل يجوزان يكون كل واحد مرادا على التفصيل، ولا يقطع عليه، ولا يقلد احد من المفسرين فيه الا ان يكون التاويل مجمعا عليه، فيجب اتباعه لانعقاد الاجماع عليه، فهذه الجملة التي لخصتها اصل يجب ان يرجع اليه، ويعول عليه، ويعتبر به وجوه التفسير، ومااختلف فيه العلماء من نزول القرآن والمعاني والاحكام.

    وقد بين السيد الخوئي منهجه في التفسير قائلا: (ولابد للمفسر من ان يتبع الظواهرالتي يفهمها العربي الصحيح فقد بينا لك حجية الظواهر او يتبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح، فانه حجة من الداخل، كما ان النبي حجة من الخارج، او يتبع ما ثبت عن المعصومين(ع) فانهم المراجع في الدين، والذين اوصى النبي (ص) بوجوب التمسك بهم فقال: «اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا» ((202)).

    الخلاصة:

    ومن قراءة وتحليل ما ثبته الشيخ الطوسي والطبرسي والسيد ابو القاسم الخوئي وغيرهم نكتشف بوضوح ان منهج التفسير في مدرسة اهل البيت(ع) يعتمد العناصرالاتية جميعها لاكتشاف مراد اللّه تعالى من كتابه، وفهم معانيه ودلالاته ومعارفه،فهي:

    1- التفسير بالاثر الوارد عن النبي(ص) او ائمة اهل البيت(ع) وان ما اثر عنهم(ع) من تفسير وبيان قرآني، هو المرجع عند الاختلاف في فهم القرآن. وان هناك معان قرآنية،لايمكن تحصيلها الا عن طريق النبي(ص) او الامام(ع).

    2- التفسير بالاعتماد على اللغة: فان القرآن نزل ببيان عربي يفهمه من عرف العربية معرفة بمستوى لغة العصر الذي نزل فيه الوحي.

    واعتماد العنصر اللغوي يمكن المفسر من استخراج المعاني القرآنية التي لا اجمال فيها، ولا يحتمل معنيين او عدة معان كما ذكر الطبرسي ذلك وهو ما صرح به ابن عباس بقوله:

    (وتفسير تعرفه العرب بكلامهما).

    3- التفسير بالاعتماد على العقل: واعتماد العقل في التفسير ملتزما بما اثر عن النبي، وبعدم تجاوز البيان اللغوي الدال على المراد لهو منهج علمي يساهم باثراء العلم،ومعرفة وفتح آفاق الفهم والاستنباط من خزين معارف القرآن ما تحتاجه البشرية على امتداد عصورها، وان افضل اداة لاكتشاف هذا الخزين الفريد هو العقل الملتزم.ويؤيده مااستدل به العلماء من قوله تعالى: (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها).

    وبعد ما مر من تعريف بالتفسير نستطيع ان نلخص الاعمال التفسيرية التي يمارسهاالمفسر بالاتي:

    1- تفسير الالفاظ القرآنية الغريبة: مثل قوله تعالى: (وجعلوا القرآن عضين) وقوله تعالى: (كاسا دهاقا) وقوله تعالى: (جاءت الصاخة) فتفسير المفردات: «عضين، ودهاقا، والصاخة» وفهم معناها في اللغة وسيلة لفهم معنى الاية واكتشاف مضمونها.

    2 -تفسير معنى الاية المفردة: وهو المرحلة الثانية من التفسير والقادرة على اعطاء المعنى المحدود بحدود الاية.

    3- التفسير الموضوعي: وهو المنهج الذي يقوم على اساس دراسة الايات ذات الصلة بموضوع جميعها، كوحدة موضوعية، يكمل بعضها البعض الاخر، فمثلا عندما يرادفهم قضية المال، او الحكم في القرآن، او مسالة الطلاق، او حقوق المراة، او التوحيد،تقوم الدراسة على اساس تجميع الايات ذات الصلة بالموضوع ودراستها كوحدة موضوعية متكاملة لاجل الخروج باحكام القرآن ومفاهيمه التي تعطينا صورة كاملة عن ذلك الموضوع.

    فالايات عندما تجمع وتدرس ضمن وحدة موضوعية، نستطيع ان نفهم الرؤية القرآنية، والنظرية الاسلامية المتكاملة في ذلك الموضوع.

    تفسير القرآن بالقرآن وكما تفسر السنة القرآن الكريم، فان القرآن يفسر بعضه بعضا، واللجوء الى بعض الايات في فهم وتفسير آيات اخرى هو منهج علمي سليم، وقد وضع الامام علي(ع)هذا المنهج بقوله:

    «القرآن ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض»((203)). ومن امثلة تفسير القرآن بالقرآن هو تفسير الامام علي(ع) لقوله تعالى: «وحمله وفصاله ثلاثون شهرا» فسرها بجمعها مع قوله تعالى: (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين)، فاستخرج من القرآن من الاية الاولى والثانية ان اقل مدة للحمل هي ستة اشهر.

    وان الرجوع الى آيات من القرآن لتفسير آيات اخرى مبدا اساس من مبادئ صيانة المعاني القرآنية، وحمايتها من التحريف والتزييف، لاسيما في مجال العقيدة والفكر،فالايات المتحدثة عن صفات اللّه وافعاله وعلاقة فعل الانسان بفعل اللّه تعالى:

    كيات الهدى والضلال يفسر بعضها بعضا. فالاية الكريمة: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) اساس لتفسير الايات التي حاول البعض ان يستفيد منها فكرة التشبيه والتجسيم، كقوله تعالى: (يد اللّه فوق ايديهم) وقوله سبحانه: (الرحمن على العرش استوى) فمن دلالة: (ليس كمثله شيء) نفهم ان معنى (يد اللّه) ومعنى (الاستواء)ليس معنى تجسيديا، فاللّه منزه عن مشابهة الخلق.

    وبالاعتماد على الايات الكريمة: (انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا)((204)).

    او قوله: (وهديناه النجدين) وقوله: (لا يكلف اللّه نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)((205)).

    او قوله: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ان اللّه سريع الحساب)((206)).

    او قوله: (ان تكفروا فان اللّه غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر اخرى...)((207)).

    بالاعتماد على احدى او اكثر هذه الايات نستطيع ان نفهم معنى قوله (فان اللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء)((208)).

    وامثالها من الايات التي فسرت من قبل البعض تفسيرا خاطئا، فسرت باسناد الاضلال الى اللّه سبحانه، بشكل جبري نافية لارادة الانسان واختياره لفعله، وهو ما يتناقض وعدل اللّه سبحانه، فهذه الايات وكثير امثالها تصف الانسان بانه حر مختار، وهويجازى بما كسبت يداه، وان اللّه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، لذا اءولت آيات الهدى والضلال تاويلا سليما يتناسق والايات الاخرى ذات العلاقة بالموضوع.

    وكتفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم × صراط الذين انعمت عليهم...)بقوله تعالى: (ومن يطع اللّه والرسول فاولئك مع الذين انعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا)((209)).

    فان الاية الثانية تبين المقصود بقوله تعالى: (صراط الذين انعمت عليهم).

    وقد ذكر السيوطي هذا المنهج بقوله: (من اراد تفسير الكتاب العزيز طلبه اولا من القرآن، فان اعياه ذلك طلبه من السنة، فانها شارحة للقرآن وموضحة له)((210)).

    التفسير وخبر الاحاد خبر الواحد:

    ويراد به الخبر الذي لم يحصل منه القطع بثبوت مؤداه((211)). مما اجمع العلماء عليه هو ان مؤدى خبر الاحاد الذي لم يحتف بالقرائن الموجبة للعلم بصدقه او الموجبة للاطمئنان اليه هو الظن، ثم اختلفوا في اعتبار الخبر الذي لايحتف بالقرائن الموجبة للعلم بصدقه او الاطمئنان اليه. فذهب فريق الى وجوب العمل بخبر الاحاد هذا، ويقود هذه المدرسة الشيخ الطوسي(رحمه اللّه)، وهو مااستقر عليه العمل عند علماء الشيعة الامامية، مرجعين حجيته الى ورود ما يفيد القطع بوجوب العمل به من الشارع، واستدلوا لذلك بادلة من الكتاب والسنة وغيرهما.

    قال الشيخ الطوسي(رحمه اللّه) معبرا عن هذا الراي: (والذي اذهب اليه ان خبرالواحد لا يوجب العلم، وان كان يجوز ان ترد العبادة بالعمل به عقلا، وقد ورد جوازالعمل به في الشرع، الا ان ذلك موقوف على طريق مخصوص، وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من العدالة وغيرها)((212)).

    ثم يوضح موجب حجية خبر الواحد فيقول: (من عمل بخبر الواحد فانما يعمل به اذادل على وجوب العمل به، اما من الكتاب او من السنة والاجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم)((213)). ويؤيد ذلك فريق من اعاظم العلماء امثال العلا مة الحلي الذي صرح بذلك بقوله: (خبرالواحد هو ما يفيد الظن، وان تعدد المخبر، وهو حجة في الشرع خلافا للسيدالمرتضى ولجماعة)((214)). اما المدرسة الثانية فيقودها السيد المرتضى، ويؤيده ابن زهرة والطبرسي وابن ادريس وغيرهم، وهي المدرسة التي انكرت حجية خبر الواحد، وبالتالي اسقطت جوازالاعتماد عليه، والرجوع اليه.

    قال السيد المرتضى(رحمه اللّه): (لابد في الاحكام الشرعية من طريق يوصل الى العلم...) الى ان قال: (ولذلك ابطلنا العمل في الشريعة باخبار الاحاد، لانها لا توجب علما ولا عملا، واوجبنا ان يكون العمل تابعا للعلم، لان خبر الواحد اذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز ان يكون كاذبا) ((215)). وهكذا تتشخص امامنا المعركة العلمية حول خبر الاحاد غير المحفوف بالقرائن،فالكل مجمعون على انه يفيد الظن.

    غير ان فريقا من العلماء آمن بوجوب العمل بخبر الاحاد هذا لورود الادلة القطعية على العمل به. وهذا يعني جواز الاعتماد على خبر الاحاد في التفسير بعد الوثوق بصدق راويه.

    وينبغي ان نشير هنا الى ان خبر الاحاد اذا تعارض مع الكتاب العزيز سقطت قيمته، لانه غير مشمول بدليل حجية خبر الاحاد. فالكتاب اساس لاثبات صحة الرواية وعدمها.

    قال الفقيه السيد محمد باقر الصدر(رحمه اللّه): «ان هذه روايات معارضة للكتاب الكريم الدال على انه نزل تبيانا لكل شيء وهدى وبلاغا، والمخالف للكتاب من اخبارالاحاد لايشمله دليل حجية خبر الواحد، كما اشرنا سابقا»((216)).

    وقد وردت روايات عديدة تامر بعرض الروايات على كتاب اللّه للتاكد من صحتها،نذكر منها:

    ما جاء عن الرسول(ص): «ايها الناس ماجاءكم عني يوافق كتاب اللّه فانا قلته، وماجاءكم يخالف كتاب اللّه فلم اقله»((217)). وقال(ص): «ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه»((218)). ولعل من موارد التفسير هو تخصيص عموم القرآن وتقييد مطلقه، بخبر الاحاد، وهوليس من التعارض مع القرآن، لامكان الجمع العرفي بين الدلالتين بين دلالة الخبر والظاهر القرآني كما افاد العلماء بذلك.

    التفسير بين الذاتية والموضوعية ان مسالة التعامل مع النص القرآني، واكتشاف ما يختزن ويشع به من معنى ومراد،تفسيرا او تاويلا او اظهارا، هي من اهم مسؤوليات الجهد العلمي الذي دعا اليه القرآن تحت عنوان التفكر والتدبر، وفهم معنى القرآن، او فقهه او تاويله، او استنباط محتواه.

    وبما ان القرآن مصدر بقاء الشريعة والقانون الاسلامي، ومقياس الضبط وتنظيم التفكير، وضع العلماء القواعد الاساسية، والمنهج العلمي المنظم لاستكشاف محتوى الخطاب القرآني.

    وان من اخطر ما يهدد التعامل مع القرآن وفهم معناه، هو الذاتية، والمسلمات القبلية التي يحملها المفسر والباحث في القرآن، وبالتالي يعمل هؤلاء المتعاملون مع القرآن على فرض آرائهم ومعتقداتهم وتحميلها على القرآن الكريم، بل ترى المفسروصاحب الراي الكلامي او الفلسفي او غيرهما، يعرض رايه ونظريته في بعض الاحيان ثم ياتي بالاية ليسند بها ما يعتقده، او يفكر به، او ما يريد اثباته، وليس هذا تفسيرا، ولا رجوعا للقرآن، ذلك لان التفسير هو اكتشاف ما في آي القرآن، لذا جرت هذه الاتجاهات الى العبث بالمعنى القرآني والتحريف لمحتواه. ذلك لانه اخضاع المحتوى القرآني للاتجاهات الذاتية.

    وفي البيان النبوي الشريف توضيح كاف للفصل بين الذاتية والموضوعية في التفسير.قال(ص): «تعلموا القرآن، واقراوه، واعلموا انه كائن لكم ذكرا وذخرا، وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم، فانه من تبع القرآن نهج به على رياض الجنة، ومن تبعه القرآن زج به في قفاه حتى يقذفه في جهنم» ((219)). وقال(ص): «انما اتخوف على امتي من بعدي ثلاث ضلال: ان يتاولوا القرآن على غيرتاويله، ويتبعوا زلة العالم... فاما القرآن فاعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، واما العالم فانتظروا فئته، ولا تتبعوا زلته...» ((220)) ويؤكد الباحثون ان ما ورد عن ائمة اهل البيت(ع) من روايات ان اناسا حرفوا القرآن، انما كانوا يقصدون بذلك تحريف معناه، وليس تحريف كلماته وحروفه من الزيادة والنقصان، كما تصور البعض.

    وهذا التحريف للمعنى القرآني هو الذي تحدث عنه القرآن بقوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه).

    قال الشيخ الطوسي في تفسير هذه الاية(يعني يغيرونها عن تاويلها)((221)). ان المشكلة الكبرى في التفسير، او الاخذ من القرآن، تكمن في خطا المفسر، اواخضاع الاية لرايه، وكم هو دقيق تشخيص الامام علي(ع) لهذه الظاهرة عندما قال: «يعطف الهوى على الهدى اذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الراي على القرآن اذاعطفوا القرآن على الراي» ((222))، وتنتشر هذه الظاهرة في الفكر العقيدي بشكل اوضح. اذ عبثت الاتجاهات الباطنية، او آراء بعض الفلاسفة والفرق الكلامية في الدلالات القرآنية.

    ومن المفيد ان نذكر عينات من التفسير الذي يتحكم فيها راي المفسر بدلالة الاية.. من تلك العينات تفسير ابن عربي الباطني لقوله تعالى: (...واخذهم الربا وقد نهواعنه).

    قال: (واخذهم ربا فضول العلوم، كالخلاف والجدل واللذات البدنية، والحظوظ التي نهوا عنها...)((223)).

    وفسر قوله تعالى: (رب اجعل هذا البلد آمنا...) فسره بقوله: (اي، بلد البدن آمنا من غلبات صفات النفس، وتنازع القوى وتجاذب الاهواء)((224)). وكتب الشيخ محمد الغزالي ناقدا للذاتية المفسرة يقول:

    (كنت انظر احيانا الى طريقتنا في فهم القرآن، فكنت اجد انها طريقة تستحق التامل،بمعنى: انه لكي نقول: ان العمل الذي نؤديه هو من صنع اللّه، استدللنا بالقرآن (واللّهخلقكم وما تعملون) وانتزعنا هذه الاية من السياق كله لكي تدل على مذهب اهل السنة: ان العمل مخلوق للّه، اونسينا ان هذا الكلام لو صح، ما كان عبدة الاوثان مسؤولين، لانهم اذا كانوا مخلوقين للّه، وشركهم ووثنيتهم مخلوقة للّه، فما عليهم من ذنب، لكن نحن اخذنا ظاهر الاية وقطعناها من سياقها، من قبل ومن بعد، وجعلناها دليلا لراي باطل.. انها آفة التجزيء)((225)).

    وكتب الفقيه المفكر الاسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر نقدا رافضا للتفسيرالباطني الذي انكر حجية الظهور لتمرير آراء خاصة. قال(رحمه اللّه): «ذهب جماعة من العلماء الى استثناء ظواهر الكتاب الكريم من الحجية، وقالوا بانه لايجوز العمل فيما يتعلق بالقرآن العزيز الا بما كان نصا في المعنى، او مفسرا تفسيرا محددا من قبل النبي(ص) او المعصومين من آله عليهم الصلاة والسلام» ((226)).

    ثم رد هذا الراي الذي اعتمد روايات ضعيفة السند بل مكذوبة، كما قال بان رواتها في الغالب من ذوي الاتجاهات الباطنية المنحرفة على مايظهر من تراجمهم((227)).

    ثم قال(رحمه اللّه)، وثانيا: «ان هذه روايات معارضة للكتاب الكريم الدال على انه نزل تبيانا لكل شيء وهدى وبلاغا، والمخالف للكتاب من اخبار الاحاد لايشمله دليل حجية خبر الواحد، كما اشرنا سابقا» ((228)).

    كتفسيرهم لقوله تعالى: (انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه)((229)).

    بان الخمر والميسر والانصاب والازلام هي اسماء لاشخاص يدعو القرآن لاجتنابهم، وليست هي الحقائق الدال عليها ظاهر اللفظ.

    وتعريف التفسير بدقته العلمية وبانه: (الكشف عن مراد اللّه تعالى من كتابه العزيز).

    يؤكد لنا ان تدخل الذاتية يحول دون الكشف عن مراد اللّه تعالى، وبالتالي ليس ماتنتجه الذاتية هو تفسير لكتاب اللّه، ولا كشف عن محتوى الاية، بل هو راي المفسر، اوالباحث، او المستدل، وتحميله لرايه على الاية.

    وحين تقرا التفاسير والاراء العقيدية والفقهية والفلسفية والاخلاقية وغيرها نجدالمذهبية الذاتية ظاهرة واضحة في فهم القرآن وتفسيره حتى صار التفسير والاستدلال بالقرآن عند البعض هو استدلال على مايؤمن به، وكان القرآن انزل ليؤيد رايه واتجاهه المذهبي.

    ان المنهج السليم في فهم القرآن واكتشاف محتواه. هو المنهج العلمي الذي يتعامل مع القرآن كما يتعامل الباحث في مجال الطب والفيزياء والكيمياء. انا وان كنا نميز بين الاكتشاف المختبري في مجال الابحاث المادية، وبين مجال الاكتشاف في العلوم الانسانية من صعوبة استبعاد الذات استبعادا مطلقا، الا ان امام الباحث في القرآن منهجاعلميا للاكتشاف والاستنباطي حافظ على مساره في البحث الموضوعي، اذا ما استفادمن المبادئ العلمية من غير عصبية ولاانحياز.

    اسباب النزول اسباب النزول مصطلح من مصطلحات علوم القرآن والدراسات القرآنية، ويعني: السبب الذي من اجله نزلت الاية لتتحدث عنه ولتعرفه، او تبين حكمه، او ظروفه وعناصره، فان آيات القرآن الكريم نزلت خلال ثلاثة وعشرين عاما، وكان نزولها على قسمين:

    1- قسم نزل ابتداء من غير حدث في محيط الدعوة البشري، وهو معظم آيات القرآن الكريم، وفي مختلف شؤون العقيدة والعبادة ونظام المجتمع... الخ.

    2- قسم من آياته المباركة نزل بسبب الحوادث والوقائع التي حدثت في محيط الدعوة، او بسبب سؤال من بعض الافراد، كقوله تعالى: (قل هواللّه احد× اللّه الصمد× لم يلد × ولم يولد × ولم يكن له كفوا احد)، فسبب نزولها كما ورد في الكافي باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «ان اليهود سالوا رسول اللّه(ص) فقالوا:انسب لنا ربك فلبث ثلاثا لايجيبهم، ثم نزلت (قل هو اللّه احد) الى آخرها»((230)).

    وكقوله تعالى: (قد سمع اللّه قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى اللّه واللّه يسمع تحاوركما ان اللّه سميع بصير)((231)) وسبب نزولها كما يذكر الواحدي النيسابوري ((232)) انها نزلت في خويلة بنت ثعلبة عندما ظاهر منها زوجها اوس بن الصامت.

    عن عروة قال: قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء اني لاسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها الى رسول اللّه(ص) وهي تقول: يارسول اللّه ابلى شبابي ونثرت له بطني حتى اذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني،اللهم اني اشكو اليك، قال: فما برحت حتى نزل جبرئيل(ع) بهذه الايات (قد سمع اللّه قول التي تجاد لك في زوجها وتشتكي الى اللّه).

    وكقوله تعالى: (ولا تقولن لشيء اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء اللّه...)((233)) وسبب نزولها كما اخرج الطبرسي في الرواية ان النبي(ص) سئل عن قصة اصحاب الكهف، وذي القرنين فقال:

    اخبركم عنه غدا، ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه اياما حتى شق عليه، فانزل اللّه تعالى هذه الاية يامره بالاستثناء بمشيئة اللّه تعالى((234)). وفي تفسير العياشي((235)) عن عبد اللّه بن ميمون عن ابي عبد اللّه(ع) عن علي بن ابي طالب(ع) قال: اذا حلف الرجل باللّه فله ثنياها الى اربعين يوما، وذلك ان قوما من اليهود سالوا النبي(ص) عن شيء فقال: ائتوني غدا ولم يستثن حتى اخبركم، فاحتبس عنه جبرئيل اربعين يوما ثم اتاه وقال: (ولا تقولن لشيء اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء اللّه واذكر ربك اذا نسيت).

    وقوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه...) ((236)) وسبب نزولها روى السدي عن ابن عباس قال:

    نزلت هذه الاية في علي بن ابي طالب حين هرب النبي(ص) عن المشركين الى الغار ونام علي(ع) على فراش النبي(ص)ونزلت الاية بين مكة والمدينة وروي انه لما نام على فراشه قام جبرائيل عند راسه وميكائيل عند رجليه وجبرائيل ينادي بخ بخ، من مثلك يا ابن ابي طالب، يباهي اللّه بك الملائكة ((237)).

    وكية المباهلة: (فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونسائكم وانفسناوانفسكم...)((238)) وسبب نزولها: «قيل: نزلت الايات في وفد نجران العاقب والسيدومن معهما، قالوا لرسول اللّه: هل رايت ولدا من غير ذكر فنزل: (ان مثل عيسى عند اللّهكمثل آدم...) الايات. فقراها عليهم، عن ابن عباس وقتادة والحسن، فلما دعاهم رسول اللّه الى المباهلة استنظروه الى صبيحة غد من يومهم ذلك فلما رجعوا الى رحالهم قال لهم الاسقف:

    انظروا محمدا في غد فان غدا بولده واهله فاحذروا مباهلته،وان غدا باصحابه فباهلوه، فانه على غير شيء، فلما كان الغد جاء النبي(ص) آخذا بيد علي بن ابي طالب(ع) والحسن والحسين(ع) بين يديه يمشيان وفاطمة(ع) تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم اسقفهم، فلما راى النبي(ص) قد اقبل بمن معه، سال عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه وزوج ابنته، واحب الخلق اليه، وهذان ابنا بنته من علي(ع) وهذه الجارية بنته فاطمة، اعز الناس عليه، واقربهم الى قلبه، وتقدم رسول اللّه(ص) فجثا على ركبتيه، قال ابو حارثة الاسقف: جثا واللّه كما جثا الانبياء للمباهلة، فكع((239)) ولم يقدم على المباهلة، فقال السيد: ادن يا ابا حارثة للمباهلة، فقال:

    لااني لارى رجلا جريئا على المباهلة، وانا اخاف ان يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل واللّه علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء، فقال الاسقف: ياابا القاسم انا لانباه لك، ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهص به، فصالحهم رسول اللّه(ص) على الفي حلة من حلل الاواقي، قسمة كل حلة اربعون درهما فما زاد ونقص فعلى حساب ذلك، وعلى عارية ثلاثين درعا، وثلاثين رمحا، وثلاثين فرسا، ان كان باليمين كيد، ورسول اللّه ضامن حتى يؤديها، وكتب لهم بذلك كتابا.

    وروي ان الاسقف قال لهم: اني لارى وجوها لو سالوا اللّه ان يزيل جبلا من مكانه لازاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبق على وجه الارض نصراني الى يوم القيامة.

    وقال النبي: والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم. قالوا: فلما رجع و فدنجران لم يلبث السيد والعاقب الا يسيرا حتى رجعا الى النبي، واهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين واسلما((240)).

    وكالايات التي نزلت تتحدث عن معارك بدر واءحد وحمراء الاسد وحنين وغزوات اخرى.

    ولاسباب النزول اثر كبير في تحديد معنى الاية وتفسيرها، ففهم سبب النزول يعين على فهم المعنى والمراد القرآني.

    ومن الجدير ذكره هو ان آيات القرآن النازلة في حدث معين لايختص حكمها بذلك الحدث، ما لم يكن منحصرا به، بل يعتبر ذلك الحدث مثالا ومصداقا لها، لذلك جاءت القاعدة التشريعية:

    (العبرة بعموم المعنى لابخصوص اللفظ) او: (خصوص المورد لايخصص الوارد).

    ولقد ثبت الامام الباقر (ع) هذا المبدا عند تفسير قوله تعالى:

    (ولكل قوم هاد).

    فقد قال: «علي: الهادي، ومنا الهادي، فقلت (السائل) فانت جعلت فداك. قال: صدقت: ان القرآن حي لا يموت، والاية حية لاتموت، فلو كانت الاية اذا نزلت في الاقوام وماتوا ماتت الاية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين» ((241)).

    واوضح الامام الصادق(ع) بقوله لعمر بن يزيد لما ساله عن قوله تعالى: (والذين يصلون ما امر اللّه به ان يوصل): «هذه نزلت في رحم آل محمد(ص) وقد تكون في قرابتك، فلا تكونن ممن يقول للشيء: انه في شيء واحد»((242)).

    و روي عنه(ع) قوله: «ولو ان الاية اذا نزلت في قوم ثم مات اولئك ماتت الاية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري اوله على آخره، ما دامت السماوات والارض، ولكل قوم آية يتلوها منها من خير او شر» ((243)).

    وهكذا يتحدد هذا المبدا التشريعي والفكري العام تشخيصا لمراد اللّه تعالى من كتابه. وتوضيحا لخلود الشريعة، وامتداد احكامها.

    وهكذا يتضح ان المفسر يحتاج الى معرفة سبب النزول ليفهم المعنى.

    الجري والانطباق واسباب النزول:

    ومن خلال قراءة ما ورد عن ائمة اهل البيت(ع) من ان الاية جارية باحكامها ومفاهيمها ما لم تكن خاصة في ذلك المورد ما دامت البشرية قائمة على هذه الارض، وان كانت قد نزلت بسبب حادثة معينة، فمن الضروري ان نميز عند التفسير بين سبب النزول وبين الجري والانطباق وبين علة التشريع.

    فان سبب النزول: هو الحادثة التي نزلت الاية بسببها، وان الجري والانطباق يعني ان حكم الاية منطبق على تلك الحادثة، او ذلك الشخص... الخ باعتباره احد المصاديق، وكثيرا ما وقع الخلط بين سبب النزول والجري والانطباق عند بعض المفسرين. وهذا الجري والانطباق يحصل في الايات ذات السبب والاخرى التي نزلت من غير سبب للنزول.

    وان علة التشريع: هي ما شرع الحكم من اجله: كعلة الاسكار في تحريم الخمر.

    ومما ينبغي التعريف به في هذا المبحث هو ان اسباب النزول هي حوادث تاريخية، وان رواية هذه الحادثة وصل الينا عن طريق الرواة، ولابد لنا قبل قبول الخبر من التوثق من ناقله، لاسيما وان يد التحريف قد امتدت الى هذه المسالة الخطيرة من تشخيص الحقائق، وبيان معاني القرآن، ومصاديق المعنى في المجتمع الانساني.

    فمن امثلة ذلك الاية الكريمة: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه واللّه رؤوف بالعباد).

    فانها نزلت في بيان فضل الامام علي(ع) لمبيته على فراش النبي ليلة الهجرة.

    في حين جاءت روايات اخرى تذكر ان هذه الاية نزلت في صهيب او في غيره. ويؤكدالمحققون من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم انها نزلت في علي(ع). من ذلك نفهم ان سبب صرفها عن السبب الحقيقي لنزولها (في علي(ع)) هو ما دخل في الروايات من دس وتحريف ووضع.

    واذا لابد لنا من التحقيق في سبب النزول قبل قبول ما ينقل.

    فان ذلك يساهم في فهم المعنى الحقيقي وتشخيص المراد.


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:28 pm



    النسخ


    المعنى اللغوي: (النسخ: ازالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب، فتارة يفهم منه الازالة، وتارة يفهم منه الاثبات، وتارة يفهم منه الامران)((244)). وفي المصباح المنير: (... قال ابن فارس: وكل شيء خلف شيئا، فقد انتسخه. فيقال:انتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب، اي ازاله...)((245)).

    المعنى الاصطلاحي: ومن الواضح ان القرآن الكريم قد استعمل الالفاظ العربية بمعان خاصة، فصارت لها بعد ذلك الاستعمال دلالات شرعية. تفهم عند الاطلاق، فتحولت بذلك الى اصطلاحات قرآنية محددة المعنى والدلالة.

    ومن خلال دراسة العلماء المختصين للنسخ في القرآن يتضح لنا ان لهذا المصطلح اكثرمن استعمال. كما لهم آراء وتطبيقات متفاوتة نذكر ابرزها بعد ايراد التعريف الاصطلاحي للنسخ.

    عرف الراغب الاصفهاني النسخ بقوله: «نسخ الكتاب: ازالة حكم بحكم يتعقبه. قال تعالى: (ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها) قيل: معناه ما ننزل العمل بها، اونحذفها عن قلوب العباد، وقيل: معناه ما نوجده وننزله، من قولهم نسخت الكتاب...»((246)).

    وقال الفيومي:

    «...والنسخ الشرعي: ازالة ما كان ثابتا بنص شرعي، ويكون في اللفظ والحكم. وفي احداهما سواء فعل، كما في اكثر الاحكام او لم يفعل، كنسخ ذبح اسماعيل بالفداء، لان الخليل(ع) امر بذبحه، ثم نسخ قبل وقوع الفعل...»((247)).

    وقال الشيخ الطوسي: «واما الناسخ فهو كل دليل شرعي يدل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص الاول في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه»((248)).

    وعرفه الشهيد الصدر بقوله: «والنسخ اذا اخذناه بمعناه الحقيقي وهو رفع الحكم بعد وضعه وتشريعه، بل واقع في الاحكام العرفية بلاكلام، وادعي وقوعه في الاحكام الشرعية من قبل بعض الاصوليين، فسوف لن يكون النسخ من باب التعارض والتنافي بين الدليلين بحسب الدلالة ومقام الاثبات، لان الدليل الناسخ حينئذ لايكون مكذبا للدليل المنسوخ، لا بلحاظ دلالته على اصل الحكم المنسوخ، ولا بلحاظ دلالته على دوامه واستمراره، وانما يكون دالا على تبدل الحكم وتغيره ثبوتا بعد ان كان نظرالشرع على طبق المنسوخ حدوثا وبقاء حقيقة، فالنسخ في الشريعة على هذا الاساس وان كان من الاختلاف والتنافي في الحكم، وقد يكون له مبرراته من التدرج في مقام التقنين والتشريع، او غيره من المبررات، الا انه يكون تنافيا في عالم الثبوت، وليس من التعارض الذي هو التنافي في عالم الاثبات» ((249)).

    وعرف الفقيه الراحل السيد ابو القاسم الخوئي النسخ بقوله:

    «هو رفع امر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع امده وزمانه» ((250)).

    وعرفه بقوله ايضا: «المعروف بين العقلاء، من المسلمين وغيرهم، هو جواز النسخ بالمعنى المتنازع فيه: رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء» ((251)).

    ومن خلال التعريفات الانفة الذكر يتضح لنا ان النسخ حاصل في الشريعة الاسلامية،كما هو واقع في الشرائع الالهية الاخرى، قد فعله المشرع لحكمة ومصلحة، ومن مظاهر هذه الحكمة ان يكون التشريع مرتبطا بالتكوين البشري، وبطبيعة الاوضاع والتطورات البشرية المعاشة، لذا كان التدرج في التشريع، وكان التغيير والتبديل في الاحكام. وعند دراسة الاستعمالات وتعريفات (النسخ) يتضح لنا ان للنسخ عندالعلماء استعمالات متعددة، وفي التلخيص الاتي نقرا هذه الاستعمالات والمعاني.

    فقد جاء في المنتقى: «وقد كانت لفظة النسخ تعني عند الصحابة والتابعين مطلق التغيرالذي يطرا على بعض الاحكام، سواء رفعها، وحل محلها، او خص ما فيها من عموم،او قيد ما فيها من اطلاق وامثالها من اساليب البيان»((252)).

    «ثم جاء المفسرون فيما بعد ليجعلوا كلمة النسخ تعني مايشمل التخصيص والتقييدوالاستثناء، وترك العمل بالحكم لانتهاء امده، او لتغيير ظرفه، او تبدل موضوعه وغيرها»((253)). وهكذا يتضح لنا ان لكلمة النسخ عدة معان استعملت فيها عبر تاريخها، غير ان استعمالها استقر لدى المتاخرين برفع الحكم واستبداله بحكم آخر.

    وقد فصلت مواضع التخصيص والتقييد والاستثناء، والتي فهمها بعض القدماء عبارة عن نسخ جزئي لاختلاط موضوعاتها لديهم، ودرست دراسة مستقلة في مباحث علم اصول الفقه، وبذا صار مصطلح النسخ خاصا برفع الحكم الثابت في الشريعة لانتهاءامده وزمانه.

    وقد اوضح الشهيد الصدر بقوله الانف الذكر الفرق بين النسخ والتعارض، بان النسخ هو التنافي في عالم الثبوت، في حين يكون التعارض تنافيا في عالم الاثبات.

    مجالات النسخ:

    ويدرس النسخ في مجالين اثنين هما:

    1- نسخ اللاحق من الشرائع لما قبلها، كنسخ الشريعة الاسلامية لما سبقها من الشرائع.

    2- نسخ بعض احكام الشريعة الاسلامية لاحكام اخرى والحلول محلها.

    ولتوضيح نسخ الرسالة الاسلامية لما سبقها من الرسالات ونلخصه بالاتي:

    1- ان العقيدة التي بشر بها الانبياء جميعا، وهي عقيدة التوحيد، وما ارتبط بها من وحي ونبوة وبعث وجزاء، وغير ذلك من فروع العقيدة ومسائلها، هي عقيدة واحدة، لاتغيير فيها، ولا نسخ ولاتبديل، غير ان ما جاء به النبيون، كموسى وعيسى(ع) قدحرف وغير على ايدي المخربين العابثين برسالات اللّه، لذا نجد التفاوت بينها وبين ماجاء به القرآن الكريم.

    2- ان كل ما اخبر اللّه به النبيين من وقائع وحوادث وتعريف بحقائق الوجود وامثالها لانسخ فيه ولا تبديل، لانه اخبار حق عن واقع وحقائق قائمة.

    3- ان الاخلاق والقيم التي جاء بها النبييون، هي قيم اخلاقية واحدة، كالصدق والامانة والعدل... الخ فلا نسخ فيها ولا تبديل.

    4- ان النسخ واقع في التشريع من العبادات والمعاملات واحكام القضاء...الخ فمانسخته الشريعة الاسلامية من الرسالات الالهية السابقة هو محصور في التشريع.

    5- وكما نسخت الشريعة الاسلامية الشرائع السابقة، فقد وقع النسخ في احكام الشريعة الاسلامية ذاتها لحكمة ومصلحة تتعلق بالتدرج في تطبيق الاحكام، واذ افالحكم المنسوخ هو حكم مؤقت قد شرعه المشرع الحكيم الى اجل ليستبدله بغيره لحكمة ومصلحة تتعلق بالانسان ذاته.

    مجالات النسخ في الرسالة الاسلامية:

    سبق الحديث عن مجالات النسخ بين الرسالات الالهية، ونعود هنا فنتحدث عن النسخ في الشريعة الاسلامية ذاتها كما نثبت ايضا ان النسخ في الشريعة الاسلامية لايشمل الا جانب الاحكام ايضا، كما مر سابقا، فلانسخ في العقيدة، وقيم الاخلاق، اومااخبر اللّه سبحانه وتعالى به من وقائع، او مابينه من علوم ومعارف، ولقداختلف علماء الاسلام في مايمكن ان ينسخ من القرآن اي ماينسخ من آيات القرآن ومالاينسخ.

    ولايضاح هذه المسالة المتنازع عليها بين المسلمين نلخصها بالاتي:

    1- ان الاية الكريمة هي عبارة عن نص لفظ ي يحمل حكما شرعيا او مفهوما عقيديا اومعرفة حقة، وهي قرآن يتلى.

    2- اجمع المسلمون على وقوع نسخ حكم الاية مع بقاء التلاوة اي ان الاية باقية، وهي جزء من القرآن يتلوها المسلمون، غير ان حكمها معطل تعطيلا نهائيا، لاستبداله بغيره من الاحكام، كية النجوى: وهي قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة...).

    3- نسخ التلاوة وبقاء الحكم: اختلف المسلمون في وقوع النسخ بهذا المعنى، فذهب الشيعة الامامية الى عدم وقوع هذا الصنف من النسخ وان ما اعتمد عليه في هذا المجال، ان هو الا اخبار آحاد، لاصحة فيها، اضافة الى ان النسخ لا يثبت باخبار الاحاد باجماع المسلمين، فليس هناك آية نسخت تلاوتها وبقي حكمها. اي ليست هناك آية كانت جزءا يتلى من القرآن، ثم رفعها اللّه سبحانه، وهي غير موجودة الان بتلاوتها، مع بقاء حكمها. وذهب اتباع المذاهب الستة الى جواز ذلك. وقد مر علينا في تعريف النسخ المتبنى في هذه المدرسة، كما في تعريف الفيومي الذي جاء فيه ((...ويكون في اللفظ والحكم او في احداهما)).

    وقد اشار الراغب الاصفهاني الى هذه النظرية عند تفسيره قوله تعالى: (ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها) قيل: معناه مانزيل العمل بها، او نحذفها عن قلوب العباد...) وقد استدل القائلون بهذه النظرية بية الرجم.

    ذكر السيوطي ان ابن اشتة: (اخرج في المصاحف عن الليث بن سعد: اول من جمع القرآن ابو بكر، وكتبه زيد... وان عمر اتي بية الرجم فلم يكتبها، لانه كان وحده)((254)).

    وآية الرجم التي ادعى عمر انها من القرآن، ولم يقبل منه. رويت بوجوه: منها: (اذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم)((255)).

    4- نسخ التلاوة والحكم: ولقد اختلف في وقوع هذا الصنف من الاحكام فذهب الشيعة الامامية الى عدم وقوعه في القرآن، وليس هناك من دليل عليه، وذهب بعض علماء المدرسة السنية الى وقوع ذلك في القرآن، واستدلوا بروايات آحاد على ذلك، منها ان عروة بن الزبير روى عن عائشة انها قالت: (وكانت سورة الاحزاب تقرا في زمن النبي(ص) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف، لم نجد منها الا ماهوالان) ((256)).

    وقال السيوطي: (النسخ في القرآن ثلاثة اضرب: احدها ما نسخ تلاوته وحكمه معا.قالت عائشة: كان فيما انزل: عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللّه، وهن مما يقران رواه الشيخان...)((257)).

    ادوات النسخ:

    اما ادوات النسخ كما ذكرها العلماء، فهي:

    1- ان السنة المتواترة والاجماع القطعي الكاشف عن السنة الناسخة ينسخان الحكم الثابت بالقرآن((258))، ولكن ليس لهذا الصنف من النسخ مثل واحد في الشريعة الاسلامية، وانما هو مجرد قول بالامكان والجواز، واجمع المسلمون ان النسخ لايثبت بخبر الاحاد.

    2- ان الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بية اخرى منه ناظرة الى الحكم المنسوخ ومبينة‏رفعه، وهذا القسم ايضا لااشكال فيه((259)). 3- ان الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بية اخرى غير ناظرة الى الحكم السابق ولا مبينة‏لرفعه، وانما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما، فيلتزم بان الاية المتاخرة ناسخة‏لحكم الاية المتقدمة.

    والتحقيق ان هذا القسم غير واقع في القرآن((260)).

    وقال السيوطي: متحدثا عن ادوات النسخ و اختلف العلماء، فقيل: لاينسخ القرآن الا بالقرآن، لقوله تعالى: (ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها) قالوا: ولايكون مثل القرآن، وخيرا الا القرآن.

    وقيل: بل ينسخ القرآن بالسنة، لانها ايضا من عند اللّه: قال تعالى: (وما ينطق عن‏الهوى) وجعل منه آية الوصية الاتية.

    والثالث: اذا كانت السنة بامر اللّه تعالى من طريق الوحي نسخت، وان كانت‏باجتهاد((261)) فلا. حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره.

    وقال الشافعي: «حيث وقع نسخ القرآن بالسنة، فمعها قرآن عاضد لها وحيث وقع نسخ‏السنة بالقرآن فمعه سنة معاضدة له، ليتبين توافق القرآن والسنة...»((262)).

    ومن القضايا التي ينبغي ايضاحها عند الحديث عن النسخ هو ماذهب اليه البعض من‏ان الشيعة تؤمن بان الائمة مفوض اليهم نسخ القرآن، وقد سجل الشيخ الطوسي ذلك الزعم ورد عليه قائلا:

    «وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: قال قوم ليسوا ممن يعتبرون، ولكنهم من‏الامة على حال: ان الائمة المنصوص عليهم بزعمهم مفوض اليهم نسخ القرآن‏وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتى خرج من الدين بقوله: ان النسخ قد يجوز على وجه‏البداء، وهو ان يامر اللّه عزوجل عندهم بالشي‏ء، ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيره، ولايريد في وقت امره به ان يغيره هو، ويبدله وينسخه، لانه عندهم لا يعلم الشي حتى‏يكون، الا ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا ان ما نزل بالمدينة ناسخ لمانزل بمكة‏»((263)).

    ثم علق الطوسي رادا على ذلك بقوله: «واظن انه عنى بهذا اصحابنا الامامية، لانه ليس‏في الامة من يقول بالنص على الائمة(ع) سواهم، فان كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل، وكذب عليهم، لانهم لا يجيزون النسخ على احد من الائمة(ع) ولا احد منهم‏يقول بحدوث العلم، وانما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة كالنظام‏والجاحظ وغيرهما وذلك باطل، وكذلك لا يقولون: ان المتاخر ينسخ المتقدم الا بالشرط الذي يقوله جميع من اجاز النسخ، وهو ان يكون بينهما تضاد وتناف لا يمكن‏الجمع بينهما، واما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم‏»((264)).

    واوضح الفقيه الاسلامي الكبير الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ان النسخ‏محصور في سنة الرسول(ص) دون ما صدر عن الائمة(ع) جاء في قوله: «وهكذا يتضح ان تغير آراء الشريعة عن طريق النسخ يكون ايضا احد العوامل المستوجبة‏للتعارض بين الاحاديث‏والنصوص، ولكن التعارض على اساس هذا العامل تنحصر دائرته في النصوص‏الصادرة عن النبي(ص) ولا تعم النصوص الصادرة عن الائمة(ع) لما ثبت في محله‏من انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر النبي(ص) وان الاحاديث الصادرة عن الائمة‏المعصومين ليست الا بيانا لما شرعه النبي(ص) من الاحكام وتفاصيلها»((265)).

    وبذا يوضح الشهيد الصدر ان احاديث الائمة ليس لها قوة نسخ احاديث‏الرسول(ص) فكيف تكون لها قوة نسخ القرآن.

    وهكذا يتضح بطلان التهمة الموجهة الى عقيدة الشيعة الامامية في هذه المسالة من‏خلال ما قرانا من رد الشيخ الطوسي، وتوضيح الشهيد الصدر.

    واخيرا نخلص الى:

    1- ان النسخ هو عبارة عن رفع الحكم الثابت لانتهاء امده وزمانه.

    2- ان النسخ محصور فقط برفع الحكم مع بقاء التلاوة.

    3- لم تنسخ آية من كتاب اللّه من الناحية الفعلية الا بية اخرى.

    4- ان نسخ الاية لاية اخرى محصور في ان تكون الاية قد جاءت موجهة لنسخ تلك‏الاية فقط. اما ان تكون الاية اللاحقة مخالفة للسابقة فلا تعد ناسخة لها.

    لذا فقد ابطل بعض المحققين المتاخرين كثيرا مما قيل انها آيات ناسخة، واخرى‏منسوخة، ولعل كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد ابي القاسم الخوئي شاهد علمي‏معاصر على هذا الاتجاه.

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:33 pm



    المحكم والمتشابه


    من المباحث الاساسية في علوم القرآن هو مبحث المحكم والمتشابه. والمحكم‏والمتشابه هما مصطلحان قرآنيان، استعملهما القرآن الكريم وعرف ان آياته فيهاالمحكم والمتشابه.

    وتعني كلمة المحكم في اللغة المتقن الذى لا اضطراب فيه ولا اختلاف. ((ومنه حديث‏صفة القرآن (وهو الذكر الحكيم) اي الحاكم لكم، او هو المحكم الذي منه حديث ابن‏عباس: قرات المحكم على عهد رسول اللّه، يريد المفصل من القرآن، لانه لم ينسخ منه‏شي‏ء، وقيل: ما لم يكن متشابها، لانه احكم بيانه بنفسه، ولم يفتقر الى غيره‏»((266)).

    عرف العلماء المختصون بالتفسير والدراسات القرآنية المحكم والمتشابه بتعاريف‏مختلفة، وحددوا معناهما، فكانت هناك اتجاهات وآراء في تحديد وفهم معنى‏المحكم والمتشابه.

    وفيما يلي نورد عددا من تلك التعاريف:

    عرف الراغب الاصفهاني المحكم بقوله: ((ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولامن حيث المعنى‏»((267)).

    ونقل الحافظ جلال الدين السيوط‏ي تعاريف عديدة للمحكم والمتشابه نذكر منها: «المحكم ما عرف المراد منه، اما بالظهور، واما بالتاويل، والمتشابه ما استاثر اللّه بعلمه،كقيام الساعة، وخروج الدجال والحروف المقطعة في اوائل السور»((268)). وقيل: «المحكم ما لا يحتمل من التاويل الا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل‏اوجها»((269)).

    ونقل عن عبد بن حميد عن الضحاك: «المحكمات ما لم ينسخ منه، والمتشابهات ما قدنسخ‏»((270)).

    وروي عن عكرمة وقتادة وغيرهما: «ان المحكم الذي يعمل به، والمتشابه الذي يؤمن‏به، ولا يعمل به‏»((271)).

    وعرف الفقيه السيد محمد باقر الصدر المحكم والمتشابه بقوله: «فالمحكم من الايات‏ما يدل على مفهوم معين لانجد صعوبة، او ترددا في تجسيد صورته، او تشخيصه في‏مصداق معين. والمتشابه‏ما يدل على مفهوم معين تختلط علينا صورته الواقعية ومصداقه الخارجي‏»((272)).

    وعرف الفخر الرازي المحكم والمتشابه بقوله: «...ان اللفظ اما ان يكون نصا، اوظاهرا، او مؤولا، او مشتركا، او مجملا».

    اما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح الا ان النص راجح مانع عن الغير.والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم.

    واما المجمل والمؤول فهما مشتركان في ان دلالة اللفظ عليه غير راجحة. وان لم يكن‏راجحا لكنه غير مرجوح. والمؤول مع انه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل‏المنفرد. فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه، لان عدم الفهم حاصل في‏القسمين جميعا...»((273)).

    وورد عن الامام جعفر الصادق(ع): «ان القرآن محكم ومتشابه، فاما المحكم فنؤمن‏به، ونعمل به، وندين به، واما المتشابه فنؤمن به، ولا نعمل به، وهو قول اللّه عزوجلSadواما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه...)...».

    وورد عن ائمة اهل البيت(ع) ايضا: «من رد متشابه القرآن الى محكمه هدي الى‏صراط مستقيم‏»((274)).

    واستعمل القرآن الكريم وصف (المحكم والمتشابه) لكل ما ورد فيه، فهو:

    1- وصف آياته كلها بانها محكمة، فقال تعالى: (الر # كتاب اءحكمت آياته...).

    ومعنى الاحكام الوارد في هذه الاية وامثالها هو الضبط والاتقان، فلا شي‏ء في آي‏القرآن غير محكم في لغته واسلوبه وبيانه ودقة معانيه، وانسجامه مع غيره من الايات،وعدم تناقضه معها.

    (لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). (صنع اللّه الذي اتقن كل شي‏ء...).

    2- وصف آياته كلها بالمتشابه، جاء ذلك بقوله تعالى (اللّه نزل احسن الحديث كتابامتشابها)((275)).

    ويقصد بالتشابه هنا التماثل في الاتقان والبلاغة والاهداف والاتساق.

    3- وصف القرآن آياته بان فيها المحكم والمتشابه، بالمعنى الاصطلاحي الذي حدده‏العلماء. جاء هذا الوصف في قوله تعالى:

    (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات‏محكمات هن اءم الكتاب واءخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه‏منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا اللّه والراسخون في العلم يقولون‏آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب)((276)).

    ومن خلال تعاريف العلماء ودراساتهم للمحكم والمتشابه نعرف دلالة هذه الاية،وماذا يعني المحكم والمتشابه الواردان فيها؟ ولماذا كانت هناك آيات متشابهة، ولم‏تكن جميعها محكمة بهذا المعنى؟ لماذا المتشابه في القرآن:

    اتضح لنا ان القرآن كله كتاب محكم في المبنى والمعنى، في الشكل والمضمون، سواءما سمي منه محكما، او ما اطلق عليه اسم المتشابه. وعرفنا المقصود بالمتشابه بانه‏الاي الذي يصعب تشخيص مصداقه في العالم الخارجي، كما يذهب الشهيد الصدر،رضوان اللّه عليه الى ذلك، ومفسرون آخرون.

    وقد يورد البعض سؤالا لماذا كان المتشابه في القرآن ؟.. اليس القرآن كتاب بيان‏وهداية للبشرية؟ او ليس المفروض ان يكون كله محكما لاتشابه فيه؟ فهو صادر عن‏خالق الوجود، وهو القادر العليم.

    ويجيب العلماء الباحثون على هذا الاشكال بان الداعي لوجود المتشابه في القرآن، هومستوى قدرة الانسان على فهم الحقائق التي تحدث عنها القرآن في هذه الايات،وادراكها اولا.

    وحقيقة القضايا التي تحدث عنها في تلك المواضع ثانيا.

    فمثلا تحدث القرآن عن صفات اللّه تعالى، وعن عوالم الغيب المجردة عن الحسيات،وعالم الممكنات المعهود لدى الانسان، فعبر عنها باللفظ الذي يقرب الفهم الى ذهنه،فاستعمل كلمة (العرش) و (الكرسي) و (اليد) و (الغضب) و (المكر) و (السخط) و(الرضا) عند وصفه للخالق سبحانه، او التعريف بملكه وسلطانه، لتقريب المعاني‏والحقائق الخارجية الى ذهن الانسان.

    كما ان من اسباب وجود المتشابه في القرآن، هو دعوة العقل البشري الى التحري‏والبحث، وبلورة الفهم المختلط، ولاختبار الانسان في عقيدته وايمانه، فهو يواجه‏المحكم والمتشابه، وهو مدعو الى فهم المتشابه على ضوء المحكم لاسباب لغوية،كالمشتركات اللفظية، وكاللجوء الى استعمال المجاز..

    وثبت ائمة اهل البيت(ع) المنهج السليم لفهم المتشابه، فقد ورد عن الامام‏الصادق(ع): «من رد متشابه القرآن الى محكمه فقد هدي الى صراط مستقيم‏».

    فمن المحكمات مثلا قوله تعالى: (ليس كمثله شي‏ء...) وقوله تعالى: (لا تدركه‏الابصار وهو يدرك الابصار).

    فيرد المتشابه في صفات اللّه تعالى اليها كقوله تعالى: (يد اللّه فوق ايديهم) وقوله: (وسع كرسيه السماوات والارض).

    وقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة). فتفسير كلمة (ناظرة) بالراجية‏المنتظرة للعطاء بعد ردها الى قوله تعالى: (لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار).

    ينهي ماقد يتوهمه البعض من التجسيم ورؤية اللّه بالبصر البشري.


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:48 pm



    علاقة السنة بالقرآن السنة النبوية




    «هي اسم يطلق على كل ما صدر عن النبي من قول او فعل اوتقرير»((277)).

    ان من الاسس الاعتقادية التي اوضحها القرآن للبشرية ان كل ما صدر عن النبي(ص)هو عن اللّه سبحانه، فسنة الرسول(ص) هي متلقاة من اللّه جل ثناؤه، متلقاة بمعناهادون لفظها، فهي وحي كالقرآن. غير ان القرآن موحى بلفظه ونظمه ومعناه، وهي‏موحاة بمعناها.

    جاء هذا البيان في قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى × ان هو الا وحي يوحى × علمه شديد القوى) وفي قوله تعالى: (ماآتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وفي قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول اللّه اسوة حسنة).

    وواضح ان الرسول الكريم هو المخاطب بالقرآن، وهو العالم بما حوى من علم‏وشريعة وهدي، والعارف بتفسيره وتاويله، والمكلف ببيان مجملاته وغوامضه، وماانطوت عليه اعماقه وايحاءاته.

    نقرا تلك الحقيقة في قوله سبحانه:

    (وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم) (وما نزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي فيه يختلفون).

    ولقد قام الرسول(ص) باداء هذه المهمة، وبين للناس ما بلغ به من خلال القول‏والفعل والتقرير.

    فقد فسر الرسول الكريم محمد(ص) القرآن بقوله وفعله وتقريره.

    ولقد استقرا العلماء موارد علاقة السنة بالكتاب وبحثوها بحثا مفصلا في علم اصول الفقه، كجزء من منهج الاستنباط من الكتاب، وهي:

    1- ان السنة تبين مجمل الكتاب.

    2- ان السنة خصصت عموم الكتاب.

    3- ان السنة قيدت مطلق الكتاب.

    4- ان السنة لها قوة نسخ الكتاب.

    التطبيق:

    1- السنة تبين مجمل الكتاب: من الامور الواضحة لدى الجميع ان الكثير مما جاء في‏القرآن من الصلاة والزكاة والصوم والحج... الخ جاء مجملا غير مفصل.

    وقد قام الرسول الكريم(ص) ببيان تلك المجملات وتفصيلها، فعلم الناس كيفية‏الصلاة والصوم والزكاة والحج بكامل تفاصيلهامن خلال البيان اللفظي والتطبيقي الذي مارسه بسيرته العملية، وبذا بين للامة تفاصيل‏القضايا المجملة.

    عرف المحقق الحلي المجمل بانه: ((ما افاد شيئا من جملة اشياء، هو معين في نفسه، واللفظ لا يعينه‏»((278)).

    ثم قال: (والضابط فيه: ان كل ما لا يستقل بنفسه في معرفة المراد به فهومجمل)((279)).

    وعرفه الفقيه الراحل الشيخ محمد رضا المظفر بقوله: «عرفوا المجل اصطلاحا: بانه مالم تتضح دلالته، ويقابله المبين‏»((280)).

    ثم قال: «والمقصود من المجمل على كل حال، ما جهل فيه مراد المتكلم ومقصوده اذاكان لفظا، وما جهل فيه مراد الفاعل ومقصوده اذا كان فعلا...» ومن ثم قال: «ومن هذا البيان نعرف ان المجمل يشمل اللفظ والفعل‏» ثم استرسل في الحديث عن الامثلة‏المجملة من الايات فاورد قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) ثم بين‏ان لفظ اليد المقصود قطعها هنا هي من المجملات.

    وللايضاح نختصر هذا البيان بين يدي القارئ: قال: «واما من ناحية اليد فان الظاهر ان اللفظ لو خلي ونفسه يستفاد منه ارادة تمام العضو المخصوص، ولكنه غير مراد يقينافي الاية فيتردد بين المراتب‏العديدة من الاصابع الى المرفق، لانه يعد فرض عدم ارادة تمام العضو لم تكن ظاهرة‏في واحدة من هذه المراتب. فتكون الاية مجملة في نفسها من هذه الناحية. وان كانت‏مبينة بالاحاديث عن آل البيت(ع) الكاشفة عن ارادة القطع من اصول‏الاصابع‏»((281)).

    وهكذا تبين السنة مجمل الكتاب، وتوضح مراد القرآن من اليد في هذه الاية.

    2- ان السنة تخصص عموم الكتاب: عرف المحقق الحلي العام بقوله: «هوالمستغرق لجميع ما يصلح له اذا افاد في الكل فائدة واحدة‏»((282)). ان الاحكام الشرعية والقوانين الاسلامية حسب متعلقاتها والقضايا التي تنظمها تنقسم‏الى قسمين: احكام عامة، واحكام خاصة. فكثيرا ما تاتي الاحكام بصيغة عامة، ثم ياتي‏التخصيص، وهو اخراج مساحة محدودة من تلك المساحة الكلية بتشريع احكام‏خاصة بها دون بقية افراد ذلك العموم، ونجد ذلك واضحا في الاحكام التي جاء بهاالقرآن الكريم. فقد جاء باحكام عامة تشمل الافراد المتماثلة، ثم اخرج بعض الافرادواستثناها من الحكم العام بحكم آخر.

    ووفق منطق التشريع وعرفه فان الخاص يقدم على العام، اذا ماتعارضا. اذ يعتبرالخاص قرينة مفسرة لارادة المشرع، ويخصص القرآن بالقرآن، كما يخصص بالسنة،ومثال ذلك عموم قوله تعالى: (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) فخصص‏بقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).

    وتخصيص الكتاب بالسنة هو مما اجمع عليه المسلمون بمختلف مذاهبهم‏وآرائهم.

    ومن الامثة على عموم القرآن المخصص بالسنة هو قوله تعالى:

    (يوصيكم اللّه في‏اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين...)((283)).

    فان هذه الاية شرعت حكما عاما ينص على ان الابناء يرثون الاباء بصورة عامة غير ان‏السنة النبوية اخرجت القاتل من هذا العموم بقول الرسول الكريم(ص) «القاتل لايرث‏»((284)).

    وعمم القرآن حكم تحريم الربا بقوله تعالى: (واحل اللّه البيع وحرم الربا) وقام‏الرسول بتخصيص هذا العموم بقوله(ص):

    «ليس بيننا وبين اهل حربنا ربا، ناخذمنهم الف الف درهم بدرهم، وناخذ منهم ولا نعطيهم‏»((285)).

    وهكذا خصصت السنة عموم الكتاب، والامثلة على ذلك كثيرة، وهذا المبحث هو من‏المباحث المهمة في علم اصول الفقه، وللعلماء المختصين دراسات تفصيلية في‏ذلك.

    كما يذهب الشيعة الامامية الى تخصيص الكتاب بالسنة، يذهب اصحاب المذاهب‏الاخرى الى ذلك ايضا، نذكر مثالا على ذلك ما قاله الامدي الحنبلي: (يجوز تخصيص‏عموم القرآن بالسنة)((286)). ويستدل على ذلك بقوله: (وخصوا قوله تعالى (يوصيكم اللّه في اولادكم)بقوله(ص) «لا يرث القاتل، ولا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من‏الكافر»((287)).

    التخصيص بخبر الاحاد: قسم العلماء الروايات الصادرة عن الرسول(ص)والائمة(ع) حسب سندها الى رواية آحاد، واخرى متواترة، وانتهوا في هذا التقسيم‏الى ان المتواتر يفيد القطع في حين خبر الاحاد يفيد الظن، ثم اثيرت مشكلة علمية،وهي هل يمكن ان يخصص عموم القرآن بالسنة المروية عن طريق الاحاد؟ فالعام‏يخصص تارة بدليل قطعي، واخرى يرد دليل ظني من السنة يفيد تخصيص العام. وهوخبر الاحاد فهل يخصص العام القرآني بخبر الاحاد الثقة. اختلف العلماء في امكان‏تخصيص الكتاب بخبر الاحاد.

    فذهب المشهور، كما افاد السيد ابو القاسم الخوئي، الى جواز تخصيص عموم الكتاب‏بخبر الاحاد.

    وخالف فيه فريق من علماء اهل السنة، فذهب فريق منهم الى منعه مطلقا، وذهب‏فريق آخر الى اشتراط جواز التخصيص بان يكون العام قد خص بدليل قطعي من قبل،وذهب آخرون الى اشتراط ان يكون العام قد خص بدليل منفصل((288)).

    ومن جملة ما اشكل به على عدم جواز تخصيص العام بخبر الاحاد ان خبر الاحاد ظني‏الصدور، والقرآن قطعي الصدور، وان الاخبار تعرض على القرآن، فما لم يوافق منهاالقرآن تسقط حجيته، فكيف تقبل معارضة خبر الاحاد المخصص لعموم القرآن،فيقدم عليه كقرينة مفسرة، فاجاب المجوزون ان التعارض هو بين خبر الاحاد الظني،وبين ظواهر الكتاب، والظواهر هي ظنية بحد ذاتها. وبالتالي فان التعارض يكون بين‏دلالة الكتاب الظنية الموحي بها ظاهر اللفظ، وبين دليل ظني ثبتت حجيته بدليل‏قطعي ما لم يكن هناك مانع يمنع من العمل به، وان الدليل المخصص لعموم الكتاب لايعني مخالفة الكتاب، بل هو قرينة لايضاح المعنى المقصود من الدليل العام((289)).

    وذكر السيد ابو القاسم الخوئي وهو من اعاظم علماء الشيعة الامامية المعاصرين‏وصاحب مدرسة وآراء اصولية ان ما يذهب اليه المشهور هو المختار (جوازتخصيص عموم الكتاب بخبر الاحاد)((290)). 3- السنة تقيد مطلق الكتاب: عرف الفقيه الاصولي الشهيد الصدر الاطلاق والتقييد بقوله: «الاطلاق يقابل التقييد، فان تصورت معنى ولاحظت فيه وصفا خاصا او حالة‏معينة، كان ذلك تقييدا، وان تصورته بدون ان تلحظ معه اي وصف او حالة اخرى كان‏ذلك اطلاقا، فالتقييد اذن هو لحاظ خصوصية زائدة في الطبيعة، والاطلاق عدم لحاظ‏الخصوصية الزائدة‏»((291)).

    وواضح ان المعاني القرآنية كما ورد بعضها مطلقا، ورد بعضها مقيدا.. وكما تقيد الاية‏اطلاق آية اخرى، فان السنة تقيد اطلاق الايات ايضا، كما تخصص عموماتها، والرسول(ص) عندما يخصص ويقيد انما هو مبين لمحتوى الكتاب، ومبلغ عن اللّهتعالى.

    ويبين العلماء المختصون ان خبر الاحاد المستجمع لشرائط الحجية، كما يخصص‏عموم القرآن، فانه يقيد مطلقه ايضا، ولا يغير هذا التقييد مما يخالف الكتاب، بل هومما يوضح المراد منه.

    ذكر ذلك السيد ابو القاسم الخوئي(رحمه‏اللّه) في كتابه البيان:

    «...ان الخبرال#مخصص للكتاب، او المقيد له، حجة في نفسه، ويلزم العمل به الا حين يبتلي‏بالمعارض‏»((292)).

    السنة ونسخ القرآن: قد اتضح لنا مما سبق من البحث معنى النسخ في اللغة والاصطلاح، واتضح ايضا ان القرآن ينسخ بالقرآن. كمابحث العلماء امكانية نسخ القرآن بالسنة، ونريد هنا ان نعرف بهذا الموضوع. وقبل‏الدخول في التعريف نوضح ان الناسخ لكي يكون حجة يجب ان يكون قطعيا، اذ لاحجة فيه ان كان ظنيا، كما يقول العلماء، والاصل كما يجمع الفقهاء من مختلف‏المذاهب، هو عدم النسخ عند الشك في النسخ.

    واختلف علماء الاسلام في جواز نسخ القرآن بالسنة، فذهب بعضهم الى امكان نسخ‏الكتاب بالسنة، وذهب آخرون الى عدم جوازه، وفيما يلي ننقل بعضا من هذه الاراء.

    قال الزركشي: «واختلف في نسخ الكتاب بالسنة‏»، قال ابن عطية: مذاق الامة على‏الجواز، وذلك موجود في قوله(ص):

    «لا وصية لوارث‏» وابى الشافعي ذلك. والحجة‏عليه من قوله في اسقاط الجلد في حد الزنا عن الثيب الذي رجم، فانه لا مسقط لذلك‏الا السنة، فعل النبي(ص).

    قلنا: «اما آية الوصية فقد ذكرنا ان ناسخها القرآن، واما ما نقله عن الشافعي فقد اشتهرذلك لظاهر لفظ ذكره (الرسالة)، وانما مراد الشافعي ان الكتاب والسنة لا يوجدان‏مختلفين الا ومع احدهما مثله ناسخ له، وهذا تعظيم لقدر الوجهين وابانة تعاضدهماوتوافقهما، وكل من تكلم على هذه المسالة لم يفهم مراده...»((293)). وتذهب الشيعة الامامية الى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة او الاجماع القطعي‏الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم(ع) وهذا القسم من النسخ لا اشكال فيه عقلاونقلا((294)).

    وجدير ذكره ان المعصوم المقصود هنا هو الرسول الكريم محمد(ص) فالسنة النبوية‏هي التي لها قوة نسخ القرآن.

    وقد مر بنا قول الفقيه الشهيد الصدر: «ان تغيير احكام الشريعة عن طريق النسخ يكون‏ايضا احد العوامل المستوجبة للتعارض بين الاحاديث والنصوص، ولكن التعارض‏على اساس هذا العامل تنحصر دائرته في النصوص الصادرة عن النبي(ص) ولا تعم‏النصوص الصادرة عن الائمة(ع)، لما ثبت في محله من انتهاء عصر التشريع بانتهاءعصر النبي(ص) وان الاحاديث الصادرة عن الائمة المعصومين(ع) ليست الا بيانالما شرعه النبي(ص) من الاحكام وتفاصيلها»((295)).

    ومما ينبغي ايضاحه هنا هو ان الشيعة الامامية لم يثبت لديهم حكم قرآني منسوخ‏بصورة فعلية بالسنة النبوية. وانما قالوا بامكان نسخ الكتاب بالسنة فقط، ذلك لان مايفعله الرسول(ص) هو بامر اللّه تعالى وصادر عنه سبحانه.


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 8:59 pm



    ملحق


    ملحق منهج المعرفة في القرآن الكريم من قراءة وتحليل المعرفة الانسانية، ونظم التفكير، ومناهج البحث في مجال الطبيعة‏والفكر والمجتمع والعقيدة والشريعة التي افرزها الفكر الاسلامي نستنتج ان منهج‏البحث والتفكير ومصدر المعرفة وادوات الفهم والاستنباط هي المسؤولة بشكل‏اساس مسؤولية علمية عن تعدد الاراء والافكار والمفاهيم في اطار المعرفة الاسلامية‏بالاضافة الى قصور الباحث العلمي، وهوى النفس، وتدخل العامل الذاتي في البحث‏الموضوعي، وتلك العوامل مجتمعة هي المسؤولة عن مستوى نتائج البحث من حيث‏الصحة والاصالة والخصوبة والنضج... الخ.

    ونحن عندما ندرس البنية المنهجية للفكر الاسلامي نجد اثر المنهج، واضحا في كل‏حقل من حقول المعرفة.

    لذا نجد اثر هذا المنتظم المنهجي واضحا في بنية المعرفة وصياغة شخصيتها، وتقريرنتائج العمل العقلي فيها. فما من مدرسة فكرية الا وانطلقت من تحديد مصادرالمعرفة اولا، ومن تثبيت اساس للتفكير، ومنهج متميز في البحث وتقرير النتائج ثانيا،وبذلك يتحدد عمقها وتتشخص اصالتها وانتماؤها.

    ومن الواضح تاريخيا ان الفكر الاسلامي قد تفاعل مع افكار الشعوب والامم الاخرى‏من خلال الاختلاط والفتوحات والترجمة، فتفاعل مع الفكر اليوناني والفارسي‏والهندي والصيني واليهودي والمسيحي المحرفين، فافرز هذا التفاعل نتائج انحرافية‏بالاضافة الى محاولات التحريف الداخلية التي نشات في داخل المجتمع الاسلامي‏واثر ذلك كله في طريقة التفكير والمناهج المتعددة لدى كثير من اصحاب النظريات‏والفلسفات والاتجاهات الفكرية في المجتمع الاسلامي، لاسيما اصحاب المناهج‏الفلسفية والكلامية والسلوكية.

    وكما اثر الفكر الاجنبي الوافد اثره في الاتجاه المنهجي، اثر القصور العلمي وضيق‏الافق الفكري في افراز مناهج وطرق تفكير عقيمة، وغير منتجة احيانا. وقاصرة عن‏فهم الرسالة، وتطوير الفكر والبحث العلمي، وتنمية العلم والمعرفة في مجال‏الطبيعة، والمجتمع، والشريعة، ونظم التفكير احيانا اخرى.

    وفي خضم هذا الصراع المنهجي، ونظم التفكير، كانت مدرسة ائمة اهل البيت(ع) تواصل جهادها الفكري والسياسي لتثبيت معالم منهج البحث والتفكير، والفهم‏الاسلامي، للنص والمحتوى، وطريقة الحياة، كما تلقاه ائمة اهل البيت(ع) من كتاب‏اللّه، وسنة نبيه الكريم(ص)، فاكتسب هذا المنهج تاصيلا قرآنيا، وميزة علمية واقعية،فكان منهجا يحترم العقل، ويلتزم بقواعد الشرع، ويسعى لتطوير الحياة العلمية‏بشقيها المادي والانساني.

    المصادر الاولى للمعرفة الانسانية:

    ومن دراسة وتحليل المعرفة البشرية المعقدة بنظرياتها وقوانينها ومسلماتها، نجدالفكر الاسلامي يرجعها الى مسلمات اساسية قد حصل عليها الفكر الانساني من‏مصادر اساسية للمعرفة فشكلت تلك الاسس والمسلمات بنية العقل والتفكيرالمسلم، واعطته ميزته وصفته الخاصة به.

    والذي سنعرضه هنا هو رؤية مدرسة اهل البيت(ع) للمعرفة الانسانية، مستفادة من‏المنهج القرآني، والذي اختلفت فيه مع مدرسة الاشاعرة التي تبنت معظم المذاهب‏الفقهية الاسلامية الاخرى آراءها في مجال الفكر والعقيدة، والمسلمات الكبرى في‏صياغة العقل المسلم، والتفكير الاسلامي.

    وقد بنى الفهم الامامي نظريته في المعرفة على اساس واقعي متسق مع منطق القرآن،فاعطت هذه النظرية العقل دوره الفاعل، كما اعطت المسلمات الواقعية في عالم‏الوجود قيمتها، واثرها في تفسير حوادث الطبيعة، والنفس، والمجتمع، والتاريخ.

    فقد بنى هذا الفكر النظرية الاسلامية في المعرفة على اساس تشخيصه لمصادرالمعرفة الاساسية للادراك البشري الذي انتهى الى الايمان بان الحس هو مصدرالمعرفة الاولى، وان المعلومات الحسية الوافدة على العقل البشري من العالم المحيط‏به عن طريق الحواس يتناولها العقل فيدركها، ويستنتج منها، ويبني عليها.

    ولنقرا افكار العلا مة الحلي، وهو يثبت اصول المعرفة الانسانية التي ارجعها الى‏المعلومات الحسية، قال(رحمه‏اللّه): «اعلم ان اللّه خلق النفس الانسانية في مبدافطرتها خالية من جميع العلوم بالضرورة، قابلة لها بالضرورة((296))، وذلك مشاهدفي حال الاطفال. ثم ان اللّه تعالى خلق للنفس آلات بها يحصل الادراك، وهي القوى‏الحساسة، فيحس الطفل في اول ولادته بحس ولمس مايدركه من المعلومات، ويميزبواسطة الادراك البصري، على سبيل التدريج بين ابويه وغيرهما وكذلك يتدرج في‏الطعوم وباقي المحسوسات الى ادراك مايتعلق بتلك الالات، ثم يزداد تفطنه فيدرك‏بواسطة احساسه بالامور الجزئية، الامور الكلية المشاركة والمباينة، ويعقل الامورالكلية الضرورية بواسطة ادراك المحسوسات الجزئية، ثم اذا استكمل الاستدلال‏وتفطن بمواضع الجدال، ادرك بواسطة العلوم الضرورية، العلوم الكسبية.

    فقد ظهر من هذا ان العلوم الكسبية فرع على العلوم الضرورية الكلية، والعلوم‏الضرورية الكلية فرع على المحسوسات الجزئية، فالمحسوسات اذن هي اصول‏الاعتقادات، ولا يصح الفرع الا بعد صحة اصله، فالطعن في الاصل طعن في‏الفرع...»((297)).

    ويتحدث الشهيد الصدر عن هذه النظرية بشي‏ء من الايضاح والتفصيل فيقول متحدثاعن نظرية الفلاسفة الاسلاميين (نظرية الانتزاع):

    «وتتلخص هذه النظرية في تقسيم التصورات الذهنية الى قسمين هما: تصورات‏اولية، وتصورات ثانوية، فالتصورات الاولية هي الاساس التصوري للذهن البشري،وتتولد هذه التصورات من الاحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة، فنحن نتصورالحرارة لاننا ندركها باللمس، ونتصور اللون لاننا ادركناه بالبصر، ونتصور الحلاوة‏لاننا ادركناها بالذوق، ونتصور الرائحة لاننا ادركناها بالشم.

    وهكذا جميع المعاني التي ندركها بحواسنا، فان الاحساس بكل واحد منها هو السبب‏في تصوره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري، وتتشكل من هذه المعاني القاعدة الاولية للتصور، وينشي الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية، فيبدا بذلك‏دور الابتكار والانشاء.

    وهو الذي نصطلح عليه بلفظ (الانتزاع) فيولد في الذهن مفاهيم جديدة من تلك‏المعاني الاولية.

    وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحس، وان كانت مستنبطة ومستخرجة من‏المعاني التي يقدمها الحس الى الذهن والفكر.

    وهذه النظرية تتسق مع البرهان والتجربة، ويمكنها ان تفسر جميع المفردات‏التصورية تفسيرا متماسكا، فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع ان نفهم كيف انبثقت‏مفاهيم العلة والمعلول والجوهر والعرض والوجود والوحدة في الذهن البشري، انهامفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء المعاني المحسوسة، فنحن نحس مثلابغليان الماء حين تبلغ درجة حرارته ماة، وقد يتكرر احساسنا بهاتين الظاهرتين‏ظاهرة الغليان والحرارة آلاف المرات، ولا نحس بعلية الحرارة للغليان مطلقا. وانماالذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلية من الظاهرتين اللتين يقدمها الحس الى مجال‏التصور»((298)).

    وهكذا تنتهي هذه النظرية الى ان هناك:

    1- معارف اولية (حسية).

    2- معارف عقلية انتزاعية((299)).

    واذا كان هذا تحليل ودراسة الفكر الاسلامي وفق الفهم العقلي والفلسفي، فلنبحث‏عن اصوله القرآنية، وجذوره في معارف الوحي، لنعرف الاصالة والمنهجية القرآنية في هذه النظرية.

    واذا شئنا تاصيل النظرية فسنجد انها اسست، واستمدت مقوماتها من‏الاية الكريمة:

    (واللّه اخرجكم من بطون امهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة‏لعلكم تشكرون)((300)) فهذه الاية هي الاساس العلمي لهذه النظرية، والمؤيدة للمصادر الحسية للمعرفة‏ولاكتشاف العقل وتشخيصه للاسس الاولى للمعرفة البشرية.

    واذن فلنقرا تفاسير هذه الاية كما بينها اساطين الفكر الامامي.

    قال الشيخ الطوسي مفسرا هذه الاية: «تفضل عليكم بالحواس الصحيحة التي هي‏طرق العلم بالمدركات. وجعل لكم قلوبا تفقهون بها، لانها محل المعارف‏»((301)).

    وفسر الشيخ محمد رضا القمي المشهدي، وهو من علماء القرن الثاني عشر الهجري‏هذه الاية بقوله: «...اداة تتعلمون فتحسون بمشاعركم جزئيات الاشياء فتدركونها، ثم‏تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرير الاحساس حتى تتحصل لكم‏العلوم البديهية، وتتمكنوا من تحصيل المعارف الكسبية بالنظر فيها»((302)).

    اما المفسر الفيلسوف العلا مة الطباطبائي فيقول في تفسير هذه الاية: «والاية تؤيدماذهب اليه علماء النفس من ان لوح النفس خالية عن المعلومات اول تكونها، ثم‏تنتقش فيها شيئا فشيئا كما قيل وهذا في غير علم النفس بذاتها... ثم قال:

    وقولهSadوجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون...) اشارة الى مبادئ العلم‏الذي انعم بها على الانسان، فمبدا التصور هو الحس. والعمدة فيه السمع والبصر، وان‏كان هناك غيرهما من اللمس والذوق والشم، ومبدا الفكر هو الفؤاد((303))»((304)).

    وهكذا تتضح اسس نظرية المعرفة في الفكر الاسلامي كما فهمتها مدرسة اهل‏البيت(ع) بانها نظرية مرتكزة على اساس قرآني.

    فقد آمنت هذه المدرسة كما صورها العلا مة الحلي والشهيد الصدر وجمع من‏المفسرين باصالة المعرفة الحسية لياتي دور العقل فينتزع من المعلومات الجزئية‏الحسية، المعارف الضرورية الكلية التي تسلك كاساس للبحث والتفكير في العلوم‏التحصيلية كلها، وبمختلف مباحثها وموضوعاتها.

    وبذا اكتسب منهج البحث الاسلامي قيمته الواقعية والعلمية.

    واذا كان المرتكز الاول من مرتكزات نظرية المعرفة هو ان المعارف الحسية هي اصل‏المعرفة، وان العقل البشري ينتزع منها المعارف الاخرى، كمبدا العلية الناتج عن‏عملية الاستقراء في هذا العالم بما يزخر به من الوان الموجودات، فان المرتكز الثاني‏من مرتكزات نظرية المعرفة التي آمنت بها مدرسة اهل البيت(ع) واصلتها على‏اساس المنهج القرآني هو الايمان بمبدا العلية (العلة الفاعلة والعلة الغائية) في هذاالوجود باسره، فقد آمنت مدرسة اهل البيت بان العالم الطبيعي والفكري والاجتماعي‏كله خاضع لقانون السبب والنتيجة، او مبدا العلية.

    كما ان الوجود باسره قائم على‏اساس مبدا العلة والمعلول.

    وان هذا المبدا كما يساهم في تشكيل عقل علمي، فانه يقود العقل ايضا الى البحث عن‏علل الوجود، وقانون الفكر والطبيعة والمجتمع، ويضفي على البحث والتفكير الصفة‏العلمية والواقعية.

    ولا تخفى على المفكر والباحث العلمي قيمة هذه النظرية ونتائجها التطبيقية في‏اكتشاف قوانين الطبيعة، والربط بين التفكير والمعرفة. والايمان بقوانين علمية تسيرحركة التاريخ والمجتمع، وتنظم السلوك وعلاقات الانسان.

    ولنقرا ايضاح الشهيد الصدر لمبدا العلية في عالم الفكر والطبيعة والمجتمع، فقدكتب(رحمه‏اللّه) يقول: «ان من اوليات مايدركه البشر في حياته الاعتيادية مبدا العلية‏القائل ان لكل شي‏ء سببا، وهو من المبادئ العقلية الضرورية...»((305)).

    ثم يسترسل في شرح هذه النظرية فيوضح عددا من المرتكزات والاستنتاجات‏المرتبطة بمبدا العلية التي تسلك كاساس للعلم والمعرفة البشرية بشتى فروعهافيقول: ((من الضروري ان نشير الى عدة قوانين من المجموعة الفلسفية للعلية التي‏يرتكز عليها العلم، وهي كما يلي:

    1- مبدا العلية القائل: ان لكل حادثة سببا.

    2- قانون الحتمية القائل: ان كل سبب يولد النتيجة الطبيعية بصورة ضرورية، ولايمكن للنتائج ان تنفصل عن اسبابها.

    3- قانون التناسب بين الاسباب والنتائج القائل: ان كل مجموعة متفقة في حقيقتها، من‏مجاميع الطبيعة يلزم ان تتفق ايضا في الاسباب والنتائج‏»((306)).

    ثم يوضح قيمة مبدا العلية العلمي فيقول: «مبدا العلية هو الركيزة التي عليها جميع‏محاولات الاستدلال، في كل مجالات التفكير الانساني، لان الاستدلال على شي‏ء من‏الاشياء، يعني ان الدليل اذا كان صحيحا، فهو سبب للعلم بالشي‏ء المستدل عليه، فحين‏نبرهن على حقيقة من الحقائق بتجربة علمية، او بقانون فلسفي، او باحساس بسيط،انما نحاول بذلك ان يكون البرهان علة للعلم بتلك الحقيقة، فلولا مبدا العلية‏والحتمية، لما اءتيح لنا ذلك...»((307)) وجدير ذكره ان المذهب الاشعري قد انكر مبدا العلية والسببية في هذا الوجود مسلمابعلة واحدة، وهي اللّه سبحانه. وفسر ظاهرة العلاقة والترابط بين حدوث الاشياءبالعادة ورفض الايمان بمبدا التوالد العلي، ظنا منه ان هذا الايمان يخالف عقيدة‏التوحيد، في حين تذهب مدرسة اهل البيت(ع) الى ان الايمان بمبدا تعدد الاسباب‏والعلل وتسلسلها دليل آخر على توحيد اللّه وتجلي عظمته، ورجوع الاسباب والعلل‏الى مشيئته وقدرته.

    والقرآن الكريم قد ثبت مبدا العلية او السبب والنتيجة كلما تحدث عن الفكر والطبيعة‏والمجتمع، بل وعرضها كوحدة سببية يرتبط بعضها ببعض، ويؤثر بعضها في البعض‏الاخر.

    العلية والتفكير:

    ففى مجال الفكر تحدث القرآن عن ان التفكير سبب مباشر للمعرفة، وعلة لها. واوضح‏ان العلاقة بين التفكير والمعرفة هي علاقة السبب بالنتيجة.

    فقد خاطب العقل والفكر البشري ودعاه الى ان يستقرئ عوالم الطبيعة والحياة‏ليكتشف من خلالها وجود الخالق وعظمة قدرته. كما وجه العقول الى التفكر في‏تجارب الامم السابقة ليكتشف العلاقة بين سقوطها واندثار حضارتها وبين الكفروالجريمة والانحراف.

    فعلى الصعيد الاول نقرا علية التفكير للعلم والمعرفة، قال تعالى: (ان في خلق‏السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب‏# الذين يذكرون اللّه قياماوقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ماخلقت هذا باطلاسبحانك فقنا عذاب النار)((308)).

    وقال تعالى: (اللّه يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى‏عليها الموت ويرسل الاخرى الى اجل مسمى ان في ذلك لايات لقوم‏يتفكرون)((309)).

    وهكذا يوضح القرآن ان التفكير علة وسبب لانتاج المعرفة، فالتفكير في عالم الطبيعة‏والانسان (استقراء مظاهر الوجود) يولد الايمان بوجود الخالق، لذا نجد الرسول‏الكريم(ع) يؤكذ هذه الحقيقة حين قال بعد نزول قوله تعالى: (ان في خلق السماوات‏والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب...).

    قال: «ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها» اي لم يكن من اولي الالباب الذين‏يستنتجون وجود اللّه من التفكر في خلقه‏».

    وان هذه المعادلة التفكيرية كما هي واضحة تجري على اساس الاختلاف بين موضوع‏المقدمة وموضوع النتيجة (الاختلاف بين جنس العلة وجنس المعلول).

    فالمقدمة هي مايتوفر من معلومات حسية استقرائية عن هذا الوجود لدى الانسان‏والنتيجة هي اكتشاف وجود خالق لهذا العالم.

    وهذه المرحلة من التفكير هي المرحلة التي عبر عنها الشهيد السعيد المفكر الاسلامي‏الكبير السيد محمد باقر الصدر بمرحلة التوالد الذاتي.

    في حين نقرا في كتاب اللّه قدرة التفكير البشري على توليد نتائج علمية جديدة من‏خلال حركته بين المعلوم والمجهول، وقدرته على استنباطها وهي المرحلة التي اطلق‏عليها الشهيد الصدر اسم مرحلة التوالد الموضوعي للفكر. او المرحلة الاستنباطية من‏الدليل الاستقرائي.

    وقد اوضح المتكلمون الامامية قدرة التفكير على انتاج المعرفة، وان العلاقة بين‏التفكير والعلم هي علاقة السبب والنتيجة:

    نذكر من هذه الاراء مااورده ابو اسحاق ابراهيم النوبختي صاحب كتاب (الياقوت)الكلامي الشهير.

    قال: «والنظر يولد العلم كسائر الاسباب المولدة لمسبباتها».

    ثم علق العلا مة الحلي على هذه الراي قائلا: اقول: اختلف الناس في ذلك، فقالت‏المعتزلة: النظر الصحيح يولد العلم.

    وقال الاشاعرة: ان العلم يحصل عقيبه لمجرد العادة من فعل اللّه تعالى كالعاديات.

    وقال ابو بكر الباقلاني، وامام الحرمين الجويني : «ان العلم مايلزم النظر لزوما واجبا،وان لم يتولد عنه‏»((310)).

    وهكذا نجد المدرسة الامامية قد اختلفت مع المدرسة الاشعرية في علية التفكيرللعلم، واسندت نظريتها الى اصول قرآنية.

    قانون العلية وتفسير التاريخ والمجتمع:

    وكما طبقت مدرسة اهل البيت مبدا قانون العلية على عالم الفكر والمعرفة طبقته‏كذلك في مجال حركة التاريخ والمجتمع فمنت بقانون العلية التاريخية والسنن‏الاجتماعية والاسباب في عالم المجتمع، السياسي والاقتصادي والتحول الاجتماعي‏والسلوك الشخصي.

    ولنقرا قانون العلية والسببية كما اوضحه القرآن وفهمته هذه المدرسة.

    قال تعالى: (وان كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها واذا لايلبثون خلافك الا قليلا # سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا)((311)).

    وقال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة‏المكذبين)((312)).

    وقال تعالى: (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لايجدون وليا ولا نصيرا سنة اللّهالتي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة اللّه تبديلا)((313)). وقال تعالى: (ذلك بان اللّه لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروامابانفسهم).

    وهكذا يتحدث القرآن عن القانون التاريخي والاجتماعي او السببية الاجتماعية‏والتاريخية، فيربط بين الكفر باللّه وجرائم الانسان وانهيار الامم والحضارات‏والازمات الاقتصادية والسياسية والاوضاع النفسية... الخ.

    فالقرآن يعرضها وحدة قانونية مترابطة.

    وللتعرف على ذلك نقرا بيان الشهيد الصدر(رحمه‏اللّه) وتفسيره لقانون العلية‏التاريخية كما اوضحه القرآن الكريم بعد ان استعرض عددا من الايات المتحدثة عن‏هذا القانون قال:

    (من مجموع هذه الايات الكريمة يتبلور المفهوم القرآني الذي‏اوضحناه، وهو تاكيد القرآن على ان الساحة التاريخية لها سنن، ولها ضوابط، كما يكون‏هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الاخرى، وهذا المفهوم القرآني يعتبر فتحاعظيما للقرآن الكريم.. لاننا في حدود مانعلم القرآن اول كتاب عرفه الانسان اكد على‏هذا المفهوم، وكشف عنه، واصر عليه، وقاوم بكل مالديه من وسائل الاقناع والتفهيم،قاوم النظرة العفوية او النظرة الغبيية الاستسلامية بتفسير الاحداث.

    الانسان الاعتيادي كان يفسر احداث التاريخ بوصفها كومة متراكمة من الاحداث،يفسرها على اساس الصدفة تارة، وعلى اساس القضاء والقدر والاستسلام لامر اللّهسبحانه وتعالى.

    القرآن قاوم هذه النظرية العفوية، وقاوم هذه النظرة الاستسلامية، ونبه العقل البشري‏الى ان هذه الساحة لها سنن، ولها قوانين، لكي تستطيع ان تتحكم فيها والا تحكمت‏هي فيك وانت مغمض العينين افتح عينك على هذه القوانين، افتح عينيك على هذه‏السنن لكي تكون انت المتحكم لا لكي تكون هذه السنن هي المتحكمة‏فيك‏»((314)).

    من ذلك كله فهم العقل الاسلامي قانون العلية في مجاليه الاجتماعي والتاريخي من‏منهج القرآن الكريم، وفقا للاتجاه المدرسي القائم على اساس الايمان بقانون العلية‏في الطبيعة والفكر والمجتمع الذي قالت به مدرسة ائمة اهل البيت(ع).

    والايمان بقانون العلية الذي ثبته القرآن الكريم لايعني انفصال الوجود عن خالقه، بل‏على العكس تماما، انما تعمل الانظمة القانونية والحركة السببية في العالم وفق ما اودع‏اللّه فيها من قانون ونظام يتصف بالعدل والحكمة والمصلحة للخلق.

    وجريا على هذا القانون فالانسان يشكل علة فاعلة لسلوكه وفعله الفردي‏والاجتماعي، لذا كان مسؤولا عنه ومجازا عليه.

    ولقد طبق علماء العقيدة قانون السببية في الحياة الاقتصادية.

    ولناخذ لذلك مثلا تطبيقهم لهذا القانون على مستوى الاسعار في السوق التجارية،فذهبوا الى ان قانون العرض والطلب ، والرغبة في الشي‏ء، وتدخل السلطة، والظروف‏والاوضاع الطبيعية، كلها عوامل تؤثر في مستوى الاسعار.

    قال الشيخ الصدوق محللا قانون الاسعار في السوق: (الغلاء هو الزيادة في‏اسعار((315)) الاشياء حتى يباع الشي‏ء باكثر مما كان يباع في ذلك الموضع، والرخص‏هو النقصان في ذلك، فما كان من الرخص والغلاء عن سعة الاشياء وقلتها فان ذلك من‏اللّه عزوجل ويجب الرضا بذلك والتسليم له...)((316)).

    وهكذا يوضح الشيخ الصدوق قانون العرض والطلب وتاثيره على الاسعار كقانون‏علمي ثابت من فعل اللّه تعالى كقانون الطب والفيزياء، رغم قدرة الانسان على رفع‏الاسعار وخفضها.

    واوضح العلا مة الحلي قانون السببية ودوره في تحديد السعر (الرخص والغلاء) في‏السوق التجارية بسبب التدخل الانساني فقال:

    «وقد يحصلان من قبلنا بان يحمل السلطان الناس على بيع تلك السلعة بسعر غال‏ظلما منه، او لاحتكار الناس، او لمنع الطريق خوف الظلمة، او لغير ذلك من الاسباب‏المستندة الينا، فيحصل الغلاء، وقد يحمل السلطان الناس على بيع السلعة برخص‏ظلما منه، او يحملهم على بيع ما في ايديهم من جنس ذلك المتاع فيحصل‏رخص‏»((317)).

    وهكذا يفسر الفكر الاسلامي مستوى الاسعار في السوق بقانون العرض والطلب،وبتدخل الانسان، فيقنن ماورد في الروايات من ان اللّه هو المسعر، ويوضح دورالانسان السببي في تحديد مستوى السعر في السوق التجارية، انطلاقا من المنهج‏القرآني الذي عرض الوجود باءسره ضمن قانون العلية والسببية. وهكذا نفهم المنهجية العلمية في الفكر الاسلامي، وتاصيله لنظرية المعرفة وتعميم‏تطبيقها في مجالات الفكر والنفس والطبيعة والمجتمع وفي ما وراء الطبيعة.. وذلك مايكشف الاصالة العلمية في آن واحد، كما يكشف البنية المنهجية المتماسكة في نظرية‏المعرفة واثرها في عقيدة الانسان وسلوكه.

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11286
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: القرآن الكريم في مدرسة اهل البيت

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في الأربعاء نوفمبر 14, 2012 9:03 pm



    الخاتمة


    من خلال ما تيسر لنا عرضه، والتعريف به من قضايا تتعلق بالوحي، وبجمع القرآن‏وصيانته، وفهمه وتفسيره، وما استعرضناه من آراء العلماء، ان حفظ القرآن وتفسيره‏وتاويله قضية من اهم قضايا الفكر الاسلامي، فلها الاثر الكبير في فهم المحتوى‏القرآني والاستنباط منه، كما لها الاثر الكبير في عقيدة الانسان المسلم وايمانه بما جاء في هذا الكتاب الالهي المقدس، وبناء مجتمع المسلمين، واشادة حضارتهم..

    فالفهم‏السليم الكاشف كشفا علميا عن المراد الالهي المستودع في هذا النص مسؤولية‏شرعية وامانة علمية.. وانطلاقا من هذه الخصيصة اهتم المسلمون بتفسير القرآن،وتاليف العلوم والمعارف القرآنية، كعلم القراءة والتفسير والتاويل، ثم كان تاسيس‏منهج اصول الفقه بلورة علمية، ونظرية متكاملة لتنظيم الفهم القرآني.

    فقد بحث العلماء الوضع اللغوي، وتركيب الجمل، والامر والنهي، والعموم‏والخصوص، والاطلاق والتقييد، والمجمل والمبين، والمؤول والصريح، والمحكم‏والمتشابه، والسياق والقرائن، والنسخ، وحجية الظاهر، ودور العقل والاجماع وعلاقة‏السنة بالكتاب... الخ، ودرسوا كل هذه الابحاث وغيرها بحثا علميا وتحليليا لفهم‏النص القرآني، واكتشاف محتواه..

    منطلقين في تاسيس هذه الدراسات من احكام‏العقل واللغة، وادلة القرآن والسنة، والعرف المقر من السنة، ليكون منهج فهم القرآن‏منهجا علميا، وبنية تفكرية متكاملة، وقائمة على اسس سليمة. كما حددت المرجعية‏في فهم القرآن، ومنهج تفسيره، وفهمه وتاويله، على ضوء الكتاب والسنة.

    كل ذلك ليكون التعامل مع القرآن تعاملا علميا لا تتلاعب به الاهواء والذاتية، ومحاولات التفسير العابثة.

    جدير بالذكر اننا نواجه الان محاولات من كتاب علمانيين او مشوشي الفهم والمنهج‏يتجهون الى محاولة ارباك الثقافة الاسلامية والفهم القرآني من خلال محاولات التقدم‏بطريقة لفهم القرآن غريبة عن المنهج العلمي، ولا تقود الا الى العبث بمفاهيمه. وقداصدروا كثيرا من الكتب والابحاث لدراسة النص، وتعرضوا للدراسات الاصولية‏وعلوم القرآن المتصلة بفهم النص تفسيرا وتاويلا.. كما يتوجه الرد والنقد لهذه‏المحاولات التي تدعو الى تغيير منهج فهم القرآن الذي اسسه العلماء لضبط عملية‏الفهم والتفسير، كذلك يتوجه النقد الى الفهم الشكلي والتوقفي وتجميد المحتوى‏القرآني بفرض العقلية المتوقفة عن الفهم، ومثلها محاولة فرض الذاتية على‏الموضوعية القرآنية او فرض ثقافة المفسر ومسلماته الفكرية الغريبة عن روح القرآن‏على النص القرآني. ومحاولة تطويع النص لما يريده المفسر.. ان كل تلك المحاولات‏تشكل خطرا على الفهم القرآني، كما يشكل الكثير من التراث التفسيري والروايات‏الضعيفة والمدسوسة خطرا آخر على شروع فهم القرآن وتفسيره تفسيرا حقا، وهوالتفسير المعبر عن مراد اللّه تعالى من كتابه، والكاشف عن الخزين المستودع في‏نصوصه وروحه العامة.

    ان من المسؤوليات الاساسية للعلماء والمفكرين الاسلاميين هو توفير فهم قرآني‏سليم والوقوف امام محاولات التحريف، او تحويل القرآن الى شاهد مؤيد لما يريده‏اصحاب الاراء والافكار الخارجة عن مراد القرآن..

    وكم هو عظيم قول الامام السجاد، علي بن الحسين بن علي بن ابي‏طالب(ع) الذي‏رواه الزهري:

    «آيات القرآن خزائن، فكلما فتحت خزينة ينبغي لك ان تنظر ما فيها » .

    ان كل عصر وجيل ياخذ حاجته من القرآن، فهو لم يات لجيل ولا لعصر، لذا فان‏المطلوب منا هو القراءة الواعية والعصرية لهذا القرآن، وفق منهج فهم القرآن، لاغناءالجيل المعاصر، ومعالجة مشاكل الانسان وقضاياه على ضوء الهدي القرآني الخالد،فان في القرآن خزينا فكريا لاينضب، ومحتوى تشريعيا واخلاقيا رائدا لكل جيل‏وعصر. فليست المشكلة الفكرية التي يعاني منها الجيل المعاصر هي في القرآن، انماالمشكلة في فهم القرآن وفي مضامينه.


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أكتوبر 20, 2018 11:31 pm