منتديات أطياب العراق

اهلا وسهلا بكم في منتدياتكم منتديات أطياب العراق

منتديات أطياب العراق اسلاميه اجتماعيه ثقافيه سياسيه رياضيه ترفيهيه والمزيد...........

  اعلان هام جدا     " ان منتديات أطياب العراق بحاجه الى اعضاء ومشرفين فمن يجد في نفسه القدره على ذلك ماعليه سوى التسجيل في المنتدى ثم كتابه شيء بسيط من سيرته الذاتيه في قسم الشكاوي والاقتراحات وان واجه اي مشكله في التسجيل يمكنه طرح مايريد في منتدى الزوار والذي يقع داخل قسم الشكاوي والاقتراحات (علما ان الترشيح لكلا الجنسين). "       الاداره

    كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب السادس في قصص إبراهيم (عليه السلام) و فيه فصول)

    شاطر
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب السادس في قصص إبراهيم (عليه السلام) و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 7:14 am



    الباب السادس
    في قصص إبراهيم (عليه السلام)
    الفصل الأول


    في علة تسميته و فضائله و سننه و نقش خاتمه على نبينا و آله و عليه السلام
    قد ذكر الله سبحانه قصته و بين أحواله في كثير من الآيات و السور لأنه أبو الأنبياء و ثاني أولي العزم و خليل الرحمن و كانت الأنبياء ينسبون إلى دينه .

    و لذا قال (عليه السلام) : ما على دين إبراهيم غيرنا و غير شيعتنا .

    قال الله سبحانه ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ .

    علل الشرائع مسندا إلى الرضا (عليه السلام) قال : إنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه لم يرد أحدا قط و لم يسأل أحدا غير الله عز و جل .

    و عن علي (عليه السلام) قال : كان إبراهيم أول من أضاف الضيف و أول من شاب فقال ما هذا فقيل وقار في الدنيا و نور في الآخرة .

    و قال الصدوق رحمه الله سمعت بعض المشايخ من أهل العلم يقول إنه سمي

    [96]
    إبراهيم إبراهيم لأنه هم فبر و قيل إنه هم بالآخرة فبرئ من الدنيا.

    و سئل عن أبي عبد الله (عليه السلام) لم اتخذ الله إبراهيم خليلا قال : لكثرة سجوده على الأرض .

    و عن محمد بن العسكري (عليه السلام) قال : إنما اتخذ الله عز و جل إبراهيم خليلا لكثرة صلواته على محمد و آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

    و عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما اتخذ الله إبراهيم خليلا إلا لإطعامه الطعام و صلواته بالليل و الناس نيام .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : لما اتخذ الله إبراهيم خليلا أتاه ملك الموت ببشارة الخلة في صورة شاب أبيض فدخل إبراهيم الدار فاستقبله خارجا من الدار و كان إبراهيم رجلا غيورا و كان إذا خرج في حاجة أغلق بابه و أخذ مفتاحه فقال يا عبد الله ما أدخلك داري فقال ربها أدخلنيها فقال إبراهيم ربها أحق بها مني فمن أنت قال ملك الموت ففزع إبراهيم فقال جئتني لتسلبني روحي فقال لا و لكن اتخذ الله عز و جل خليلا فجئت ببشارته فقال إبراهيم فمن هذا لعلي أخدمه حتى أموت قال أنت هو فدخل على سارة فقال إن الله اتخذني خليلا .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما جاء المرسلون إلى إبراهيم (عليه السلام) جاءهم بالعجل فقال كلوا فقالوا لا نأكل حتى تخبرنا مأمنه فقال إذا أكلتم فقولوا بسم الله و إذا فرغتم فقولوا الحمد لله فالتفت جبرئيل (عليه السلام) إلى أصحابه و كانوا أربعة فقال حق الله أن يتخذ هذا خليلا و لما ألقي في النار تلقاه جبرئيل في الهواء و هو يهوي فقال يا إبراهيم أ لك حاجة فقال أما إليك فلا .

    تفسير علي بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أن إبراهيم (عليه السلام) أول من حول له الرمل دقيقا و ذلك أنه قصد صديقا له بمصر في قرص طعام فلم يجده في منزله فكره أن يرجع بالجمل خاليا فملأ جرابه رملا فلما دخل منزله خلى بين الجمل و بين سارة استحياء منها و دخل البيت و نام ففتحت سارة عن دقيق أجود ما يكون فخبزت و قدمت إليه طعاما طيبا فقال إبراهيم من أين لك هذا فقالت من الدقيق الذي حملته من خليلك المصري فقال أما أنه من خليلي و ليس بمصري فلذلك أعطي الخلة فشكر الله و حمده و أكل .

    أقول : هذه أسباب لكونه (عليه السلام) خليلا و لا تكون الخلة إلا مع اجتماع تلك الخصال كلها .


    [97]
    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إذا كان يوم القيامة دعي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكسى حلة وردية ثم يقام عن يمين العرش ثم يدعى بإبراهيم (عليه السلام) فيكسى حلة بيضاء فيقام عن يسار العرش ثم يدعى بعلي (عليه السلام) فيكسى حلة وردية فيقام عن يمين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يدعى بإسماعيل فيكسى حلة بيضاء فيقام عن يسار إبراهيم (عليه السلام) ثم يدعى بالحسن (عليه السلام) فيكسى حلة وردية فيقام عن يمين أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم يدعى بالحسين فيكسى حلة وردية فيقام عن يمين الحسن (عليه السلام) ثم يدعى بالأئمة (عليه السلام) فيكسون حللا وردية فيقام كل واحد عن يمين صاحبه ثم يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم ثم يدعى بفاطمة (عليه السلام) و نسائها من ذريتها و شيعتها فيدخلون الجنة بغير حساب ثم ينادي مناد من بطنان العرش من قبل رب العزة فنعم الأب أبوك يا محمد و هو إبراهيم و نعم الأخ أخوك و هو علي بن أبي طالب و نعم السبطان سبطاك و هما الحسن و الحسين و نعم الجنين جنينك و هو محسن و نعم الأئمة الراشدون ذريتك و هم فلان و فلان و نعم الشيعة شيعتك ثم يؤمر بهم إلى الجنة .

    و عن علي (عليه السلام) قال : كان الرجل يموت و قد بلغ الهرم و لا يشيب فكان الرجل يأتي النادي فيه الرجل و بنوه فلا يعرف الأب من الابن فيقول أيكم أبوكم فلما كان زمن إبراهيم (عليه السلام) قال اللهم اجعل لي شيئا أعرف به فشاب و ابيض رأسه و لحيته.

    قصص الأنبياء للراوندي من علماء الإمامية قال كان في عهد إبراهيم (عليه السلام) رجل يقال له ماريا بن آوي قد أتت عليه ستمائة و ستون سنة و كان يكون في غيضته له بينه و بين الناس خليج من ماء غمر و كان يخرج إلى الناس في كل ثلاث سنين فيقيم في الصحراء في محراب يصلي فيه فخرج ذات يوم فإذا هو بغنم كان عليها الدهن فأعجب بها و فيها شاب كان وجهه شقة قمر طالع فقال يا فتى لمن هذه الغنم قال لإبراهيم خليل الرحمن قال فمن أنت قال أنا ابنه إسحاق فقال ماريا في نفسه اللهم أرني عبدك و خليلك حتى أراه قبل الموت ثم رجع إلى مكانه و رفع إسحاق خبره إلى أبيه فكان إبراهيم يتعاهد ذلك المكان و يصلي فيه فسأله إبراهيم عن اسمه و ما أتى عليه من السنين فخبره فقال أين تسكن قال في غيضة قال إبراهيم إني أحب أن آتي موضعك فأنظر إليه و كيف عيشك فيها فقال إني أيبس من الثمار الرطب

    [98]
    ما يكفيني إلى قابل لا تقدر أن تصل إلى ذلك الموضع فإنه خليج و ماء غمر فقال له إبراهيم فما لك معبر قال لا قال كيف تعبر قال أمشي على الماء قال إبراهيم لعل الذي سخر لك الماء يسخره لي للعبور فانطلقا و بدأ ماريا فوضع رجله على الماء و قال بسم الله و قال إبراهيم بسم الله فالتفت ماريا و إذا إبراهيم يمشي كما يمشي هو فتعجب من ذلك فدخل الغيضة و أقام معه إبراهيم (عليه السلام) ثلاثة أيام لا يعلمه من هو ثم قال له ماريا ما أحسن موضعك هل لك أن تدعو الله أن يجمع بيننا في هذا الموضع فقال ما كنت لأفعل قال و لم قال لأني دعوته بدعوة منذ ثلاث سنين فلم يجبني فيها قال و ما الذي دعوته فقص عليه خبر الغنم و إسحاق فقال إبراهيم قد استجاب لك أنا إبراهيم فقام و عانقه فكانت أول معانقة .

    نوادر الراوندي بإسناده عن الكاظم (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أول من قاتل في سبيل الله إبراهيم الخليل (عليه السلام) حيث أسرت الروم لوطا (عليه السلام) فنفر إبراهيم (عليه السلام) و استنقذه من أيديهم و أول من اختتن إبراهيم (عليه السلام) اختتن بالقدوم على رأس ثمانين سنة .

    أقول : يحمل هذا الاختتان و ما روي بمعناه من الأخبار على التقية كما ورد في حديث آخر و الوارد في أكثر الأخبار أن الأنبياء (عليهم السلام) يولدون مختونين و في بعضها أن غلفهم و سررهم تسقط يوم السابع و يمكن التوفيق بحمل الأول على أولي العزم منهم و الثاني على غيرهم و قيل بإمكان ما يبقى من الغلف شي‏ء يسقط يوم السابع.

    تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال : إذا سافر أحدكم فليأت أهله بما تيسر و لو بحجر فإن إبراهيم (عليه السلام) ضاف ضيفا فأتى قومه فوافق منهم قحطا شديدا فرجع كما ذهب فلما قرب من منزله نزل عن حماره فملأ خرجه رملا أراد أن يسكن به روع زوجته سارة فلما دخل منزله حط الخرج عن الحمار و افتتح العلوفة فجاءت سارة ففتحت الخرج فوجدته مملوءا دقيقا فاختبزت منه و قالت لإبراهيم انفتل من صلاتك و كل فقال لها من أين لك هذا قالت من الدقيق الذي في الخرج فرفع رأسه إلى السماء فقال أشهد أنك الخليل .

    و عنه (عليه السلام) : قال لقد كانت الدنيا و ما كان فيها إلا واحدا يعبد الله و لو كان معه غيره إذا لأضافه إليه حيث يقول إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فصبر بذلك ما شاء الله ثم إن الله تبارك و تعالى آنسه بإسماعيل و إسحاق فصاروا ثلاثة .


    [99]
    و عنه (عليه السلام) : أن الله تبارك و تعالى اتخذ إبراهيم (عليه السلام) عبدا قبل أن يتخذه نبيا و أن الله تعالى اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا و أن الله تعالى اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا و أن الله تعالى اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما فلما جمع له الأشياء قال إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قال فمن عظمها في عين إبراهيم قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال لا يكون السفيه إمام التقي .

    و عنه (عليه السلام) : أول من اتخذ النعلين إبراهيم (عليه السلام) .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : قال كان الناس يموتون فجأة فلما كان زمن إبراهيم (عليه السلام) قال يا رب اجعل الموت علة يؤجر بها الميت و يسلى بها عن المصائب فأنزل الله عز و جل البرسام ثم أنزل بعده الداء .

    نوادر الراوندي عن الكاظم (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الولدان تحت عرش الرحمن يستغفرون لآبائهم يحضنهم إبراهيم (عليه السلام) و تربيهم سارة في جبل من مسك و عنبر و زعفران .

    أقول : أولاد المؤمنين الذين يموتون أطفالا ورد في بعض الأخبار أن الزهراء (عليه السلام) تربيهم في الجنة حتى يأتي أبواهم أو واحد من أقاربهم فتدفعه إليهم .

    و في بعضها أن بعض شجر الجنة له أخلاف كأخلاف البقر يرتضع منه أطفال المؤمنين الذين يموتون رضعانا حتى يكبروا فيدفعوا إلى آبائهم و التوفيق بين الأخبار تارة بأن بعضهم تربيهم الزهراء (عليه السلام) و الآخر يحضنهم إبراهيم و سارة و أخرى بأن أطفال العلويين من أولادها (عليه السلام) هي التي تربيهم و أطفال باقي المؤمنين يوكل إلى غيرها و أما نقش خاتمه (عليه السلام) فقد تقدم .

    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب السادس في قصص إبراهيم (عليه السلام) و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 8:32 am





    الفصل الثاني
    في بيان ولادته (عليه السلام) و كسر الأصنام
    و حال أبيه و ما جرى له مع فرعون



    قال الله سبحانه أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ

    [100]
    مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ



    أي لم ينته علمك الذي حاج إبراهيم أي خاصمه و هو نمرود بن كنعان و هو أول من تجبر و ادعى الربوبية و هذه المحاجة .

    روي عن الصادق (عليه السلام) : أنها بعد إلقائه في النار .

    و قوله أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي محاجته و مخاصمته مع إبراهيم طغيانا و بغيا باعتبار الملك الذي آتاه الله و الملك هنا عبارة عن نعيم الدنيا و هو بهذا المعنى يجوز أن يعطيه الله الكافر و المؤمن و أما الملك بمعنى تمليك الأمر و النهي و تدبير أمور الناس و إيجاب الطاعة على الخلق فلا يجوز أن يؤتيه الله إلا من يعلم أنه يدعو إلى الصلاح و السداد و الرشاد و لا يكون إلا للنبي و أهل بيته الطاهرين العالمين بما يحتاج إليه الأمة من أول أمرها إلى آخرها .

    و قد ذكرت في بعض مؤلفاتي مباحثة مع بعض علماء العامة قلت له الشيطان يأمر بكل منكر و ينهى عن كل معروف قال نعم قلت الإمام يجب أن يكون نقيضا للشيطان يأمر بما ينهى عنه الشيطان و ينهى عما يأمر به الشيطان فقال نوافق على هذا القول فقلت و هذا لا يكون إلا إذا كان الإمام عالما بجميع الأوامر و النواهي الإلهية و إلا كان الشيطان أعلم منه و لم يكن على طرف نقيض مع الشيطان و من ادعيتم لهم الإمامة ليسوا على هذه الصفة بالإجماع على ما تواتر من قول الثاني كل الناس أفقه مني حتى المخدرات في الحجاب و قول الأول عند أغاليطه إن لي شيطانا يعتريني إذا زغت فقوموني و إذا ملت فسددوني و أما الثالث فحاله في الجهل أوضح من أن يذكر فعلى هذا الملك الذي وثبوا عليه و تقمصوه لم يكن ملك آتاهم الله حتى أوجب على الناس طاعتهم مع أنه لو كان الأمر كذلك يلزم الحرج على المكلفين لأن الأول في زمن خلافة ذهب إلى مذاهب و فتاوى في الأحكام لم يذهب إليها الثاني و عمل بضدها فكيف يجب متابعة الرجلين مع ما بينهما من التضاد و الخلاف في الأقوال و الأفعال ؟

    و روي في تفسير قوله تعالى تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ أنه : قال رجل للصادق (عليه السلام) ملك بني أمية أ هو من الله تعالى فقال (عليه السلام) إنه ملك لنا من الله و لكن بنو أمية وثبوا عليه و غصبوه منا كمن كان له ثوب فجاء رجل فغصبه منه و لبسه فبلبسه له لم يصر ملكا له و لا ثوبه.

    و المراد بالملك هنا هو معناه الثاني و أما الملك بمعناه الأول فلا مانع من تمكين الله سبحانه لهم منه كما أعطى ملوك الكفار و السلاطين الظالمين و كانوا من الفريقين .


    [101]
    و قوله الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ المراد بالإماتة هنا إخراج الروح من بدن الحي من غير جرح و لا نقص بنية و لا إحداث فعل يتصل بالبدن من جهته و هذا خارج عن قدرة البشر .

    و قوله أَنَا أُحْيِي بالتخلية من الحبس وَ أُمِيتُ بالقتل و هذا جهل منه لأنه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت أو الموت للحي على سبيل الاختراع الذي ينفرد سبحانه به و لا يقدر عليه سواه فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي تحير عن الانقطاع بما بان له من ظهور الحجة فإن قيل فهلا قال له نمرود فليأت بها ربك من المغرب .

    قيل إنه لما رأى الآيات علم أنه لو اقترح ذلك لأتي به تصديقا لإبراهيم فكان يزداد بذلك فضيحة على أن الله سبحانه خذله و لطف لإبراهيم و اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد. عن ابن عباس أن الله سبحانه سلط على نمرود بعوضة فعضت شفته فأهوى إليها ليأخذها فطارت في منخره فذهب ليستخرجها فطارت في دماغه فعذبه الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه .

    تفسير علي بن إبراهيم بإسناده إلى الباقر (عليه السلام) أنه قال : ليهنئكم الاسم قيل ما هو قال وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ و قوله فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ليهنئكم الاسم.

    أقول : الشيعة اسم تسمى الشيعة به و لقبوا به أنفسهم و أما الرافضة فاسم سمانا به المخالفون و جاء في الحديث أنه اسم للمؤمنين من قوم موسى سموا به لأنهم رفضوا فرعون و قومه فذخر الله سبحانه هذا الاسم لنا معاشر الشيعة.

    و فيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) : إن آزر أبا إبراهيم (عليه السلام) كان منجما لنمرود بن كنعان فقال له إني أرى في حساب النجوم أن هذا الزمان يحدث رجلا فينسخ هذا الدين و يدعو إلى دين فقال له نمرود في أي بلاد يكون قال في هذه البلاد و لم يخرج بعد إلى الدنيا قال ينبغي أن نفرق بين الرجال و النساء ففرق و حملت أم إبراهيم بإبراهيم و لم يظهر حملها فلما حانت ولادتها قالت يا آزر إني قد اعتللت و أريد أن أعتزل عنك و كانت في ذلك الزمان المرأة إذا اعتلت اعتزلت عن زوجها فاعتزلت في غار و وضعت إبراهيم و قمطته و رجعت إلى منزلها و سدت

    [102]
    باب الغار بالحجارة فأجرى الله لإبراهيم لبنا من إبهامه و كانت تأتيه أمه و وكل نمرود بكل امرأة حامل فكان يذبح كل ولد ذكر فهربت أم إبراهيم بإبراهيم من الذبح و كان يشب إبراهيم في الغار يوما كما يشب غيره في الشهر حتى أتى له في الغار ثلاث عشرة سنة فلما كان بعد ذلك زارته أمه فلما أرادت أن تفارقه تشبث بها فقال يا أمي أخرجيني فقالت يا بني إن الملك إن علم أنك ولدت في هذا الزمان قتلك فلما خرجت أمه من الغار و قد غابت الشمس نظر إلى الزهرة في السماء فقال هذا ربي فلما غابت الزهرة فقال لو كان ربي ما زال و لا برح ثم قال لا أحب الآفلين الآفل الغائب فلما نظر إلى المشرق و قد طلع القمر قال هذا ربي هذا أكبر و أحسن فلما تحرك و زال قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فلما أصبح و طلعت الشمس و رأى ضوءها في الدنيا قال هذا أكبر و أحسن فلما تحركت و زالت كشف الله عن السماوات حتى رأى العرش و أراه الله ملكوت السماوات و الأرض فعند ذلك قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فجاء إلى أمه و أدخلته دارها و جعلته بين أولادها فنظر إليه آزر فقال من هذا الذي بقي في سلطان الملك و الملك يقتل أولاد الناس قالت هذا ابنك ولدته وقت كذا و كذا حين اعتزلت فقال ويحك إن علم الملك هذا نزلت منزلتنا عنده و كان آزر صاحب أمر نمرود و وزيره و كان يتخذ الأصنام له و للناس و يدفعها إلى ولده فيبيعونها فقالت أم إبراهيم لا عليك إن لم يشعر الملك به بقي لنا و إن شعر به كفيتك الاحتجاج عنه و كان آزر كلما نظر إلى إبراهيم أحبه حبا شديدا و كان يدفع إليه الأصنام ليبيعها كما يبيع إخوته فكان يعلق في أعناقها الخيوط و يجرها على الأرض و يقول من يشتري ما لا يضره و لا ينفعه و يغرقها في الماء و الحمام و يقول لها تكلمي فذكر إخوته ذلك لأبيه فنهاه فلم ينته فحبسه و لم يدعه يخرج ف حاجَّهُ قَوْمُهُ فقال إبراهيم أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ .

    و قال (عليه السلام) : في أول يوم من ذي الحجة ولد إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) .

    و فيه أنه خرج نمرود و جميع أهل مملكتهم إلى عيد لهم و كره أن يخرج إبراهيم (عليه السلام) معهم فوكله ببيت الأصنام فلما ذهبوا عمد إبراهيم إلى طعام فأدخله بيت أصنامهم فكان يدنو من صنم صنم فيقول له كل و تكلم فإذا لم يجبه اتخذ القدوم فكسر يده و رجله حتى فعل ذلك بجميع الأصنام ثم علق القدوم في عنق الكبير

    [103]
    منهم الذي كان في الصدر فلما رجع الملك و من معه من العبيد نظروا إلى الأصنام متكسرة فقالوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ فقالوا هاهنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم و هو ابن آزر فجاءوا به إلى نمرود فقال نمرود لآزر خنتني و كتمت هذا الولد عني فقال أيها الملك هذا عمل أمه و ذكرت أنها تقوم بحجته فدعا نمرود أم إبراهيم فقال لها ما حملك على أن كتمتيني أمر هذا الغلام حتى فعل بآلهتنا ما فعل فقالت أيها الملك نظرا مني لرعيتك فقال و كيف ذلك قالت لأني رأيتك تقتل أولاد رعيتك فكان يذهب النسل فقلت إن كان هذا الذي يطلبه دفعته ليقتله و يكف عن أولاد الناس و إن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا و قد ظفرت به فشأنك فكف عن أولاد الناس بصواب رأيها ثم قال لإبراهيم مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا قال فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ .

    فقال الصادق (عليه السلام) : ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم لأنه إنما قال فعله كبيرهم هذا إن نطق و إن لم ينطق فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا .

    فاستشار نمرود قومه في إبراهيم فقالوا له أحرقوه و انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين .

    فقال الصادق (عليه السلام) : كان فرعون إبراهيم و أصحابه لغير رشدة فإنهم قالوا لنمرود أحرقوه و كان فرعون موسى و أصحابه لرشدة فإنه لما استشار أصحابه في موسى قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ .

    فحبس إبراهيم و جمع له الحطب حتى إذا كان اليوم الذي ألقى فيه نمرود إبراهيم في النار برز نمرود و جنوده و كان بني لنمرود بناء ينظر منه إلى إبراهيم كيف تأخذه النار فجاء إبليس و اتخذ لهم المنجنيق لأنه لم يقدر أحد أن يتقارب منها و كان الطائر من مسيرة فرسخ يحترق فوضع إبراهيم في المنجنيق و جاء أبوه فلطمه لطمة و قال ارجع عما أنت عليه و لم يبق شي‏ء إلا طلب إلى ربه و قالت الأرض يا رب ليس على ظهري أحد يعبدك غيره فيحرق و قالت الملائكة يا رب خليلك إبراهيم يحرق فقال الله عز و جل أما إنه إن دعاني كفيته و قال جبرئيل يا رب خليلك ليس في الأرض أحد يعبدك غيره سلطت عليه عدوه يحرقه بالنار فقال اسكت إنما يقول هذا عبد مثلك يخاف الفوت هو عبدي آخذه إذا شئت فإن دعاني أجبته فدعا إبراهيم (عليه السلام) ربه بسورة الإخلاص يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد نجني من النار برحمتك قال فالتقى معه جبرئيل في الهواء و قد وضع في المنجنيق فقال يا إبراهيم هل لك إلي من حاجة فقال إبراهيم

    [104]
    أما إليك فلا و أما إلى رب العالمين فنعم فدفع إليه خاتما عليه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله ألجأت ظهري إلى الله و أسندت أمري إلى الله و فوضعت أمري إلى الله فأوحى الله إلى النار كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد حتى قال سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ فانحط جبرئيل و جلس معه يحدثه في النار و هو في روضة خضراء و نظر إليه نمرود فقال من اتخذ إلها فليتخذ إلها مثل إله إبراهيم فقال عظيم عن عظماء أصحاب نمرود إني عزمت على النار أن تحرقه فخرج عمود من النار نحو الرجل فأحرقه و نظر نمرود إلى إبراهيم في روضة خضراء في النار مع شيخة يحدثه فقال لآزر ما أكرم ابنك على ربه قال و كان الوزغ ينفخ في نار إبراهيم و كان الضفدع يذهب بالماء ليطفئ به النار قال و لما قال الله تبارك و تعالى للنار كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً لم يعمل النار في الدنيا ثلاثة أيام وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ إلى الشام و سواد الكوفة .

    أقول قال الرازي اختلفوا في أن النار كيف بردت على ثلاثة أوجه أحدها أن الله تعالى أزال منها ما فيها من الحر و الإحراق و أبقى ما فيها من الإضاءة و الإشراق و ثانيها الله سبحانه خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار إليه كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة كما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة بدن السمندر و بحيث لا يضره المكث في النار و ثالثها أنه خلق بينه و بين النار حائلا يمنع من وصول النار إليه .

    قال المحققون و الأول أولى لأن ظاهر قوله يا نارُ كُونِي بَرْداً أن نفس النار صارت باردة .

    و عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه لما ألقي إبراهيم في النار نزل جبرئيل (عليه السلام) بقميص من الجنة و طنفسة من الجنة فألبسه القميص و أقعده على الطنفسة و قعد معه يحدثه .

    و في التفسير أنه لما ألقى نمرود إبراهيم (عليه السلام) في النار و جعلها الله بردا و سلاما قال نمرود يا إبراهيم من ربك قال ربي الذي يحيي و يميت قال له نمرود أنا أحيي و أميت قال إبراهيم كيف تحيي و تميت قال أعمد إلى رجلين ممن قد وجب عليهما القتل فأطلق عن واحد و أقتل واحدا فكنت أمت و أحييت فقال إبراهيم إن كنت صادقا فاحي الذي قتلته ثم قال دع هذا فإن ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر

    [105]
    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ملك الأرض كلها أربعة مؤمنان و كافران فأما المؤمنان فسليمان بن داود و ذو القرنين (عليه السلام) و الكافران نمرود و بخت‏نصر و اسم ذي القرنين عبد الله بن ضحاك بن معد و أول منجنيق عمل في الدنيا منجنيق عمل لإبراهيم (عليه السلام) بسور الكوفة في نهر يقال له كوفي و في قرية يقال لها قنطانا .

    علل الشرائع : سأل الشامي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قول الله عز و جل يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ من هم فقال (عليه السلام) قابيل يفر من هابيل و الذي يفر من أمه موسى و الذي يفر من أبيه إبراهيم و الذي يفر من صاحبته لوط و الذي يفر من ابنه نوح يفر من ابنه كنعان .

    أقول : قال الصدوق طاب ثراه إن موسى (عليه السلام) يفر من أمه خوفا أن لا يعرفها حق تربيتها له و قيل إنها كانت مرضعة ترضعه في بيت فرعون قبل وقوعهم على أمه و كانت كافرة و أما أبو إبراهيم فالمراد عمه و إلا فأبوه تارخ كان من المسلمين .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أنه لما أضرمت النار على إبراهيم (عليه السلام) شكت هوام الأرض إلى الله عز و جل و استأذنته أن تصب عليها الماء فلم يأذن الله عز و جل لشي‏ء منها إلا الضفدع فاحترق منه الثلثان و بقي منه ثلث .

    و عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال : يا أبا إسحاق إن في النار لواديا يقال له سقر لم يتنفس منذ خلقه الله و إن أهل النار ليتعوذون من حر ذلك الوادي و نتنه و قذره و ما أعد الله فيه لأهله و إن لذلك الوادي لجبلا يتعوذ جميع أهل ذلك الوادي من حر ذلك الجبل و نتنه و قذره و ما أعد الله فيه لأهله و إن في الجبل لشعبا يتعوذ جميع أهل ذلك الجبل من حر ذلك الشعب و نتنه و قذره و ما أعد الله فيه و إن في ذلك الشعب لقليبا يتعوذ أهل ذلك الشعب من حر ذلك الشعب و نتنه و قذره و ما أعد الله فيه لأهله و إن في ذلك القليب لحية يتعوذ أهل ذلك القليب من خبث تلك الحية و نتنها و قذرها و ما أعد الله في أنيابها من السم لأهلها و إن في جوف تلك الحية لسبع صناديق فيها خمسة من الأمم السالفة و اثنان من هذه الأمة قال قلت جعلت فداك من الخمسة و من الاثنين قال فأما الخمسة فقابيل الذي قتل هابيل و نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه و فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى و يهودا الذي هود اليهود و بولس الذي نصر النصارى و من هذه الأمة أعرابيان .

    أقول : يعني به الأول و الثاني و سماهما أعرابيان لما فيهما من الجفاء

    [106]
    و عن الرضا (عليه السلام) قال : لما رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقنا فجعل الله النار عليه بردا و سلاما و قال (عليه السلام) لما ألقاه الله في النار أنبت الله في حواليه من الأشجار الخضرة النضرة النزهة و أنبت حوله من أنواع الأشجار ما لا يوجد في الفصول الأربعة من السنة .

    كتاب المحاسن رفعه إلى علي بن الحسين (عليه السلام) : أن هاتفا هتف به فقال يا علي بن الحسين أي شي‏ء كانت العلامة بين يعقوب و يوسف فقال لما قذف إبراهيم في النار هبط جبرئيل بقميص فضة فألبسه إياه ففرت عنه النار و نبت حوله النرجس فأخذ إبراهيم (عليه السلام) القميص فجعله في عنق إسحاق في قصبة من فضة و علقها إسحاق في عنق يعقوب و علقها يعقوب في عنق يوسف (عليه السلام) فقال له إن نزع هذا القميص من بدنك علمت أنك ميت أو قد قتلت فلما دخل عليه إخوته أعطاهم القصبة و أخرجوا القميص فاحتملت الريح رائحته فألقته على وجه يعقوب بالأردن فقال إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ .

    العياشي عن الحرث عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال : إن نمرود أراد أن ينظر إلى ملك السماء فأخذ نسورا أربعة فرباهن و جعل تابوتا من خشب و أدخل فيه رجلا ثم شد قوائم النسور بقوائم التابوت ثم جعل في وسط التابوت عمودا و جعل في رأس العمود لحما فلما رأت النسور اللحم طارت بالتابوت و الرجل فارتفعت فمكث ما شاء الله ثم إن الرجل أخرج من التابوت رأسه فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى الجبال إلا كالذر ثم مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى إلا الماء ثم مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى شيئا ثم وقع في ظلمة لم ير ما فوقه و ما تحته ففزع فألقى اللحم فاتبعته النسور منقضة فلما نظرت الجبال إليها و قد أقبلت منقضة و سمعت حفيفها فزعت و كادت أن تزول مخافة أمر السماء و هو قول الله وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ .

    الكافي بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إن إبراهيم (عليه السلام) كان مولده بكوثى يعني قرية من قرى الكوفة و كان أبوه من أهلها و كانت أم إبراهيم و أم لوط أختين و هما ابنتان للاحج و كان لاحج نبيا منذرا و لم يكن رسولا و إن إبراهيم لزوج سارة و هي ابنة خالته و كانت سارة صاحبة ماشية كثيرة و أرض

    [107]
    واسعة و حال حسنة فملكته إبراهيم (عليه السلام) فقام فيه و أصلحه و لما كسر أصنام نمرود و أمر بإحراقه و لم يحترق أمرهم أن ينفوه من بلاده و أن يمنعوه من الخروج بما يشتهيه و ماله فحاجهم إبراهيم فقال إن أخذتم ماشيتي و مالي فإن حقي عليكم أن تردوا علي ما ذهب من عمري في بلادكم و اختصموا إلى قاضي نمرود فقضى أن الحق لإبراهيم فخلوا سبيله و سبيل ماشيته و ماله فأخرجوا إبراهيم و لوطا معه من بلادهم إلى الشام إلى بيت المقدس فعمل تابوتا و جعل فيه سارة و شد عليه الأغلاق غيرة منه عليها و مضى حتى خرج من سلطان نمرود و دخل في سلطان رجل من القبط يقال له عرارة فمر بعاشر له فاعترضه العاشر ليعشر ما معه فقال العاشر لإبراهيم افتح هذا التابوت حتى نعشر ما فيه فقال إبراهيم قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نعطيك عشره و لا تفتحه فأبى العاشر إلا فتحه و غضب إبراهيم (عليه السلام) فلما بدت له سارة و كانت موصوفة بالحسن و الجمال قال له العاشر ما هذه منك قال إبراهيم هي حرمتي و ابنة خالتي فقال له العاشر لست أدعك تبرح حتى أعلم الملك حالها و حالك فبعث رسولا إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه بالتابوت فقال إبراهيم (عليه السلام) لا أفارق التابوت فحملوه مع التابوت إلى الملك فقال له افتح التابوت فقال إبراهيم إن فيها حرمتي و ابنة خالتي و أنا مفتد لا أفتحه بجميع ما معي فغضب الملك على إبراهيم لعدم فتحه فلما رأى سارة لم يملك حلمه أن مد يده إليها فأعرض إبراهيم وجهه عنه و عنها غيرة و قال اللهم احبس يده عن حرمتي و ابنة خالتي فلم تصل يده إليها و لم ترجع إليه فقال له الملك إن إلهك هو الذي فعل بي هذا فقال نعم إن إلهي غيور يكره الحرام فقال له الملك فادع إلهك أن يرد علي يدي فإن أجابك فلم أتعرض لها فقال إبراهيم إلهي رد عليه يده ليكف عن حرمتي فرد الله عز و جل عليه يده فأقبل الملك عليها ببصره ثم عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم غيرة و قال اللهم احبس يده عنها فيبست يده و لم تصل إليها فقال الملك لإبراهيم إن إلهك لغيور و إنك لغيور فادع إلهك يرد علي يدي فإنه إن فعل لم أعد أفعل فقال إبراهيم أسأله ذلك على أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله فقال له الملك نعم فقال إبراهيم اللهم إن كان صادقا فرد عليه يده فرجعت إليه فلما رأى الملك ذلك عظم إبراهيم عنده و أكرمه و اتقاه و قال له انطلق حيث شئت و لكن لي إليك حاجة و هو أن تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما فأذن له إبراهيم فوهبها لسارة و هي هاجر أم

    [108]
    إسماعيل فسار إبراهيم بجميع ما معه و خرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم إعظاما له و هيبة فأوحى الله تبارك و تعالى إلى إبراهيم أن قف و لا تمش قدام الجبار و لكن اجعله أمامك و عظمه فإنه مسلط و لا بد من آمر في الأرض بر أو فاجر فوقف إبراهيم (عليه السلام) و قال للملك امض فإن إلهي أوحى إلي الساعة أن أعظمك و أهابك و أن أقدمك أمامي و أمشي خلفك فقال له الملك أشهد أن إلهك لرقيق حليم كريم و أنت ترغبني في دينك فودعه الملك و سار إبراهيم حتى نزل بأعلى الشامات و خلف لوطا (عليه السلام) في أدنى الشامات ثم إن إبراهيم (عليه السلام) لما أبطأ عليه الولد قال لسارة لو شئت لبعتيني هاجر لعل الله يرزقنا منها ولدا فيكون لنا خلفا فابتاع إبراهيم هاجر من سارة (عليه السلام) فوقع عليها فولدت إسماعيل (عليه السلام) .

    أقول : بقي في هذا المقام أمور لا بد من التنبيه عليها الأمر الأول اختلف علماء الإسلام في أب إبراهيم (عليه السلام) قال الرازي في تفسير قوله تعالى وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ظاهر هذه الآية تدل على أن اسم والد إبراهيم (عليه السلام) هو آزر و منهم من قال اسمه تارخ قال الزجاج الاختلاف بين النسابين أن اسمه تارخ و من الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن و ذكر له وجوها منها أن والد إبراهيم (عليه السلام) كان تارخ و آزر كان عما له و العم قد يطلق عليه لفظ الأب كما حكى الله عن أولاد يعقوب أنهم قالوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ و معلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب و قد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا هاهنا .

    ثم قال قالت الشيعة إن أحدا من آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان كافرا و ذكروا أن آزر كان عمه و احتجوا على قولهم بوجوه الحجة الأولى أن آباء نبينا ما كانوا كفارا لوجوه منها قوله تعالى الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ. يعني أنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد و يدل عليه أيضا .

    قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.

    و قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فلا يكون أحد أجداده منهم .

    و أيضا أجمع الإمامية رضوان الله عليهم على إسلام والد إبراهيم (عليه السلام) و حينئذ فالأخبار الدالة على أنه كان مشركا أباه حقيقة محمولة على التقية.

    [109]
    الأمر الثاني في قول إبراهيم إِنِّي سَقِيمٌ و اختلف في معناه على أقوال أحدها أنه نظر في النجوم فاستدل بها على وجه حمى كانت تعتوره فقال إني سقيم أي حضر وقت ذلك المرض فكأنه قال إني سأسقم .

    و ثانيها أنه نظر في النجوم كنظرهم لأنهم يتعاطون علم النجوم فأوهمهم أنه يقول بمثل قولهم فقال عند ذلك إني سقيم فتركوه ظنا منهم أن نجمه يدل على سقمه .

    و ثالثها أن يكون الله أعلمه بالوحي أنه سيسقمه في وقت مستقبل و جعل العلامة على ذلك إما طلوع نجم على وجه مخصوص أو اتصاله بآخر على وجه مخصوص .

    فلما رأى إبراهيم (عليه السلام) تلك الأمارة قال إني سقيم تصديقا لما أخبره الله تعالى سبحانه .

    و رابعها أن معنى قوله إِنِّي سَقِيمٌ أي سقيم القلب أو الرأي حزنا من إصرار القوم على عبادة الأصنام و يكون على ذلك معنى نظره في النجوم فكرته في أنها محدثة مخلوقة فكيف ذهب على العقلاء حتى عبدوها و الذي ورد في الأخبار هو أنه (عليه السلام) أوهمهم بالنظر في النجوم لموافقتهم و قال إني سقيم تورية و جاء في الأخبار تجويز الكذب و التورية لأجل التقية .

    و في حديث صحيح أنه قال إِنِّي سَقِيمٌ يعني بما يفعل بالحسين (عليه السلام) لأنه عرفه من علم النجوم يعني من نجم الحسين (عليه السلام) لأن الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) كل واحد له نجم في السماء ينسب إليه كما ورد في الحديث .

    إن زحل نجم أمير المؤمنين (عليه السلام) فلا يقال إنه نحس كما يقوله الناس.

    الأمر الثالث قوله (عليه السلام) هذا رَبِّي و قيل في تأويله وجوه الأول أنه (عليه السلام) إنما قال عند كمال عقله في زمان مهلة النظر فإنه تعالى لما أكمل عقله و حرك دواعيه على الفكر و التأمل و رأى الكوكب فأعظمه نوره و قد كان قومه يعبدون الكواكب فقال هذا ربي على سبيل الفكر فلما غاب علم أن الأفول لا يجوز على الإله فاستدل بذلك على أنه محدث مخلوق و كذلك كان حاله في رؤية القمر و الشمس قال في آخر كلامه يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ و كان هذا القول منه عقيب معرفته بالله تعالى و علمه بأن صفات المحدثين لا تجوز عليه و في بعض الأخبار إيماء إليه.

    [110]
    الثاني أنه كان عارفا بعدم صلاحيتها للربوبية و لكن قال ذلك في مقام الاحتجاج على عبدة الكواكب على سبيل الفرض الشائع عند المناظرة فكأنه أعاد كلام الخصم ليلزم عليه المحال و يؤيده بعد ذلك وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ .

    الثالث أن يكون المراد هذا ربي في زعمكم و اعتقادكم و نظيره أن يقول الموحد للمجسم إن إلهه جسم محدود أي في زعمه و اعتقاده و قوله تعالى وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً .

    الرابع أن يكون المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار .

    الخامس أن يكون القول مضمرا أي يقولون هذا ربي.

    السادس أن يكون قوله ذلك على سبيل الاستهزاء كما يقال الدليل ساد قوما هذا سيدكم على وجه الهزء .

    السابع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم و بعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله لم يقبلوه و لم يلتفتوا إليه فمال إلى طريق يستدرجهم به إلى استماع الحجة و ذلك بأنه ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئنا بالإيمان فكأنه بمنزلة المكره على إجراء كلمة الكفر على اللسان على وجه المصلحة لإحياء الخلق بالإيمان .

    الأمر الرابع وجه الاستدلال بالأفول على عدم صلاحيتها للربوبية .

    قال الرازي الأفول عبارة عن غيبوبة الشي‏ء بعد ظهوره .

    و إذا عرفت هذا فلسائل أن يقول الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة و على هذا يكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث فلم ترك إبراهيم (عليه السلام) الاستدلال على حدوثها بالطلوع و عول في إثبات هذا المطلوب على الأفول .

    و الجواب أنه لا شك أن الطلوع و الغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث و إلا فإن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معروض دعوة الخلق كلهم إلى الإله لا بد و أن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي و الغبي و العاقل و دلالة الحركة على الحدوث و إن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق و أما دلالة الأفول فكانت على هذا المقصود و أيضا قال بعض المحققين الهوى في حظيرة الإمكان .


    [111]
    أقول و أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص و حصة الأوساط و حصة العوام فإن الخواص يفهمون من الأفول الإمكان و كل ممكن محتاج و المحتاج لا يكون مقطعا للحاجة فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى و أما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة فكل متحرك محدث و كل محدث محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الأقل إلها بل الإله هو الذي احتاج إليه هذا الأقل و أما العوام فإنما يفهمون من الأفول الغروب و هم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول فإنه يزول فورا ضوؤه و يذهب سلطانه و يصير كالمعدوم و من كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ مشتملة على نصيب المقربين و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل و أفضل البراهين و فيه دقيقة أخرى و هي أنه (عليه السلام) كان يناظرهم و هم كانوا منجمين و مذهب أهل النجوم إذا كان في الربع الشرقي و يكون شاهدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثر و أما إذا كان غربيا و قريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف الأثر قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز و كماله إلى النقص و مذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجزا عن التدبير و ذلك يدل على القدح في إلهيته فظهر أن على قول المنجمين للأفول مزيد اختصاص في كونه موجبا للقدح في الإلهية انتهى .

    الأمر الخامس تأويل قوله (عليه السلام) بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ و قد ذكروا له وجوها الأول ما ذكره علم الهدى نور الله ضريحه و هو أن الخبر مشروط غير مطلق لأنه قال إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ و معلوم أن الأصنام لا تنطق فما علق على المستحيل فهو مستحيل فأراد إبراهيم توبيخهم بعبادة من لا ينطق و لا يقدر أن يخبر عن نفسه بشي‏ء فإذا علم استحالة النطق علم استحالة الفعل و علم باستحالة الأمرين أنه لا يجوز أن تكون آلهة معبودة و أن من عبدها ضال مضل و لا فرق بين قوله إنهم فعلوا ذلك إن كانوا ينطقون و بين قوله إنهم ما فعلوا ذلك و لا غيره لأنهم لا ينطقون و لا يقدرون .

    و أما قوله فَسْئَلُوهُمْ فإنما هو أمر بسؤالهم أيضا على شرط و النطق منهم شرط في الأمرين فكأنه قال إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فاسألوهم فإنه لا يمتنع أن يكونوا فعلوه

    [112]
    و هذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره من فعل هذا الفعل فيقول زيد فعل كذا و كذا و يشير إلى فعله يضيفه السائل إلى زيد و ليس في الحقيقة من فعله و يكون غرض المسئول نفي الأمرين عن زيد و تنبيه السائل على خطئه في إضافته إلى زيد .

    الثاني أنه لم يكن قصد إبراهيم (عليه السلام) إلى أن ينسب الأمر الصادر عنه إلى الصنم و إنما قصد تقريره لنفسه و إثباته لها على وجه تعريضي و هذا كما لو قال صاحبك و قد كتبت كتابا بخط رشيق و أنت تحسن الخط أنت كتبت هذا و صاحبك لا يحسن الخط فقلت له بل كنت أنت كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك .

    الثالث أن إبراهيم (عليه السلام) غاظته تلك الأصنام حيث أبصرها مصفقة مرتبة فكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته و حطمه لها و الفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه .

    الرابع أنه قال على وجه التورية لما فيه من الإصلاح .

    روي في الكافي بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا كذب على مصلح ثم تلى أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ثم قال و الله ما سرقوا و ما كذب ثم تلى بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فقال و الله ما فعلوا و ما كذب .

    و هذا إرادة الإصلاح و دلالة على أنهم لا يعقلون و بقيت وجوه أخر لا نطول الكتاب بذكرها.


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب السادس في قصص إبراهيم (عليه السلام) و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 8:38 am



    الفصل الثالث
    في إراءته ملكوت السماوات و الأرض و سؤاله إحياء الموتى
    و جملة من حكمه و مناقبه (عليه السلام) و فيه وفاته (عليه السلام)



    قال الله سبحانه : وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

    [113]
    الإحتجاج عن أبي محمد العسكري (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن إبراهيم (عليه السلام) لما رفع في الملكوت و ذلك قول ربي وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قوى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الأرض و من عليها ظاهرين و مستترين فرأى رجلا و امرأة على فاحشة فدعا الله عليهما بالهلاك فهلكا ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فأوحى الله إليه يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي و إمائي فإني أنا الغفور الرحيم الجبار الحليم لا تضرني ذنوب عبادي كما لا ينفعني طاعتهم و لست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك فاكفف دعوتك عن عبادي فإنما أنت عبد نذير لا شريك في المملكة و لا مهيمن علي و لا على عبادي و عبادي معي بين خلال ثلاث إما تابوا إلي فتبت عليهم و غفرت ذنوبهم و سترت عيوبهم و إما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون فأرفق بالآباء الكافرين و أتأنى بالأمهات الكافرات و أرفع عنهم عذابي ليخرج أولئك المؤمنون من أصلابهم فإذا تزايلوا حق بهم عذابي و إن لم يكن هذا و لا هذا فإن الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريد لهم فإن عذابي لعبادي على حسب جلالي و كبريائي يا إبراهيم و خل بيني و بين عبادي فإني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم أدبرهم بعلمي و أنفذ فيهم قضائي و قدري ثم التفت إبراهيم (عليه السلام) فرأى جيفة على ساحل البحر بعضها في الماء و بعضها في البر تجي‏ء سباع الماء فتأكل ما في الماء ثم ترجع فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا و تجي‏ء سباع البر فتأكل منها فيشتمل [فيشتد] بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا فعند ذلك تعجب إبراهيم (عليه السلام) مما رأى و قال يا رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى هذه أمم تأكل بعضها بعضا قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي يعني حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ و اخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً .

    أقول : الظاهر من الأحاديث أن رؤية الملكوت كانت بالعين و جوز بعضهم الرؤية القلبية بأن أنار قلبه حتى أحاط بها علما .

    و في علل الشرائع : سمعت محمد بن عبد الله بن طيفور يقول في قول إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى إن الله عز و جل أمر إبراهيم أن يزور عبدا من عباده

    [114]
    الصالحين فزاره فلما كلمه قال له إن الله تبارك و تعالى خلق في الدنيا عبدا يقال له إبراهيم اتخذه خليلا قال و ما علامة ذلك العبد قال يحيي الموتى فوقع لإبراهيم أنه هو فسأله أن يحيي الموتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على الخلة .

    و يقال إنه أراد أن تكون له في ذلك معجزة كما كانت للرسل و إن إبراهيم سأل ربه أن يحيي له الميت فأمره الله عز و جل إلى أن يميت لأجله الحي سواء بسواء و هو لما أمره بذبح ابنه إسماعيل و إن الله عز و جل أمر إبراهيم بذبح أربعة من الطير طاوس و نسر و ديك و بط .

    فالطاوس يريد به زينة الدنيا و النسر يريد به الأمل الطويل و البط يريد به الحرص و الديك يريد به الشهوة يقول الله عز و جل إن أحببت أن تحيي قلبك و تطمئن معي فاخرج عن هذه الأشياء الأربعة فإذا كانت هذه الأشياء في قلب فإنه لا يطمئن معي و سألته كيف قال أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ مع علمه بسره و حاله فقال إنه لما قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى كان ظاهر هذه اللفظة توهم أنه لم يكن بيقين فقرره الله بسؤاله عنه إسقاطا للتهمة عنه و تنزيها له من الشك .

    و في الكافي عن الحصين بن الحكم قال : كتبت إلى العبد الصالح أخبره أني شاك و قد قال إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى و إني أحب أن تريني شيئا فكتب إلي أن إبراهيم كان مؤمنا و أحب أن يزداد إيمانا و أنت شاك و الشاك لا خير فيه .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : قول الله عز و جل فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قال أخذ الهدهد و الصرد و الطاوس و الغراب فذبحهن و عزل رءوسهن و دق لحمهن في الهاون مع عظامهن و ريشهن حتى اختلطن ثم جزأهن عشرة أجزاء على عشرة جبال ثم وضع عنده حبا و ماء ثم جعل مناقيرهن بين أصابعه قال ائتين معي بإذن الله فتطاير بعضها إلى بعض اللحوم و الريش و العظام حتى استوت الأبدان كما كانت و جاء كل بدن حتى التزق برقبته التي فيها رأسه و المنقار فخلى إبراهيم عن مناقيرهن فوقعن فشربن من ذلك الماء و التقطن من ذلك الحب ثم قلن يا نبي الله أحييتنا أحياك الله فقال إبراهيم (عليه السلام) بل الله يحيي و يميت فهذا تفسيره الظاهر و تفسيره في الباطن خذ أربعة ممن يحتمل الكلام فاستودعهم علمك ثم ابعثهم في أطراف الأرضين حججا لك على الناس و إذا أردت أن يأتوك دعوتهم بالاسم الأكبر يأتينك سعيا بإذن الله عز و جل .

    قال الصدوق : الذي عندي في هذا أنه أمر بالأمرين جميعا .


    [115]
    و روي : أن الطيور التي أمر بأخذها الطاوس و النسر و الديك و البط.

    أقول : يجوز أن يحمل تغاير الطيور على تعدد المرات.

    عيون أخبار الرضا عن ابن الجهم قال : سأل المأمون الرضا (عليه السلام) عن قول إبراهيم (عليه السلام) رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال الرضا (عليه السلام) إن الله تبارك و تعالى كان أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) إني متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أجبته فوقع في نفس إبراهيم (عليه السلام) أنه ذلك الخليل فقال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على الخلة قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ .... الحديث .

    أقول : ذكر المفسرون لتأويل هذه الآية وجوها الأول ما تضمنه هذا الحديث .

    الثاني أنه أحب أن يعلم ذلك عيانا بعد ما كان عالما به من جهة الدليل و البرهان لتزول الخواطر و الوساوس و في الأخبار دلالة عليه .

    الثالث أن سبب السؤال منازعة نمرود إياه في الأحياء فقال أحيي و أميت أطلق محبوسا و أقتل إنسانا .

    فقال إبراهيم (عليه السلام) ليس هذا بإحياء و قال يا رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ليعلم نمرود ذلك و ذلك أن نمرود توعده بالقتل إن لم يحيي الله له الميت بحيث يشاهده و لذلك قال لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي بأن لا يقتلني الجبار .

    و عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) : قال سألته عن قول الله عز و جل وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ما هذه الكلمات قال هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه و هو أنه قال يا رب أسألك بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلا تبت علي فتاب الله عليه فقلت فما يعني بقوله فَأَتَمَّهُنَّ قال فأتمهن إلى القائم (عليه السلام) اثني عشر إماما قال المفضل فقلت يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله عز و جل وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ قال يعني بذلك الإمامة و جعلها الله في عقب الحسين (عليه السلام) إلى يوم القيامة .


    [116]
    معاني الأخبار مسندا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أنزل الله على إبراهيم (عليه السلام) عشرين صحيفة قلت ما كانت صحيفة إبراهيم قال كانت أمثالا كلها و كان فيها أيها الملك المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض و لكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها و إن كانت من كافر و على العاقل ما لم يكن مغلوبا أي مريضا و صاحب علة أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه عز و جل و ساعة يحاسب فيها نفسه و ساعة يتفكر فيها صنع الله عز و جل و ساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال فإن هذه الساعة عون لتلك الساعات على العاقل أن يكون طالبا لثلاث مرمة لمعاش أو تزود لمعاد أو تلذذ في غير محرم قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى قال كانت عبرا كلها و فيها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح و لمن أيقن بالنار كيف يضحك و لمن يرى الدنيا و تقلبها بأهلها لم يطمئن إليها و من لم يؤمن بالقدر كيف ينصب أي يتعب نفسه في طلب الرزق و لمن أيقن بالحساب لم لا يعمل .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول الله تعالى وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قال أعطي بصره من القوة ما يعدو السماوات فرأى ما فيها و رأى العرش و ما فوقه و رأى الأرض و ما تحتها و فعل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ذلك و أنا لا أرى صاحبكم و الأئمة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك .

    العياشي عن عبد الصمد بن بشير قال : جمع لأبي جعفر الدوانيقي جميع القضاة فقال لهم رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء فلم يعلموا كم الجزء فأبرد بريد إلى صاحب المدينة أن يسأل جعفر بن محمد (عليه السلام) رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء فقد أشكل ذلك على القضاة فلم يعلموا كم الجزء فأتى صاحب المدينة إلى الصادق (عليه السلام) و سأله عن الجزء فقال (عليه السلام) هذا في كتاب الله بين إن الله يقول لما قال إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ... عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً و كانت الطيور و الجبال عشرة .... الحديث .

    العياشي عن أحدهما (عليهما السلام) : أنه كان يقرأ هذه الآية رب اغفر لي و لولدي يعني إسماعيل و إسحاق .

    و في رواية أخرى عنه (عليه السلام) : أنه قرأ ربنا اغفر لي و لولدي قال هذه كلمة

    [117]
    صحفها الكتاب إنما كان استغفار إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه و إنما قال رب اغفر لي و لولدي يعني إسماعيل و إسحاق و الحسن و الحسين أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

    غوالي اللئالئ في الحديث : أن إبراهيم (عليه السلام) لقي ملكا فقال له من أنت قال أنا ملك الموت قال تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض بها روح المؤمن قال نعم أعرض عني فأعرض عنه فإذا هو شاب حسن الصورة حسن الثياب حسن الشمائل طيب الرائحة فقال يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن إلا حسن صورتك لكان حسبه ثم قال هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض بها روح الفاجر فقال لا تطيق فقال بلى قال فأعرض عني فأعرض عنه ثم التفت إليه فإذا هو رجل أسود قائم الشعر منتن الرائحة أسود الثياب يخرج من فيه و من مناخيره النيران و الدخان فغشي على إبراهيم ثم أفاق و قد عاد ملك الموت إلى حالته الأولى فقال يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر إلا صورتك هذه لكفته .

    علل الشرائع عن علي (عليه السلام) قال : إن إبراهيم (صلى الله عليه وآله وسلم) مر ببانقيا و كان ينزل بها فبات بها فأصبح القوم و لم يزلزل بهم فقالوا ما هذا و ليس حدث قالوا هاهنا شيخ و معه غلام له قال فأتوه فقالوا له يا هذا إنه كان يزلزل بنا كل ليلة و لم تزلزل بنا هذه الليلة فبت عندنا فبات فلم يزلزل بهم فقالوا أقم عندنا و نحن نجري عليك ما أحببت قال لا و لكن تبيعوني هذا الظهر و لم يزلزل بكم قالوا فهو لك قال لا آخذه إلا بالشراء قالوا فخذه بما شئت فاشتراه بسبع نعاج و أربع أحمرة فلذلك سمى بانقيا لأن النعاج بالنبطية نقيا فقال له غلامه يا خليل الرحمن ما تصنع بهذا الظهر و ليس فيه زرع و لا ضرع فقال له اسكت فإن الله عز و جل يحشر من هذا الظهر سبعين ألف يدخلون الجنة بغير حساب يشفع منهم لكذا و كذا .

    أقول : بانقيا على ما في القاموس قرية بالكوفة و المراد هنا ظهر الكوفة هي النجف .

    و فيه أيضا مسندا إلى الصادق (عليه السلام) قال : أوحى الله عز و جل إلى إبراهيم (عليه السلام) أن الأرض قد شكت إلي الحياء من رؤية عورتك فاجعل بينك و بينها حجابا فجعل شيئا هو أكبر من الثياب و من دون السراويل فلبسه فكان إلى ركبتيه .


    [118]
    أقول : المراد من قوله و من دون السراويل أنه أنقص طولا من هذه السراويل المتعارفة و هو السروال لإبراهيم (عليه السلام) إلا أنه كان قاصرا أن يدل على أن أول من اتخذ لبس السراويل هو إبراهيم (عليه السلام) .

    و عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث المعراج : أنه مر على شيخ قاعد تحت الشجرة حوله أطفال فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا الشيخ يا جبرئيل قال هذا أبوك إبراهيم فقال فما هؤلاء الأطفال حوله قال هؤلاء الأطفال أطفال المؤمنين حوله يغذيهم .

    الأمالي عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : لما أراد الله تبارك و تعالى قبض روح إبراهيم (عليه السلام) أهبط الله ملك الموت فقال السلام عليك يا إبراهيم قال و عليك السلام يا ملك الموت أ داع أم ناع فقال بل ناع يا إبراهيم فأجب قال يا ملك الموت فهل رأيت خليلا يميت خليله قال فرجع ملك الموت حتى وقف بين يدي الله جل جلاله فقال إلهي قد سمعت بما قال خليلك إبراهيم فقال الله جل جلاله يا ملك الموت اذهب إليه و قل له هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه .

    أقول : المراد بالداعي هنا الطالب على سبيل التخيير و الرضا كمن يدعو أحدا إلى ضيافة و بالناعي الطالب على سبيل القهر و الجزم فلما علم إبراهيم (عليه السلام) أن الأمر موسع عليه طلب الحياة ليكثر من الطاعة و العبادة .

    العلل عن الصادق (عليه السلام) قال : إن إبراهيم (عليه السلام) لما قضى مناسكه رجع إلى الشام فهلك و كان سبب هلاكه أن ملك الموت أتاه ليقبضه فكره إبراهيم الموت فرجع ملك الموت إلى ربه عز و جل فقال إن إبراهيم كره الموت فقال دع إبراهيم فإنه يحب أن يعبدني حتى رأى إبراهيم شيخا كبيرا يأكل و يخرج منه ما يأكله فكره الحياة و أحب الموت فبلغنا أن إبراهيم أتى داره فإذا فيها رجلا حسن الصورة ما رآها قط قال من أنت قال أنا ملك الموت قال سبحان الله من الذي يكره قربك و زيارتك و أنت بهذه الصورة فقال يا خليل الرحمن إن الله تبارك و تعالى إذا أراد بعبد خيرا بعثني إليه في هذه الصورة و إذا أراد بعبد شرا بعثني إليه في غير هذه الصورة فقبض (عليه السلام) بالشام و توفي إسماعيل بعده و هو ابن ثلاثين و مائة سنة فدفن في الحجر مع أمه .

    و فيه أيضا عنه (عليه السلام) قال : إن سارة قالت لإبراهيم (عليه السلام) يا إبراهيم قد

    [119]
    كبرت فلو دعوت الله أن يرزقك ولدا تقر أعيننا به فإن الله اتخذك خليلا و هو مجيب لدعوتك فسأل إبراهيم (عليه السلام) ربه أن يرزقه غلاما عليما فأوحى الله إليه أني واهب لك غلاما عليما ثم أبلوك بالطاعة فمكث إبراهيم (عليه السلام) بعد البشارة ثلاث سنين و أن سارة قالت لإبراهيم (عليه السلام) إنك قد كبرت و قرب أجلك فلو دعوت الله عز و جل أن يمد لك في العمر فتعيش معنا فسأل إبراهيم (عليه السلام) ربه ذلك فأوحى الله إليه سل من زيادة العمر ما أحببت فقالت سارة سل أن لا يميتك حتى تكون أنت الذي تسأله الموت فأوحى الله تعالى إليه في ذلك فقالت سارة اشكر الله و اعمل طعاما و ادع عليه الفقراء و أهل الحاجة ففعل و دعا الناس فكان فيمن أتى رجل كبير ضعيف مكفوف معه قائد له فأجلسه على مائدته فمد الأعمى يده فتناول اللقمة و أقبل بها نحو فيه فجعلت تذهب يمينا و شمالا ثم أهوى بيده إلى جبهته فتناول قائده يده فجاء بها إلى فمه ثم تناول المكفوف لقمة ثم ضرب بها عنقه قال و إبراهيم ينظر إلى المكفوف و إلى ما يصنع فتعجب إبراهيم (عليه السلام) من ذلك و سأل قائده فقال هذا الذي ترى من الضعف فقال إبراهيم (عليه السلام) في نفسه أ ليس إذا كبرت أصير مثل هذا ثم إن إبراهيم (عليه السلام) سأل الله عز و جل حيث رأى من الشيخ ما رأى اللهم توفني في الأجل الذي كتبت لي فلا حاجة لي في الزيادة في العمر بعد الذي رأيت .

    و عنه (عليه السلام) : قال إن إبراهيم (عليه السلام) ناجى ربه فقال يا رب كيف تميت ذا العيال من قبل أن تجعل له من ولده خلفا يقوم بعده في عياله فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم أ و تريد لها خلفا منك يقوم مقامك من بعدك خيرا مني قال إبراهيم اللهم لا الآن طابت نفسي .
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب السادس في قصص إبراهيم (عليه السلام) و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 8:42 am



    الفصل الرابع
    في أحوال أولاده و أزواجه (صلى الله عليه وآله وسلم) و بناء البيت الحرام



    قال الله تعالى : وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ .


    [120]
    الطبرسي طاب ثراه روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال : نزلت ثلاثة أحجار من الجنة حجر مقام إبراهيم (عليه السلام) و حجر بني إسرائيل و الحجر الأسود و استودعه الله إبراهيم (عليه السلام) حجرا أبيض و كان أشد بياضا من القراطيس فاسود من خطايا بني آدم.

    أقول : الحجر الأسود تقدم أن آدم (عليه السلام) حمله من الجنة و حدثني بعض الشيوخ من العلماء أن الكعبة لما هدمها السيل أنهم شاهدوا الحجر من الطرف الذي يلي البيت و كان أبيض.

    قال ابن عباس و روي في كثير من أخبارنا : أنه لما أتى إبراهيم بإسماعيل و هاجر فوضعهما بمكة و أتت على ذلك مدة و نزلها الجرهميون و تزوج إسماعيل منهم و ماتت هاجر استأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له و شرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم (عليه السلام) و قد ماتت هاجر فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك فقالت ذهب يتصيد و كان إسماعيل (عليه السلام) يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع فقال لها إبراهيم هل عندك ضيافة قالت ما عندي شي‏ء فقال لها إبراهيم (عليه السلام) إذا جاء زوجك فأقرءيه السلام و قولي له فليغير عتبة بابه و ذهب إبراهيم (عليه السلام) فلما جاء إسماعيل (عليه السلام) و وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت جاءني شيخ صفته كذا و كذا كالمستخفة بشأنه قال فما قال لك قالت قال لي أقرئي زوجك السلام و قولي فليغير عتبة بابه فطلقها و تزوج بأخرى فلبث إبراهيم ما شاء الله ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له و اشترطت عليه أن ينزل فجاء حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك فقالت ذهب يتصيد و هو يجي‏ء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله قال لها هل عندك ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن و اللحم و دعا لها بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير أو تمر لكان أكثر أرض الله برا أو تمرا أو شعيرا فقالت له انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه فغسلت شق رأسه الأيسر فقال لها إذا جاء زوجك فأقرءيه السلام و قولي له لقد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد رائحة أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ من أحسن الناس وجها و أطيبهم ريحا و قال لي كذا و كذا و غسلت رأسه و هذا موضع قدميه على المقام قال لها إسماعيل ذلك إبراهيم (عليه السلام) .


    [121]
    و عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الركن و المقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما و لو لا أن نورهما طمس لأضاء ما بين المشرق و المغرب .

    العياشي عن الصادق (عليه السلام) : قال أنزل الحجر الأسود من الجنة لآدم و كان في البيت درة بيضاء فرفعه الله تعالى إلى السماء و بقي أساسه فهو حيال هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أبدا فأمر الله إبراهيم و إسماعيل أن يبنيا البيت على القواعد .

    و عن ابن عباس قال : قدم إبراهيم في المقام فنادى أيها الناس إن الله دعاكم إلى الحج فأجابوا لبيك اللهم لبيك أجابه من في أصلاب الرجال و أول من أجابه أهل اليمن .

    تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى طَهِّرا بَيْتِيَ عن الصادق (عليه السلام) : يعني نح عنه المشركين و قال لما بنى إبراهيم (عليه السلام) البيت و حج الناس شكت الكعبة إلى الله تبارك و تعالى ما تلقى من أنفاس المشركين فأوحى الله إليها قري يا كعبة فإني أبعث في آخر الزمان قوما يتنظفون بقضبان الشجر و يتخللون .

    أقول : قضبان الشجر شامل للأراك و غيره و ربما توجد في موضع آخر تخصيصه بالأراك و إرادة العموم جائزة فإن السواك بمطلق قضبان الشجر مستحب و إن كان الأفضل هو الأراك بل ورد استحباب السواك بالأصابع و هو منزل بمراتب الفضل و الاستحباب.

    و فيه : في قوله تعالى وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يعني لإبراهيم و إسحاق و يعقوب مِنْ رَحْمَتِنا يعني برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) حدثني بذلك أبي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) .

    علل الشرائع بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه : لما بنى إبراهيم و إسماعيل (عليه السلام) البيت قالت امرأة إسماعيل و كانت عاقلة فهلا تعلق على هذين البابين سترا من هاهنا قال نعم فعملا له سترين طولهما اثنا عشر ذراعا فعلقهما على البابين فأعجبها ذلك فقالت فهلا أحوك للكعبة ثيابا و نسترها كلها فإن هذه الأحجار سمجة فقال إسماعيل بلى فأسرعت في ذلك و بعثت إلى قومها بصوف كثير تستغزل بهن

    [122]
    قال أبو عبد الله (عليه السلام) و إنما وقع استغزال بعضهن مع بعض لذلك فأسرعت و استعانت في ذلك فلما فرغت من شقة علقتها فجاء الموسم و قد بقي وجه من وجوه الكعبة فقالت لإسماعيل كيف نصنع بهذا الوجه الذي لم ندركه بكسوة فكسوه خصفا فجاء الموسم فجاءته العرب فنظروا إلى أمر فأعجبهم فقالوا ينبغي لعامر هذا البيت أن يهدى إليه فمن ثم وقع الهدي فأتى كل فخذ من العرب بشي‏ء يحمله من ورق و من أشياء و غير ذلك فنزعوا ذلك الخصف و أتموا كسوة البيت و علقوا عليها بابين و كانت غير مسقفة فسقفها إسماعيل بالجرائد فجاءت العرب فرأوا عمارتها فزادوا في الهدي فأوحى الله إليه أن انحره و أطعم الحاج و شكا إسماعيل إلى إبراهيم قلة الماء فأوحى الله تعالى إلى إبراهيم (عليه السلام) احتفر بئرا يكون منها شرب الماء فاحتفر زمزم و ضرب إبراهيم (عليه السلام) في أربع زوايا البئر فانفجرت من كل زاوية عين فقال جبرئيل (عليه السلام) اشرب يا إبراهيم و ادع لولدك فيها بالبركة ثم تزوج إسماعيل الحميرية و ولد منها ولد ثم تزوج بعدها أربع نسوة فولد له من كل واحدة أربع غلمان ثم قضى الله على إبراهيم بالموت فلم يره إسماعيل و لم يخبر بموته حتى كان أيام الموسم فنزل جبرئيل (عليه السلام) و أخبره بموت أبيه و كان لإسماعيل ابن صغير يحبه و كان هوى إسماعيل فيه فأبى الله عليه ذلك فقال يا إسماعيل هو فلان فلما قضى الموت على إسماعيل دعا وصيه فقال يا بني إذا حضرك الموت فافعل كما فعلت فمن ذلك لا يموت إمام إلا أخبره الله إلى من يوصي .

    تفسير علي بن إبراهيم مسندا إلى الصادق (عليه السلام) قال : إن إبراهيم (عليه السلام) كان نازلا في بادية الشام فلما ولد من هاجر إسماعيل اغتمت سارة من ذلك غما شديدا لأنه لم يكن له منها ولد و قد كانت تؤذي إبراهيم في هاجر فتغمه فشكا ذلك إلى الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه إنما مثل المرأة مثل الضلع المعوج إن تركت استمتعت بها و إن أقمتها كسرتها ثم أمره أن يخرج إسماعيل و أمه عنها فقال يا رب إلى أي مكان فقال إلى حرمي فأنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بالبراق فحمل هاجر و إسماعيل (عليه السلام) و كان إبراهيم (عليه السلام) لا يمر بموضع حسن فيه شجر و نخل و زرع إلا و قال يا جبرئيل إلى هاهنا فقال لا امض حتى وافى مكة فوضعه موضع البيت و قد كان عاهد سارة ألا ينزل حتى يرجع إليها فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها فاستظلوا تحته فلما وضعهم و أراد الانصراف إلى سارة قالت له هاجر يا إبراهيم تدعنا في موضع ليس فيه أنيس و لا ماء و لا زرع فقال إبراهيم (عليه السلام) الذي أمرني أن

    [123]
    أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم ثم انصرف عنهم فالتفت إليهم فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ فبقيت هاجر فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل و طلب الماء فقامت هاجر في الوادي في موضع المسعى فنادت هل في الوادي من أنيس فغاب إسماعيل عنها فصعدت على الصفا و لمع لها السراب في الوادي و ظنت أنه ماء فنزلت في بطن الوادي و سعت فلما بلغت المسعى غاب عنها إسماعيل ثم لمع لها السراب في موضع الصفا فهبطت إلى الوادي تطلب الماء فلما غاب عنها إسماعيل عادت حتى بلغت الصفا فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات فلما كان في الشوط السابع و هي على المروة نظرت إلى إسماعيل و قد ظهر الماء من تحت رجليه فجمعت حوله رملا فإنه كان سائلا فزمته بما جعلت حوله فلذلك سمي زمزم و كان جرهم نازلة بعرفات فلما ظهر الماء بمكة و عكفت الطير و الوحوش عليه اتبعوها حتى نظروا إلى امرأة و صبي نازلين في ذلك الموضع قد استظلا بشجرة قد ظهر الماء لهما قالوا لهاجر من أنت و ما شأنك و شأن هذا الصبي قالت أنا أم ولد إبراهيم خليل الرحمن و هذا ابنه فقالوا لها فتأذنين لنا أن نكون بالقرب منكم ثم إنها استأذنت إبراهيم فأذن لهم فنزلوا بالقرب منهم فأنست هاجر و إسماعيل بهم فلما رآهم إبراهيم (عليه السلام) في المرة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا فلما ترعرع إسماعيل (عليه السلام) و كانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كل واحد منهم شاة و شاتين و كانت هاجر و إسماعيل يعيشان بها فلما بلغ مبلغ الرجال أمر الله عز و جل إبراهيم أن يبني البيت فقال يا رب في أية بقعة أنا قال في البقعة التي أنزلت على آدم القبة فأضاء لها الحرم فلم تزل القبة التي أنزلها على آدم قائمة حتى كانت أيام الطوفان أيام نوح (عليه السلام) فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة و غرقت الدنيا فسميت البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق فلما أمر الله عز و جل إبراهيم أن يتخذ البيت فلم يدر في أي مكان فبعث الله عز و جل جبرئيل (عليه السلام) فخط له موضع البيت فأنزل الله عليه القواعد من الجنة و كان الحجر الذي أنزله الله على آدم أشد بياضا من الثلج فلما مسته أيدي الكفار اسود فبنى إبراهيم البيت و نقل إسماعيل الحجر من ذي طوى فرفعه في السماء تسعة أذرع ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم و وضعه في موضعه الذي هو فيه الآن و جعل له بابين بابا إلى المشرق و بابا إلى

    [124]
    المغرب يسمى المستجار ثم ألقى عليه الشجر و الإذخر و علقت هاجر على بابه كساء فلما بناه و فرغ منه حج إبراهيم و إسماعيل و نزل عليهما جبرئيل (عليه السلام) يوم التروية فقال جبرئيل (عليه السلام) قم فارتو من الماء لأنه لم يكن بمنى و عرفات ماء فسميت التروية لذلك ثم قال إبراهيم (عليه السلام) لما فرغ من بناء البيت رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قال من ثمرات القلوب أي حببه إلى الناس ليعودوا إليه .

    علل الشرائع بإسناده إلى محمد بن عرفة قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن من قبلنا يقولون إن إبراهيم خليل الرحمن ختن نفسه بقدوم على دن فقال سبحان الله ليس كما يقولون كذبوا على إبراهيم قلت له صف لي ذلك فقال إن الأنبياء (عليهم السلام) كان يسقط غلفهم مع سررهم يوم السابع فلما ولد إسماعيل سقط عنه غلفته مع سرته و عيرت بعد ذلك سارة هاجر بما تعير به الإماء فبكت هاجر و اشتد عليها و بكى لبكائها إسماعيل فأخبر إبراهيم فقام إلى مصلاه و ناجى ربه و سأله أن يلقي ذلك عن هاجر فألقاه الله عز و جل عنها فلما ولدت سارة إسحاق و كان يوم السابع لم تسقط غلفته فجزعت من ذلك سارة و قالت لإبراهيم ما هذا الحادث الذي حدث في أولاد الأنبياء هذا ابنك إسحاق سقطت سرته و لم تسقط غلفته فقام إبراهيم إلى مصلاه و ناجى ربه فقال يا رب ما هذا الحادث الذي حدث في آل إبراهيم هذا إسحاق ابني سقطت سرته و لم تسقط غلفته فأوحى الله عز و جل إليه هذا لما عيرت سارة هاجر فآليت أن لا أسقط ذلك عن أحد من أولاد الأنبياء بعد تعييرها لهاجر فاختتن إسحاق بالحديد و أذاقه حر الحديد فقال فختن إبراهيم إسحاق بحديد فجرت السنة في الناس بعد ذلك .

    أقول : القدوم المراد منه قدوم النجار و قول الجزي إنه قرية بالشام أو موضع على ستة أميال من المدينة غير مناسب هنا .

    و الدن الراقود العظيم أو أطول من الحب أو أصغر و فيه دلالة على اختتان إبراهيم محمول على التقية.

    مناقب ابن شهر شهرآشوب عن علي (عليه السلام) : أن الجمار إنما رميت بسبع حصيات لأن جبرئيل (عليه السلام) حين أرى إبراهيم (عليه السلام) المشاعر برز له إبليس فأمره جبرئيل أن يرميه فرماه بسبع حصيات فدخل عند الجمرة الأولى تحت الأرض فأمسك ثم إنه

    [125]
    برز عند الثانية فرماه بسبع حصيات أخر فدخل تحت الأرض في موضع الثانية ثم برز له في موضع الثالثة فرماه بسبع حصيات فدخل موضعها .

    و فيه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : السكينة ريح تخرج من الجنة لها صورة كصورة الإنسان و رائحة طيبة و هي التي أنزلت على إبراهيم (عليه السلام) فأقبلت تدور حول أركان البيت و هو يضع الأساطين .

    علل الشرائع عن ابن عباس قال : كانت الخيل العراب وحوشا بأرض العرب فلما رفع إبراهيم و إسماعيل القواعد من البيت قال الله إني أعطيتك كنزا لم أعطه أحدا كان قبلك فخرج إبراهيم و إسماعيل حتى صعدا جيادا يعني جبلا بمكة فقال ألا هلا ألا هلم فلم يبق في أرض العرب فرس إلا أتاه و تذلل له و أعطت بنواصيها و إنما سميت جيادا لهذا فما زال الخيل بعد تدعو الله أن يحببها إلى أربابها فلم تزل حتى اتخذها سليمان فلما آلمته أمر بها أن يمسح رقابها و سوقها حتى بقي أربعون فرسا .

    أقول : هذا زجر للخيل أي اقربي قاله الجوهري .

    و فيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما أمر الله عز و جل إبراهيم و إسماعيل (عليه السلام) ببنيان البيت و تم بناؤه أمره أن يصعد ركنا ثم ينادي في الناس ألا هلم إلى الحج فلو نادى هلموا إلى الحج لم يحج إلا من كان إنسيا مخلوقا و لكن نادى هلم إلى الحج فلبى الناس في أصلاب الرجال لبيك داعي الله فمن لبى عشرا حج عشرا و من لبى خمسا حج خمسا و من لبى أكثر فبعدد ذلك و من لبى واحدا حج واحدا و من لم يلب لم يحج و رواه في الكافي مثله .

    أقول : ذكروا في وجه الفرق أن الأصل في الخطاب أن يكون متوجها إلى الموجودين أما شمول الحكم للمعدومين فيستفاد من دليل آخر لا من نفس الخطاب إلا أن يكون المراد بالخطاب الخطاب العام المتوجه إلى كل من يصلح للخطاب فإنه شامل للواحد و الكثير و الموجود و المعدوم و الشائع في مثل هذا الخطاب أن يكون بلفظ المفرد بل صرح بعض أهل العربية بأنه لا يتأتى إلا بالمفرد و في الكافي أسقط لفظ إلى في المفرد و أثبتها في الجمع و جعله بعضهم هو وجه الفرق بأن يكون في المفرد المخاطب هو الحج مجازا لبيان كونه مطلوبا من غير خصوصية شخص أي هلم أيها الناس الحج.

    [126]
    و في الفقيه كلمة إلى موجودة في المواضع و فيه عند ذكر المفرد في الموضعين نادى و عند ذكر الجمع ناداهم و من ثم قال بعض المحققين ليس مناط الفرق بين أفراد الصيغة و جمعها بل ما في الحديث بيان للواقعة .

    و المراد أن إبراهيم (عليه السلام) نادى هلم إلى الحج بلا قصد إلى مناد معين أي الموجودين لكان الحج مخصوصا بالموجودين فلذا يعم الموجودين و المعدومين فلو ناداهم إلى الموجودين و قال هلموا إلى الحج قاصدا إلى الموجودين لكان الحج مخصوصا بالموجودين فضمير هم في ناداهم راجع إلى الناس الموجودين فالمناط قصد المنادي المعين المشعر إليه بلفظهم في إحدى العبارتين و عدم القصد في الأخرى المشعر إليه بذكر نادى مطلقا لا الإفراد و الجمع. أقول وجه التحقيق فيه أن الموجودين وقت الخطاب كانوا جماعة من الأحياء فلو خاطبهم باللفظ الصالح لهم لكان متوجها إليهم لأن الأصل في الخطاب أن يكون متوجها إلى من يقبل صيغة الخطاب و لما عدل عنه إلى الإفراد مع عدم القرينة على تعيين المخاطب كان شاملا لكل من يقبل أن يكون مخاطبا و لو بعد الوجود و إلا لكان الخطاب عبثا خاليا عن الحكمة و الفائدة .

    و فيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : إن الله جل جلاله لما أمر إبراهيم (عليه السلام) ينادي في الناس بالحج قام على المقام فارتفع به حتى صار بإزاء أبي قبيس فنادى في الناس بالحج فأسمع من في أصلاب الرجال و أرحام النساء إلى أن تقوم الساعة.

    و فيه عنه (عليه السلام) : أن الله عز و جل أوحى إلى إبراهيم وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا فنادى فأجيب من كل فج عميق و قال إنما سميت الخيل العراب لأن أول من ركبها إسماعيل و قال (عليه السلام) إن بنات الأنبياء لا يطمثن إنما جعل الطمث عقوبة و أول من طمثت سارة .

    و عنه (عليه السلام) : صار السعي بين الصفا و المروة لأن إبراهيم (عليه السلام) عرض له إبليس فأمره جبرئيل (عليه السلام) فشد عليه فهرب منه فجرت به السنة يعني به الهرولة .

    و فيه عن الرضا (عليه السلام) : إنما سميت منى بمنى لأن جبرئيل (عليه السلام) قال هناك يا إبراهيم تمن على ربك ما شئت فتمنى إبراهيم في نفسه أن يجعل الله مكان ابنه إسماعيل كبشا يأمره الله بذبحه فداء له فأعطاه الله .


    [127]
    و فيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أن جبرئيل (عليه السلام) خرج بإبراهيم (عليه السلام) يوم عرفة فلما زالت الشمس قال له جبرئيل (عليه السلام) يا إبراهيم اعترف بذنبك و اعرف مناسكك فسميت عرفات لقول جبرئيل (عليه السلام) اعرف و اعترف و قال إن جبرئيل (عليه السلام) انتهى إلى الموقف فأقام به حتى غربت الشمس ثم أفاض به فقال يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام .

    و فيه عن أبي عن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في : قول سارة اللهم لا تؤاخذني بما صنعت بهاجر إنها كانت خفضتها فجرت السنة بذلك .

    أقول : فيه بيان ما تقدم من أن الذي عيرت سارة بهاجر هو هذا نعم الموجود هناك هو أن الله سبحانه ألقاها عنه و هاهنا أن سارة خفضتها و لم تقصد سارة من ذلك الخفض التطهير و السنة بل قصدت به الإيذاء و الإضرار بها كما تقطع الفروج إضرارا بأهلها .

    و فيه عن أبي الحسن (عليه السلام) : أن إبراهيم دعا ربه أن يرزق أهله من كل الثمرات فقطع له قطعة من الشام فأقبلت بثمارها حتى طافت بالبيت سبعا ثم أقرها الله عز و جل في موضعها فإنما سميت الطائف للطواف بالبيت .

    قصص الأنبياء بإسناده إلى علي (عليه السلام) قال : شب إسماعيل و إسحاق فتسابقا فسبق إسماعيل فأخذه إبراهيم فأجلسه في حجره و أجلس إسحاق إلى جنبه فغضبت سارة و قالت أما إنك قد جعلت أن لا تساوي بينهما فاعزلهما عني فانطلق إبراهيم (عليه السلام) بإسماعيل و أمه إلى مكة الحديث .


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11161
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب السادس في قصص إبراهيم (عليه السلام) و فيه فصول)

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 8:47 am




    الفصل الخامس
    في قصة الذبح و تعيين المذبوح


    قال الله تعالى وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ

    [128]
    ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ .


    فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي شب حتى صار يتصرف مع إبراهيم و يعينه على أموره و كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة و قيل يعني بالسعي العمل لله و العبادة فَلَمَّا أَسْلَما أي استسلما لأمر الله و رضيا به .

    وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ قيل وضع جبينه على الأرض لئلا يرى وجهه فتلحقه رقة الآباء .

    و روي : أنه قال اذبحني و أنا ساجد لا تنظر إلى وجهي فعسى أن يرحمني.

    لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ أي الامتنان الظاهر و الاختبار الشديد أو النعمة الظاهرة بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قيل كان كبشا من الغنم .

    قال ابن عباس هو الكبش الذي تقبل من هابيل حين قربه و كونه عظيما لأنه رعى في الجنة أربعين خريفا وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ من قال إن الذبيح إسحاق قال يعني بشرناه بنبوة إسحاق و بصبره .

    وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ أي و جعلناه فيما أعطيناهما من الخير و البركة و المراد كثرة ولدهما و بقاؤهم قرنا بعد قرن إلى أن تقوم الساعة وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما أي من أولاد إبراهيم و إسحاق مُحْسِنٌ بالإيمان و الطاعة وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالكفر و المعاصي .

    عيون أخبار الرضا بإسناده إلى الرضا (عليه السلام) و قد سئل عن معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا ابن الذبيحين قال : يعني إسماعيل بن إبراهيم و عبد الله بن عبد المطلب أما إسماعيل فهو الغلام الذي قال الله فيه إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فلما عزم على ذبحه فداه الله بكبش أملح يأكل في سواد و ينظر في سواد و يبول في سواد و يبعر في سواد و كان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما و ما خرج من أنثى فكل ما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة ثم ذكر قصة عبد الله .

    ثم قال الصدوق (رحمه الله) و قد اختلفت الروايات في الذبح .

    فمنها ما ورد بأنه إسماعيل و منها ما ورد بأنه إسحاق و لا سبيل إلى رد الأخبار متى صح طرقها و كان الذبيح إسماعيل لكن إسحاق لما ولد بعد ذلك تمنى

    [129]
    أنه هو الذي أمر أبوه بذبحه فكان يصبر لأمر الله و يسلم له كصبر أخيه و تسليمه فينال بذلك درجته في الثواب فعلم الله عز و جل من قلبه فسماه بين ملائكته ذبيحا لتمنيه ذلك .

    ثم روي في ذلك حديثا عن الصادق (عليه السلام) : و قال :

    قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا ابن الذبيحين .

    و يؤيد ذلك لأن العم قد سماه الله أبا في قوله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ و كان إسماعيل عم يعقوب فسماه الله أبا .

    و قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : العم والد .

    فعلى هذا الأصل أيضا يطرد قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا ابن الذبيحين أحدهما ذبيح بالحقيقة و الآخر ذبيح بالمجاز و استحقاق الثواب على النية و التمني فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ابن الذبيحين من وجهين على ما ذكرناه و للذبح العظيم وجه آخر .

    حدثنا ابن عبدوس عن ابن قتيبة عن الفضل قال سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : لما أمر الله عز و جل إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم (عليه السلام) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل و أنه لم يؤمر بذبح ذلك الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بيده عليه فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب فأوحى الله عز و جل إليه يا إبراهيم من أحب خلقي إليك قال يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأوحى الله إليه فهو أحب إليك أم نفسك قال بل هو أحب إلي من نفسي قال فولده أحب إليك أم ولدك قال بل ولده قال فذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أم ذبح ولدك بيدك في طاعتي قال يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي قال يا إبراهيم فإن طائفة تزعم أنها من شيعة محمد ستقتل الحسين من بعده ظلما و عدوانا كما يذبح الكبش و يستوجبون بذلك سخطي فجزع إبراهيم (عليه السلام) لذلك و توجع قلبه و أقبل يبكي فأوحى الله عز و جل إلى إبراهيم (عليه السلام) قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين و قتله و أوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب و ذلك قول الله عز و جل وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ .


    [130]
    أقول : هذا الحديث يرفع الإشكال الذي ربما يورد على أن المراد بالفداء الحسين (عليه السلام) بأن يقال إنه أفضل من إسماعيل فكيف يكون فداء له لأن الفداء أنفس درجة من المفدى .

    و حاصل رفع الإشكال أن المراد من قوله وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ عوضناه لأن الفداء يكون عوضا عن المفدى و المعنى حينئذ أنا جعلنا مصيبة إبراهيم (عليه السلام) و حزنه عليه بدلا من مصيبته بذبح ابنه فيكون الله سبحانه قد رقاه في درجات التكليف و مصائب الحزن .

    و ربما رفع جماعة من الأعلام هذا الإشكال بوجه آخر و هو أن إسماعيل أب للنبي و أهل بيته و الأئمة الطاهرين (صلى الله عليه وآله وسلم) فلو ذبح إسماعيل (عليه السلام) فقد بذبحه جميع أهل هذه الشجرة المباركة و لا ريب أن مجموع هذه السلسلة العليا أفضل و أشرف من الحسين (عليه السلام) وحده و ما في الحديث هو الأولى .

    و في تفسير علي بن إبراهيم في حديث طويل عن الصادق (عليه السلام) : و فيه أنه لما أسلم إسماعيل أمره إلى الله في حكاية الذبح و أراد إبراهيم (عليه السلام) ذبحه أقبل شيخ و قال يا إبراهيم ما تريد من الغلام قال أريد أن أذبحه فقال سبحان الله تذبح غلاما لم يعص الله طرفة عين فقال إبراهيم إن الله أمرني بذلك فقال ربك ينهاك عن ذلك و إنما أمرك بهذا الشيطان فقال له إبراهيم ويلك إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به ثم قال يا إبراهيم إنك إمام يقتدى بك و إنك إن ذبحته ذبح الناس أولادهم فلم يكلمه و أقبل على الغلام فاستشاره في الذبح فلما أسلما جميعا لأمر الله قال الغلام يا أبتاه خمر وجهي و شد وثاقي فقال إبراهيم (عليه السلام) يا بني الوثاق مع الذبح لا و الله لا أجمعها عليك فأضجعه و أخذ المدية فوضعها على حلقه و رفع رأسه إلى السماء ثم جر عليه المدية و قلب جبرئيل المدية على قفاها و اجتر الكبش و أثار الغلام من تحته و وضع الكبش مكان الغلام و نودي من ميسرة مسجد الخيف أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا .

    و فيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : سأل ملك الروم الحسن بن علي (عليه السلام) عن سبعة أشياء خلقها الله لا تركضن في رحم فقال (عليه السلام) أول هذا آدم ثم كبش إبراهيم ثم ناقة الله ثم إبليس الملعون ثم الحية ثم الغراب التي ذكرها الله في القرآن.

    و في عيون الأخبار قال : سأل الشامي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ستة لم يركضوا

    [131]
    في رحم فقال آدم و حواء و كبش إبراهيم و عصا موسى و ناقة صالح و الخفاش الذي عمله عيسى (عليه السلام) فطار بإذن الله عز و جل .

    علل الشرائع مسندا إلى أبان بن عثمان قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كيف صار الطحال حراما و هو من الذبيحة فقال إن إبراهيم (عليه السلام) هبط عليه الكبش من ثبير و هو جبل بمكة ليذبحه أتاه إبليس فقال له أعطني نصيبي من هذا الكبش قال و أي نصيب لك و هو قربان لربي و فداء لابني فأوحى الله عز و جل إليه أن له فيه نصيبا و هو الطحال لأنه مجمع الدم و حرم الخصيتين لأنهما موضع النكاح و مجرى النطفة فأعطاه الله الطحال و الأنثيين و هما الخصيتان قال فقلت فكيف حرم النخاع قال لأنه موضع الماء الدافق من كل ذكر و أنثى و هو المخ الطويل الذي يكون في فقار الظهر .

    و في الكافي عن الرضا (عليه السلام) : لو علم الله شيئا أكرم من الضأن لفدى به إسماعيل ع.

    أقول : اختلف علماء الإسلام في تعيين الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق (عليه السلام) فذهبت الطائفة المحقة من أصحابنا و جماعة من العامة إلى أنه إسماعيل (عليه السلام) و الأخبار الصحيحة دالة عليه (عليه السلام) دلالة غيرهما من الآيات و دلائل العقل و ذهب طائفة من الجمهور إلى أنه إسحاق (عليه السلام) و به أخبار واردة من الطرفين و طريق تأويلها أما تحمل على التقية و أما حملها على ما قاله الصدوق طاب ثراه من أن إسحاق (عليه السلام) صار ذبيحا بالنية و التمني .

    و روى شيخنا أمين الإسلام الطبرسي رحمه الله : أن إبراهيم (عليه السلام) لما خلا بابنه إسماعيل أخبره بما قد ذكر الله عنه في المنام فقال يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب و اكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح من دمي شي‏ء فتراه أمي و أشحذ شفرتك و أسرع من السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد فقال له إبراهيم نعم العون أنت على أمر الله .



      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 25, 2018 3:02 pm