منتديات أطياب العراق

اهلا وسهلا بكم في منتدياتكم منتديات أطياب العراق

منتديات أطياب العراق اسلاميه اجتماعيه ثقافيه سياسيه رياضيه ترفيهيه والمزيد...........

  اعلان هام جدا     " ان منتديات أطياب العراق بحاجه الى اعضاء ومشرفين فمن يجد في نفسه القدره على ذلك ماعليه سوى التسجيل في المنتدى ثم كتابه شيء بسيط من سيرته الذاتيه في قسم الشكاوي والاقتراحات وان واجه اي مشكله في التسجيل يمكنه طرح مايريد في منتدى الزوار والذي يقع داخل قسم الشكاوي والاقتراحات (علما ان الترشيح لكلا الجنسين). "       الاداره

    كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب التاسع في قصص يعقوب و يوسف - عليه السلام - )

    شاطر
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11421
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب التاسع في قصص يعقوب و يوسف - عليه السلام - )

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 9:01 am



    الباب التاسع
    في قصص يعقوب و يوسف (عليه السلام)


    تفسير علي بن إبراهيم مسندا إلى جابر بن عبد الله الأنصاري في قول الله عز و جل إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ .

    و هي الطارق و حوبان و الذيال و ذو الكتفين و وثاب و قابس و عموران و فيلق و مصبح و الصبوح و الغروب و الضياء و النور يعني الشمس و القمر و كل هذه محيطة بالسماء .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) في تأويل هذه الرؤيا : أنه سيملك مصر و يدخل عليه أبواه و إخوته .

    و أما الشمس فأم يوسف راحيل و القمر يعقوب و الكواكب إخوته فلما دخلوا عليه سجدوا لله شكرا حين نظروا إليه و كان ذلك السجود لله.

    و قال (عليه السلام) : إنه كان من خبر يوسف (عليه السلام) أنه كان له أحد عشر أخا و كان له أخ من أمه يسمى بنيامين و كان يعقوب إسرافيل الله أي خالصة فرأى يوسف هذه الرؤيا و له تسع سنين فقصها على أبيه فقال يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ .

    و كان يوسف من أحسن الناس وجها و كان يعقوب يحبه و يؤثره على الأولاد فحسده إخوته على ذلك و قالوا ما بينهم ما حكى الله عنهم إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا و عمدوا على قتل يوسف حتى يخلو لهم وجه أبيهم إلى آخر الآيات .

    و أما أسماؤهم فزوتيل و هو أكبرهم و شمعون و لاوي و يهودا و ريالون و يشجر

    [159]
    و أمهم إليا ابنة خالة يعقوب ثم توفت إليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف و بنيامين و ولد له من السرية بجماع أو مطلق لهم الشي‏ء من سريتين له اسم إحداهما زلفة و الأخرى بلهة أربع و يقنالي و أحاد و أشر .

    و أكثر المفسرين على أن إخوة يوسف كانوا أنبياء .

    و قال بعضهم لم يكونوا أنبياء الأنبياء لا تقع منهم القبائح .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : أنهم لم يكونوا أنبياء .

    و قوله إِنِّي أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ .

    قيل كانت أرضهم مذأبة و كانت السباع ضارية في ذلك الوقت .

    و قيل : إن يعقوب رأى في منامه كان يوسف قد شد عليه عشرة أذؤب ليقتلوه و إذا ذئب منها يحمي عنه فكان الأرض انشقت فدخل فيها يوسف (عليه السلام) فلم يخرج إلا بعد ثلاثة أيام .

    فمن ثم قال هذا فلقنهم العلة و كانوا لا يدرون .


    و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : لا تلقنوا الكذب فتكذبوا فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الإنسان حتى لقنهم أبوهم .

    و قيل كان يوم ألقي في الجب عمره عشر سنين و قيل اثنتا عشرة و قيل سبع و قيل تسع .

    و جمع بينه و بين أبيه و هو ابن أربعين سنة .

    و لما ألقوه في غيابة الجب قالوا له انزع قميصك فبكى فقال يا إخوتي تجردوني فسل واحد منهم السكين عليه و قال لئن لم تنزعه لأقتلنك فنزعه فدلوه في الجب و تنحوا عنه فقال (عليه السلام) في الجب يا إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب ارحم ضعفي و قلة حيلتي و صغري فنزلت سيارة من أهل مصر فبعثوا رجلا ليستقي لهم الماء من الجب فلما أدلى الدلو على يوسف تشبث بالدلو فجروه فنظروا إلى غلام من أحسن الناس وجها فعدوا إلى صاحبهم فقالوا يا بشرى هذا غلام فنخرجه و نبيعه و نجعله

    [160]
    بضاعة لنا فبلغ إخوته فجاءوا فقالوا هذا عبد لنا آبق ثم قالوا ليوسف لئن لم تقر لنا بالعبودية لنقتلنك فقالت السيارة ليوسف ما تقول فقال أنا عبدهم فقالت السيارة فتبيعوه منا قالوا نعم فباعوه على أن يحملوه إلى مصر و شروه بثمن بخس دراهم معدودة كانت ثمانية عشر درهما .

    عن الرضا (صلى الله عليه وآله وسلم) : كانت عشرين درهما و هي قيمة كلب الصيد إذا قتل.

    أقول : المشهور بين الأصحاب رضوان الله عليهم أن في كلب الغنم عشرين درهما و في كلب الصيد أربعين أو القيمة فيهما أما البائعون فهم إخوته .

    و قيل : باعه الواجدون بمصر و قيل إن الذين أخرجوه من الجب باعوه من السيارة و الأصح الأول .

    و قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أعطي يوسف شطر الحسن و النصف الآخر لباقي الناس.

    و فيه أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالوا : إنهم ذبحوا جديا على قميصه قالوا نعمد إلى قميصه فنلطخه بالدم و نقول لأبينا إن الذئب أكله فلما فعلوا ذلك قال لهم لاوي يا قوم أ تظنون أن الله يكتم هذا الخبر عن نبيه يعقوب فقالوا و ما الحيلة قال نقوم و نغتسل و نصلي جماعة و نتضرع إلى الله تعالى أن يكتم ذلك عن أنبيائه إنه جواد كريم فاغتسلوا و كان في سنة إبراهيم و إسحاق و يعقوب أنهم لا يصلون جماعة حتى يبلغوا أحد عشر رجلا فيكون واحد منهم إماما و عشرة يصلون خلفه قالوا كيف نصنع و ليس لنا إمام فقال لاوي نجعل الله إمامنا فصلوا و بكوا و تضرعوا و قالوا يا رب اكتم علينا هذا ثم جاءوا إلى أبيهم عشاء يبكون و معهم القميص قد لطخوه بالدم ف قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي نعدو وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ... الآية فقال يعقوب ما كان أشد غضب ذلك الذئب على يوسف و أشفقه على قميصه حيث أكل يوسف و لم يمزق قميصه فحملوا يوسف إلى مصر و باعوه من عزيز مصر فقال العزيز لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ أي مكانه عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً و لم يكن لهم ولد فأكرموه و ربوه فلما بلغ أشده هوته امرأة العزيز و كانت لا تنظر إلى يوسف امرأة إلا هوته و لا رجل إلا أحبه و كان وجهه مثل القمر ليلة البدر فراودته امرأة العزيز كما قال تعالى وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ... الآية

    [161]
    فما زالت تخدعه حتى كان كما قال الله تعالى وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فقامت امرأة العزيز و غلقت الأبواب فلما رأى يوسف صورة يعقوب في ناحية البيت عاضا على إصبعه يقول يا يوسف أنت في السماء مكتوب في النبيين و تريد أن تكتب في الأرض من الزناة فعلم أنه قد أخطأ و تعدى .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) : لما همت به و هم بها قامت إلى صنم في بيتها فألقت عليه ثوبا و قالت لا يرانا فإني أستحي منه فقال يوسف أ فأنت تستحين من صنم لا يسمع و لا يبصر و أنا لا أستحي من ربي فوثب و عدا و عدت من خلفه و أدركهما العزيز على هذه الحالة و هو قوله عز و جل وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ فبادرت امرأة العزيز فقالت له ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ فقال يوسف للعزيز هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فألهم الله يوسف أن قال للملك سل هذا الصبي في المهد فإنه يشهد أنها راودتني عن نفسي فقال العزيز للصبي فأنطق الله الصبي في المهد ليوسف حتى قال إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فلما رأى العزيز قميص يوسف قد تخرق من دبر قال لامرأته إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ثم قال ليوسف أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ فشاع الخبر بمصر و جعلن النساء يتحدثن بحديثها و يعذلنها و هو قوله تعالى وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها فبلغ ذلك امرأة العزيز فبلغت إلى كل امرأة رئيسة فجمعن في منزلها و هيأت لهن مجلسا و دفعت إلى كل امرأة أترجة و سكينا فقالت أقطعن ثم قالت ليوسف اخرج عليهن فلما نظرن إليه أقبلن يقطعن أيديهن و قلن إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ فقالت امرأة العزيز فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي امتنع وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ فما أمسى يوسف في ذلك اليوم حتى بعثت إليه كل امرأة رأته تدعوه إلى نفسها فضجر يوسف فقال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ و أمرت امرأة العزيز بحبسه فحبس .


    [162]
    أقول الصبي الذي كان في المهد هو ابن أخت زليخا و كان ابن ثلاثة أشهر و لما قطعن أيديهن لم يجدن وجع و هذا حال العشق إذا غلب على القلب كما في حكاية اليهودي الذي كان يصلح طعاما لجاريته في مرضها فلما سمع أنينها سقطت المغرفة التي كان يخوط القدر بها من يده فعاد يخوط القدر بيده حتى تناثر لحم يده و ما شعر به و قد وقع مثله لكثير عزة و لغيره من العشاق السبعة و قد شاهدت أنا في شيراز رجلا يمشي و الناس وراءه و في يديه في كل واحدة سكينا يضرب بها على صدره و اللحم يتناثر من بدنه و هو لا يحس به فسألت عنه فقيل إنه كان له محبوب فغيبوه عن نظره .

    و تحقيق هذه المقالة في كتابنا مقامات النجاة و زهر الربيع بما لا مزيد عليه .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ... فالآيات هي شهادة الصبي و القميص المخرق من دبر و استباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب فلما عصاها لم تزل مولعة لزوجها حتى حبسه و دخل معه السجن فتيان يقول عبدان للملك أحدهما خباز و الآخر صاحب الشراب و الذي كذب و لم ير المنام هو الخباز و سبب حبسهما أنه سعي بهما إلى الملك أنهما أرادا أن يسماه .

    و قال علي بن إبراهيم : و وكل الملك بيوسف رجلين يحفظانه فلما دخل السجن قالوا له ما صناعتك قال أعبر الرؤيا فرأى أحد الموكلين في نومه كما قال أعصر خمرا قال يوسف تخرج من السجن و تصير على شراب الملك و ترتفع منزلتك عنده و قال الآخر إني أرى في المنام أحمل فوق رأسي خبزا تأكل منه الطير و لم يكن رأى ذلك فقال له يوسف أنت يقتلك الملك و يصلبك و تأكل الطير من دماغك فجحد الرجل و قال إني لم أر ذلك فقال له يوسف قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ فلما أراد من رأى في نومه أنه يعصر خمرا الخروج من الحبس قال له يوسف اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فكان كما قال الله عز و جل فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ .

    أقول : قال أمين الإسلام الطبرسي القول في ذلك إن الاستغاثة بالعباد في دفع

    [163]
    المضار و التخلص من المكاره جائز غير منكر و لا قبيح بل ربما يجب و كان نبينا ص يستعين فيما ينوبه بالمهاجرين و الأنصار و غيرهم و لو كان قبيحا لم يفعله فلو صحت هذه الرواية فإنما عوتب (عليه السلام) على ترك عادته الجميلة في الصبر و التوكل على الله سبحانه في كل أموره دون غيره وقت ابتلائه و إنما كان يكون قبيحا لترك التوكل على الله و اقتصر على غيره .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما مضت مدة يوسف (عليه السلام) في السجن و أذن له في دعاء الفرج وضع خده على الأرض ثم قال اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بوجه آبائي الصالحين إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب ففرج الله عنه قلت جعلت فداك أ ندعو نحن بهذا الدعاء فقال ادع بمثله اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة (عليهم السلام) .

    و قال علي بن إبراهيم : إن الملك رأى رؤيا فقال لوزرائه إني رأيت في نومي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف أي مهازيل و رأيت سبع سنبلات خضر و أخر يابسات فلم يعرفوا تأويل ذلك فذكر الذي كان على رأس الملك رؤياه التي رآها و ذكر يوسف بعد سبع سنين فأرسلوا إليه فقال أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ فقال يوسف تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ متواليات فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي سبع سنين مجاعة شديدة يأكلن ما قدمتم لهن في السبع السنين الماضية .

    فرجع الرجل إلى الملك فأخبره بما قال يوسف وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعني الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ فجمع الملك النسوة ف قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي لا أكذب عليه الآن كما كذبت عليه من قبل ثم قالت وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ف قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فلما نظر إلى يوسف قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ سل حاجتك

    [164]
    قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يعني الكناديج و الأنابير فجعله عليهما .

    أقول : قوله وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي من كلام يوسف (عليه السلام) على قول أكثر المفسرين.

    و قيل : هو من كلام امرأة العزيز كما قاله علي بن إبراهيم .

    و الأول أشهر و أظهر و الكندوج شبه المخزن معرب كندود .

    و قال علي بن إبراهيم : و كان بينه و بين أبيه ثمانية عشر يوما و كان في بادية و كان الناس من الآفاق يخرجون إلى مصر ليمتاروا طعاما و كان يعقوب و ولده نزولا في بادية فيه مقل فأخذوا إخوة يوسف من ذلك المقل و حملوا إلى مصر ليمتاروا به .

    و قيل : كان بضاعتهم بيع النعل و كان يوسف يتولى البيع بنفسه فلما دخل إخوته عليه عرفهم و لم يعرفوه فلما جهزهم أحسن جهازهم قال لهم من أنتم قالوا نحن بنو يعقوب قال فما فعل أبوكم قالوا شيخ ضعيف قال فلكم أخ غيركم قالوا لنا أخ من أبينا لا من أمنا قال فإذا رجعتم إلي فأتوني به فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي قالوا سنراود عنه أباه قال يوسف لقومه هذه البضاعة التي حملوها إلينا اجعلوها بين رحالهم حتى إذا رأوها رجعوا إلينا يعني لا أحتمل أن يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون بها إلينا .

    فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا بنيامين نكتل و إنا له لحافظون قال يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فلما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم في رحالهم التي حملوها إلى مصر قالوا يا أبانا ما نبغي أي ما نريد هذه بضاعتنا ردت إلينا و نمير أهلنا و نحفظ أخانا قال يعقوب لن أرسله معكم حتى تحلفوا لي أن تأتوني به إلا أن تغلبوا في شأنه فخرجوا و قال لهم يعقوب لا تدخلوا من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة و ما أغني عنكم من الله من شي‏ء إن الحكم إلا لله عليه توكلت فلما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شي‏ء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها و إنه لذو علم لما علمناه .

    أقول إن إخوة يوسف (عليه السلام) لم يعرفوه لطول العهد و مفارقتهم إياه في سن الحداثة و توهمهم أنه هلك و بعد حاله التي رأوه عليها من حين فارقوه .


    [165]
    و قوله لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ المشهور بين المفسرين أنه إنما قال ذلك لما خاف عليهم من العين .

    و قيل : لما اشتهروا بمصر بالحسن و الجمال و إكرام الملك لهم خاف عليهم حسد الناس .

    ثم إن العبد مأمور بملاحظة الأسباب و عدم الاعتماد عليها و التوكل على الله قال أولا ما يلزمه من الحزم و التدبير ثم تبرأ من الاعتماد على الأسباب بقوله وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ .

    فخرجوا و خرج معهم بنيامين و كان لا يؤاكلهم و لا يجالسهم و لا يكلمهم .

    فلما دخلوا على يوسف و سلموا نظر يوسف إلى أخيه فعرفه فجلس منهم بالبعيد فقال يوسف أنت أخوهم قال نعم قال فلم لا تجلس معهم قال لأنهم أخرجوا أخي عن أبي و أمي ثم رجعوا و زعموا أن الذئب أكله فآليت على نفسي أن لا اجتمع معهم ما دمت حيا قال فهل تزوجت و ولد لك قال نعم ثلاث بنين سميت واحدا منهم الذئب و واحدا منهم القميص و واحدا الدم قال و كيف اخترت هذه الأسماء قال لئلا أنسى أخي كلما دعوت واحدا من ولدي ذكرت أخي قال يوسف لهم اخرجوا و حبس بنيامين فلما خرجوا من عنده قال يوسف لأخيه أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ثم قال له أنا أحب أن تكون عندي فقال لا يدعوني إخوتي فإن أبي قد أخذ عليهم ميثاق الله أن يردوني إليه قال أنا أحتال بحيلة فلا تخبرهم بشي‏ء فقال لا فلما جهزهم بجهازهم و أحسن إليهم قال لبعض قوامه اجعلوا هذا الصاع في رحل هذا و كان الصاع الذي يكيلون به من ذهب فجعلوه في رحله من حيث لم يقف عليه إخوته فلما ارتحلوا بعث إليهم يوسف و حبسهم ثم أمر مناديا ينادي أيتها العير إنكم لسارقون فقال إخوة يوسف ما ذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك و لمن جاء به حمل بعير و أنا به زعيم أي كفيل فقال إخوة يوسف تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض و ما كنا سارقين قال يوسف فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله حبسه فهو جزاؤه فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه فحبسوا أخاه و هو قوله تعالى وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي احتلنا له ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ .

    و سئل الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ قال : ما

    [166]
    سرقوا و ما كذب إنما عنى سرقتم يوسف من أبيه.

    فلما أخرج ليوسف الصاع من رحل أخيه قال إخوته إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف فتغافل يوسف (عليه السلام) و هو قوله فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ فاجتمعوا إلى يوسف و جلودهم تقطر دما أصفر و كانوا يجادلونه في حبسه و كان ولد يعقوب إذا غضبوا خرج من ثيابهم شعر و يقطر من رءوسها دم أصفر و هم يقولون له أيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فأطلق عن هذا فقال يوسف مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ و لم يقل إلا من سرق متاعنا إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ فلما أيسوا و أرادوا الانصراف إلى أبيهم قال لهم يهودا بن يعقوب أ لم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله في هذا و من قبل ما فرطتم في يوسف فارجعوا أنتم إلى أبيكم أما أنا فلا أرجع إليه حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي و هو خير الحاكمين ثم قال لهم ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ فرجع إخوة يوسف إلى أبيهم و تخلف يهودا فدخل على يوسف و كلمه حتى ارتفع الكلام بينه و بين يوسف و غضب و كانت على كتف يهودا شعرة فقامت الشعرة فأقبلت تقذف بالدم و كان لا يسكن حتى يمسه بعض ولد يعقوب و كان بين يدي يوسف ابن له في يده رمانة من ذهب يلعب بها فأخذ الرمانة من الصبي ثم دحرجها نحو يهودا و تبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا فذهب غيظه فارتاب يهودا و رجع الصبي بالرمانة إلى يوسف حتى فعل ذلك ثلاثا .

    أقول السقاية المشربة التي كان يشرب منها الملك ثم جعل صاعا في السنين الشداد القحاط يكال به الطعام و قوله إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ تورية على وجه المصلحة أي سرقتم يوسف .

    ثم قال علي بن إبراهيم : فلما رجعوا إلى أبيهم و أخبروه بخبر أخيهم قال يعقوب بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعني يوسف و بنيامين و يهودا الذي تخلف بمصر ثم تولى عنهم وَ قالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ يعني عميت من البكاء فَهُوَ كَظِيمٌ أي محزون الأسف أشد الحزن .

    و سئل أبو عبد الله (عليه السلام) ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف فقال : حزن سبعين ثكلى بأولادها و قال إن يعقوب لم يعرف الاسترجاع فمنها قال وا أسفى على يوسف.


    [167]
    أقول : جاء في الحديث لم تعط أمة من الأمم إنا لله و إنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أ لا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصاب لم يسترجع و قال يا أسفا و ذلك لما جاء في الحديث من أن المسترجع عند المصيبة يبنى له بيت في الجنة و كلما ذكر المصيبة و استرجع كان له مثل ثوابه عند الصدمة الأولى .

    ثم اعلم أنه اختلف في قوله وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ كما أن الشيعة اختلفوا في أنه هل يجوز على الأنبياء مثل هذا النقص في الخلقة .

    قال أمين الإسلام الطبرسي لا يجوز لأن ذلك ينفر .

    و قيل : يجوز أن لا يكون فيه تنفير و يكون بمنزلة سائر العلل و الأمراض انتهى فمن قال لا يجوز ذلك يقول إنه ما عمي و لكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا و يئول بأن المراد أنه غلبه البكاء و عند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء و من يجوز ذلك يحملها على ظاهرها .

    و الحق أنه لم يقم دليل على امتناع ذلك حتى يحتاج إلى تأويل الآيات و الأخبار الدالة على حصوله على أنه يحتمل كما قيل أن يكون على وجه لا يكون فيه نقص و لا عيب في ظاهر الخلقة و الأنبياء (عليهم السلام) يبصرون بقلوبهم ما يبصر غيرهم بعينيه .

    و فيه أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سدير أخبرني عن يعقوب حين قال لولده اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ كان علم أنه حي و قد فارقه منذ عشرين سنة و ذهبت عينه عليه من البكاء قال نعم علم أنه حي دعا ربه في السحر أن يهبط عليه ملك الموت فهبط عليه ملك الموت بأطيب رائحة و أحسن صورة فقال له من أنت فقال أنا ملك الموت أ ليس سألت الله أن ينزلني عليك ما حاجتك يا يعقوب قال له أخبرني عن الأرواح تقبضها جملة أو متفرقة قال تقبضها أعواني متفرقة و تعرض علي مجتمعة قال يعقوب فأسألك بإله إبراهيم و إسحاق و يعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف فقال لا فعند ذلك علم أنه حي فقال لولده اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ .

    و كتب عزيز مصر إلى يعقوب : أما بعد فهذا ابنك اشتريته بثمن بخس و هو يوسف و اتخذته عبدا و هذا ابنك بنيامين أخذته و قد وجدت متاعي عنده و اتخذته عبدا .

    فما ورد على يعقوب شي‏ء أشد من ذلك الكتاب ; فقال للرسول : مكانك أجيبه ; فكتب إليه يعقوب :


    [168]
    بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله أما بعد فقد فهمت كتابك تذكر فيه أنك اشتريت ابني و اتخذته عبدا و أن البلاء موكل ببني آدم و أن جدي إبراهيم ألقاه نمرود في النار فلم يحترق و جعلها الله له بردا و سلاما و أن أبي إسحاق أمر الله جدي أن يذبحه بيده فلما أراد ذبحه فداه بكبش عظيم و أن كان لي ولد و لم يكن في الدنيا أحد أحب إلي منه فأخرجوه إخوته ثم رجعوا إلي و زعموا أن الذئب أكله فاحدودب لذلك ظهري و ذهب من كثرة البكاء عليه بصري و كان له أخ من أمه كنت آنس به فخرج مع إخوته إلى ما قبلك ليمتاروا لنا طعاما فرجعوا إلي و ذكروا أنه سرق صواع الملك و قد حبسته و إنا أهل بيت لا يليق بنا السرقة و لا الفاحشة و أنا أسألك بإله إبراهيم و إسحاق و يعقوب إلا مننت علي به و تقربت إلى الله و رددته إلي .

    فلما ورد الكتاب إلى يوسف أخذه و وضعه على وجهه و بكى بكاء شديدا ثم نظر إلى إخوته فقال لهم هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ فقالوا إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا فقالوا لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أي لا توبيخ و لا تعنيف يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فلما ولى الرسول إلى الملك بكتاب يعقوب رفع يعقوب يده إلى السماء فقال يا حسن الصحبة يا كريم المعونة و خير إله ائتني بروح منك و فرج من عندك .

    فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال له : يا يعقوب أ لا أعلمك دعوات يرد الله عليك بصرك و ابنيك .

    قال نعم .

    قال , قل : يا من لم يعلم أحد كيف هو إلا هو يا من سد الهواء و كبس الأرض على الماء و اختار لنفسه أحسن الأسماء ائتني بروح منك و فرج من عندك .

    قال فما انفجر عمود الصبح حتى أتي بالقميص فطرح عليه فرد الله عليه بصره و ولده .

    أقول : ورد في سبب معرفتهم له أنه تبسم فلما أبصروا ثناياه كانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف .

    و قيل : رفع التاج عن رأسه فعرفوه .

    و في قوله إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ أي شبان أو صبيان تعليم لهم كيف يعتذرون .

    روي عن الصادق (عليه السلام) : كل ذنب عمله العبد و إن كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربه فقد حكى الله قول يوسف لإخوته هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم في أنفسهم في معصية الله .


    [169]
    و ذكر بعض المحققين من أهل التفسير و ورد في الأخبار أيضا في تفسير قوله تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ إن كل مذنب فهو جاهل لأنه خاطر بنفسه و فعل فعل الجاهل .

    ثم قال علي بن إبراهيم قدس الله ضريحه و لما أمر الملك بحبس يوسف في السجن ألهمه الله تعبير الرؤيا فكان يعبر لأهل السجن فلما سألاه الفتيان الرؤيا عبر لهما وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ و لم يفزع في تلك الحال إلى الله تعالى فأوحى الله إليه من أراك الرؤيا و من حببك إلى أبيك و من وجه إليك السيارة و من علمك الدعاء الذي دعوت به حتى جعلت لك من الجب فرجا و من أنطق لسان الصبي بعذرك و من ألهمك تأويل الرؤيا قال أنت يا رب قال فكيف استعنت بغيري و لم تستعن بي و أملت عبدا من عبيدي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي لبث في السجن بضع سنين فقال يوسف أسألك بحق آبائي عليك إلا فرجت عني فأوحى الله إليه يا يوسف و أي حق لآبائك علي إن كان أبوك آدم خلقته بيدي و نفخت فيه من روحي و أسكنته جنتي و أمرته أن لا يقرب شجرة منها فعصاني و سألني فتبت عليه و إن كان أبوك نوح انتجبته من بين خلقي و جعلته رسولا إليهم فلما عصوا دعاني استجبت له و غرقتهم و أنجيته و من معه في الفلك و إن كان أبوك إبراهيم اتخذته خليلا و أنجيته من النار و جعلتها عليه بردا و سلاما و إن كان أبوك يعقوب وهبت له اثني عشر ولدا فغيبت عنه واحدا فما زال يبكي حتى ذهب بصره و قعد على الطريق يشكوني فأي حق لآبائك علي قال له جبرئيل قل يا يوسف أسألك بمنك العظيم و إحسانك القديم فقالها فرأى الملك الرؤيا فكان فرجه فيها .

    و عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه قال : قال السجان ليوسف إني لأحبك فقال يوسف ما أصابني إلا من الحب كانت عمتي أحبتني فسرقتني أي نسبتني إلى السرقة و إن كان أبي أحبني حسدوني إخوتي و إن كانت امرأة العزيز أحبتني فحبستني و شكا يوسف في السجن إلى الله تعالى فقال يا رب بما ذا استحققت السجن فأوحى الله إليه أنت اخترته حين قلت رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ هلا قلت العافية أحب إلي مما يدعونني إليه .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما طرح إخوة يوسف يوسف في الجب دخل عليه جبرئيل (عليه السلام) و هو في الجب فقال يا غلام من طرحك في هذا الجب قال إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني و لذلك في الجب طرحوني قال أ فتحب أن تخرج قال

    [170]
    ذاك إلى إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب قال فإن إله إبراهيم يقول لك قل اللهم إني أسألك بأن لك الحمد كله لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات و الأرض ذو الجلال و الإكرام صل على محمد و آل محمد و اجعل لي من أمري فرجا و مخرجا و ارزقني من حيث لا أحتسب فدعا ربه فجعل له من الجب فرجا و من كيد المرأة مخرجا و آتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب.

    و عن المفضل الجعفي قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخبرني ما كان قميص يوسف قال إن إبراهيم (عليه السلام) لما أوقدت له النار أتاه جبرئيل (عليه السلام) بثوب من ثياب الجنة فألبسه إياه فلم يضره معه حر و لا برد فلما حضر إبراهيم الموت جعله في تميمة و علقه على إسحاق و علقه إسحاق على يعقوب فلما ولد ليعقوب يوسف علقه عليه فكان في عنقه حتى كان من أمره ما كان فلما أخرج يوسف القميص من التميمة وجد يعقوب ريحه و هو قوله إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ قلت جعلت فداك فألى من صار ذلك القميص فقال إلى أهله ثم قال كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و كان يعقوب بفلسطين و فصلت العير من مصر فوجد ريح يوسف و هو من ذلك القميص الذي أخرج من الجنة و نحن ورثته .

    أقول : قال أمين الإسلام الطبرسي رحمه الله قيل إن يوسف (عليه السلام) قال إنما يذهب بقميصي من ذهب به أولا فقال يهودا أنا أذهب به و هو ملطخ بالدم قال فاذهب به أيضا و أخبره أنه حي و أفرحه كما أنه أحزنه فحمل القميص و خرج حافيا حاسرا حتى أتاه و كان معه سبعة أرغفة و كانت المسافة ثمانين فرسخا فلم يستوف الأرغفة في الطريق .

    و قال ابن عباس هاجت ريح فحملت قميص يوسف إلى يعقوب .

    و ذكر في القصة أن الصبا استأذنت ربي في أن تأتي يعقوب ريح يوسف قبل أن يأتيه البشير بالقميص فأذن لها فأتت بها و لذلك يستروح كل محزون ريح الصبا و قد أكثر الشعراء من ذكرها .

    و عن أبي الحسن (عليه السلام) : كانت الحكومة في بني إسرائيل إذا سرق واحد شيئا استرق به و كان يوسف عند عمته و هو صغير و كانت تحبه و كانت لإسحاق منطقة لبسها يعقوب و كانت عند أخته و أن يعقوب طلب يوسف ليأخذه من عمته فاغتمت

    [171]
    لذلك و قالت دعه حتى أرسله إليك و أخذت المنطقة و شدت بها وسطه تحت الثياب فلما أتى يوسف أباه جاءت و قالت قد سرقت المنطقة ففتشته فوجدتها في وسطه فلذلك قال إخوته إِنْ يَسْرِقْ يعني بنيامين صواع الملك فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعني يوسف المنطقة من عمته.

    قال علي بن إبراهيم : ثم رحل يعقوب و أهله من البادية بعد ما رجع إليه بنوه بالقميص فارتد بصيرا فقالوا يا أبانا استغفر لنا قال أخرهم إلى السحر لأن الدعاء و الاستغفار مستجاب فيه .

    فلما وافى يعقوب و أهله مصر قعد يوسف على سريره و وضع التاج على رأسه فأراد أن يراه أبوه على تلك الحالة فلما دخل أبوه لم يقم له فخروا له كلهم ساجدين فقال يوسف يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل .

    و عن أبي الحسن (عليه السلام) : أما سجود يعقوب و ولده فإنه لم يكن ليوسف و إنما كان ذلك طاعة لله و تحية ليوسف كما كان السجود من الملائكة لآدم و لم يكن لآدم و إنما كان ذلك منهم طاعة لله و تحية لآدم (عليه السلام) فسجد يعقوب و ولده و يوسف معهم شكرا لله لاجتماع شملهم أ لم تر أنه يقول في شكره ذلك الوقت رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .

    و قال أمين الإسلام الطبرسي قيل إن يوسف (عليه السلام) بعث مع البشير مائتي راحلة مع ما يحتاج إليه في السفر و سألهم أن يأتوه بأهلهم أجمعين و لما دنا كل واحد منهما من صاحبه بدأ يعقوب بالسلام فقال السلام عليك يا مذهب الأحزان .

    و قال وهب إنهم دخلوا مصر و هم ثلاثة و سبعون إنسانا و خرجوا مع موسى (عليه السلام) و هم ستمائة ألف و خمسمائة و بضع و سبعون رجلا و كان بين يوسف و موسى أربعمائة سنة .

    و قال علي بن إبراهيم : فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال يوسف أخرج يدك فأخرجها فخرج من بين أصابعه نور فقال يوسف ما هذا يا جبرئيل فقال هذه النبوة أخرجها الله من صلبك لأنك لم تقم إلى أبيك فحط الله نوره و محا النبوة من صلبه و جعلها في ولد لاوي أخي يوسف و ذلك لأنهم لما أرادوا قتل يوسف قال لا تقتلوه و ألقوه في غيابة الجب فشكر الله له ذلك و لما أن أرادوا أن يرجعوا إلى أبيهم من مصر و قد

    [172]
    حبس يوسف أخاه قال لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي فشكر الله له ذلك .

    فكان أنبياء بني إسرائيل من ولد لاوي بن يعقوب و كان موسى من ولده .

    قال يعقوب يا بني أخبرني بما فعل بك إخوتك حين أخرجوك من عندي قال يا أبت اعفني من ذاك قال فأخبرني ببعضه قال يا أبت إنهم لما أدنوني من الجب قالوا انزع القميص فقلت لهم يا إخوتي اتقوا الله و لا تجردوني فسلوا علي السكين و قالوا لئن لم تنزع لنذبحنك فنزعت القميص و ألقوني في الجب عريانا فشهق يعقوب شهقة و أغمي عليه فلما أفاق قال يا بني حدثني قال يا أبت أسألك بإله إبراهيم و إسحاق و يعقوب إلا أعفيتني فأعفاه .

    قال و لما مات العزيز و ذلك في السنين الجدبة افتقرت امرأة العزيز و احتاجت حتى سألت فقالوا لها لو قعدت للعزيز و كان يوسف فقالت أستحي منه فلم يزالوا بها حتى قعدت له فأقبل يوسف في موكبه فقامت إليه و قالت الحمد لله الذي جعل الملوك بالمعصية عبيدا و جعل العبيد بالطاعة ملوكا فقال لها يوسف و هي هرمة أ لست فعلت بي كذا و كذا فقالت يا نبي الله لا تلمني فإني بليت بثلاثة لم يبل بها أحد قال و ما هي قالت بليت بحبك و لم يخلق الله لك نظيرا و بليت بحسني بأنه لم تكن بمصر امرأة أجمل مني و لا أكثر مالا و بليت بأن زوجي كان محصورا بفقد الحركة يعني عنينا فقال لها يوسف ما حاجتك قالت تسأل الله أن يرد علي شبابي فسأل الله فرد عليها فتزوجها و هي بكر .

    و عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله قَدْ شَغَفَها حُبّ ًا يقول قد حجبها حبه عن الناس فلا يعقل غيره و الحجاب هو الشغاف و الشغاف هو حجاب القلب .

    أقول : المشهور بين المفسرين و اللغويين أن المراد شق شغاف قلبها و هو حجابه حتى وصل إلى فؤادها و حبا نصبا على التمييز و كان ما في الحديث بيان لحاصل المعنى .

    قال الطبرسي رحمه الله و روي عن علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد (عليه السلام) و غيرهم قد شعفها بالعين أي ذهب بها كل مذهب .

    الأمالي عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) : أن يوسف لما صار في الجب و أيس من الحياة كان دعاؤه اللهم إن كانت الخطايا و الذنوب قد أخلقت وجهي عندك فلن ترفع إليك صوتي و لن تستجيب لي دعوة فإني أسألك بحق الشيخ يعقوب فارحم ضعفه و اجمع بيني و بينه فقد علمت رقته علي و شوقي ثم بكى أبو عبد الله (عليه السلام) ثم قال :


    [173]
    و أنا أقول : اللهم إن كانت الخطايا و الذنوب قد أخلقت وجهي عندك فلن ترفع إليك صوتا و لم تستجب لي دعوة فإني أسألك بك فليس كمثلك شي‏ء و أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله ثم قال (عليه السلام) قولوا هكذا و أكثروا منه عند الكرب العظام .

    و فيه بالإسناد إلى ابن عباس قال : لما أصاب يعقوب ما أصاب الناس من ضيق الطعام جمع يعقوب بنيه فقال لهم يا بني إنه بلغني أنه يباع بمصر طعام طيب و أن صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه و اشتروا منه طعاما فساروا حتى وردوا فأدخلوا على يوسف فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ فسألهم فقالوا نحن أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قال ولدكم إذا ثلاثة أنبياء و ما أنتم بحلماء و لا فيكم وقار و لا خشوع فلعلكم جواسيس لبعض الملوك جئتم إلى بلادي فقالوا أيها الملك لسنا بجواسيس و لا أصحاب حرب و لو تعلم بأبينا إذا لكرمنا عليك فإنه نبي الله و ابن أنبيائه و إنه لمحزون قال لهم يوسف فما حزنه و هو نبي الله و ابن أنبيائه و الجنة مأواه و هو ينظر إليكم في مثل عددكم و قوتكم فلعل حزنه إنما هو من قبل سفهكم و جهلكم قالوا أيها الملك لسنا بجهال و لا سفهاء و لا أتاه الحزن من قبلنا و لكن كان له ابن كان أصغرنا سنا يقال له يوسف فخرج معنا إلى الصيد فأكله الذئب فلم يزل بعده حزينا فقال لهم يوسف كلكم من أب واحد قالوا أبونا واحد و أمهاتنا شتى قال فما حمل أباكم على أن سرحكم كلكم و حبس منكم واحدا يأنس به و يستريح إليه قالوا قد فعل قد حبس منا واحدا هو أصغرنا سنا قال و لم اختاره من بينكم قالوا لأنه أحب أولاده إليه بعد يوسف فقال لهم يوسف إني أحبس منكم واحدا يكون عندي و ارجعوا إلى أبيكم و أقرئوه مني السلام و قولوا له يرسل إلي بابنه الذي زعمتم أنه حبسه عنده ليخبرني عن حزنه و عن سرعة الشيب إليه قبل أوان مشيبه و عن بكائه و ذهاب بصره فلما قال هذا اقترعوا بينهم فخرجت القرعة على شمعون فأمر به فحبس فلما ودعوا شمعون قال لهم يا إخوتاه انظروا ما ذا وقعت فيه و أقرئوا والدي مني السلام فودعوه و ساروا حتى وردوا الشام و دخلوا على يعقوب (عليه السلام) و سلموا عليه سلاما ضعيفا فقال لهم يا بني ما لكم تسلمون سلاما ضعيفا و ما لي لا أسمع فيكم صوت خليلي شمعون قالوا يا أبانا إنا جئناك من أعظم الناس ملكا لم ير الناس مثله حكما و علما و إن كان لك شبيه فإنه لشبيهك و لكنا أهل بيت خلقنا للبلاء اتهمنا الملك و زعم أنه لا يصدقنا حتى ترسل معنا بنيامين برسالة منك يخبره عن حزنك و عن .


    [174]
    سرعة الشيب إليك و عن بكائك و ذهاب بصرك فظن يعقوب (عليه السلام) أن ذلك مكر منهم فقال لهم يا بني بئس العادة عادتكم كلما خرجتم في وجه نقص منكم واحد لا أرسله معكم ف لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ من غير علم منهم فأقبلوا إلى أبيهم فرحين فقالوا يا أبانا إن هذه بضاعتنا ردت إلينا قال يعقوب قد علمتم أن بنيامين أحبكم إلي بعد أخيكم يوسف و به أنسي فلن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتيني به إلا أن يحاط بكم فضمنه يهودا فخرجوا حتى وردوا مصر فدخلوا على يوسف فقال لهم هل بلغتم رسالتي قالوا نعم و قد جئناك بجوابها مع هذا الغلام فاسأله عما بدا لك فقال له يوسف بما أرسلك أبوك إلي يا يا غلام قال أرسلني إليك يقرئك السلام و يقول إنك أرسلت إلي تسألني عن حزني و عن سرعة الشيب إلي قبل أوان المشيب و عن بكائي و ذهاب بصري فإن أشد الناس حزنا و خوفا أذكرهم للمعاد و إنما أسرع المشيب إلي لذكري يوم القيامة و إن بكائي و ابيضاض عيوني على حبيبي يوسف و قد بلغني حزنك بحزني و اهتمامك بأمري فكان الله لك جازيا و مثيبا و إنك لن تصلني بشي‏ء أشد فرحا به من أن تعجل علي ولدي ابني بنيامين فإنه أحب أولادي بعد يوسف و عجل علي بما أستعين به على عيالي فلما قال هذا خنقت يوسف العبرة و لم يصبر حتى قام فدخل البيت و بكى ساعة ثم خرج إليهم و أمر لهم بطعام و قال ليجلس كل بني أم على مائدة فجلسوا و بقي بنيامين قائما فقال له يوسف ما لك لم تجلس فقال ليس لي فيهم ابن أم فقال له يوسف فما كان لك ابن أم فقال بنيامين بلى و لكن زعم هؤلاء أن الذئب أكله قال فما بلغ من حزنك عليه قال ولد لي اثنا عشر ابنا كلهم أشتق لهم اسما من اسمه قال يوسف أراك قد عانقت النساء و شممت الولد من بعده فقال له بنيامين إن لي أبا صالحا و إنه قال لي تزوج لعل الله عز و جل يخرج منك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فقال له يوسف فاجلس على مائدتي فقال إخوته قد فضل الله يوسف و أخاه حتى أن الملك قد أجلسه معه على مائدته فأمر يوسف أن يجعل صواع الملك في رحل بنيامين .

    و عن جابر بن عبد الله قال : أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من اليهود يقال له بستان اليهودي فقال يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف (عليه السلام) أنها ساجدة له ما أسماؤها فقال أنت تسلم إن أخبرتك بأسمائها فقال نعم فقال حرمان و الطارق و الذيال و ذو الكتفان و قابس و وثاب و عمودان و الفيلق

    [175]
    و المصبح و الضروج و ذو القرع و الضياء و النور في أفق السماء ساجدة له فلما قصها يوسف على يعقوب (عليه السلام) قال يعقوب هذا أمر متشتت يجمعه الله بعد فقال اليهودي و الله إن هذه لأسماؤها .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : البكاءون خمسة آدم و يعقوب و يوسف و فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي بن الحسين (عليه السلام) فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار خداه أمثال الأودية و أما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره و أما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا له إما أن تبكي بالليل و تسكت بالنهار و إما أن تبكي بالنهار و تسكت بالليل فصالحهم على واحدة منهما و أما فاطمة (عليه السلام) فبكت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تأذى به أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتينا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف و أما علي بن الحسين (عليه السلام) فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له جعلت فداك إني أخاف أن تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي و حزني إلى الله و أعلم ما لا تعلمون إني ما ذكرت مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة .

    علل الشرائع عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : كان يعقوب و عيص توأمين فولد عيص ثم يعقوب فسمي يعقوب لأنه خرج بعقب أخيه عيص و يعقوب هو إسرائيل الله و معناه هو عبد الله لأن إسرا هو عبد و ئيل هو الله و في خبر آخر أن إسرا هو القوة و ئيل هو الله يعني قوة الل.

    و عن كعب الأحبار في حديث طويل : إنما سمي إسرائيل لأن يعقوب كان يخدم بيت المقدس و كان أول من يدخل و آخر من يخرج و كان يسرج القناديل و إذا كان بالغداة رآها مطفأة فبات ليلة في بيت المقدس و إذا بجني يطفئها فأسره إلى سارية في المسجد فلما أصبحا رأوا أسيرا و كان اسم الجني ئيل فسمي إسرائيل لذلك .


    [176]
    و عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال : أخذ الناس من ثلاثة أخذوا الصبر عن أيوب و الشكر عن نوح (عليه السلام) و الحسد عن بني يعقوب .

    و عن الرضا (عليه السلام) : أنه قال له رجل أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون و كأنه أنكر ذلك عليه فقال (عليه السلام) يا هذا أيهما أفضل النبي أو الوصي قال لا بل النبي قال فأيهما أفضل المسلم أو المشرك قال لا بل المسلم قال فإن عزيز مصر كان مشركا و كان يوسف مسلما و إن المأمون مسلم و أنا وصى يوسف سأل العزيز أن يوليه حين قال اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ قال حافظ لما في يدي عالم بكل لسان .

    و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إن يوسف (عليه السلام) لما كان في السجن شكا إلى ربه أكل الخبز وحده و سأل إداما يأتدم به و قد كان كثر عنده قطع الخبز اليابس فأمره أن يأخذ الخبز و يجعله في إجانة و يصب عليه الماء و الملح فصار مريئا و جعل يأتدم به (عليه السلام) .

    و عن ابن عباس قال : مكث يوسف في منزل الملك و زليخا ثلاث سنين ثم أحبته فراودته .

    فبلغنا و الله أعلم أنها مكثت سبع سنين على قدميها و هو مطرق إلى الأرض لا يرفع طرفه إليها مخافة من ربه فقالت يوما ارفع طرفك و انظر إلي قال أخشى العمى على بصري قالت ما أحسن عينيك قال هما أول ساقط على خدي في قبري قالت ما أحسن طيب ريحك قال لو شممت رائحتي بعد ثلاث من موتي لهربت مني قالت لم لا تقترب قال أرجو بذلك القرب من ربي قالت فرشي الحرير فقم و اقض حاجتي قال أخشى أن يذهب من الجنة نصيبي قالت أسلمك إلى المعذبين قال يكفيني ربي .

    علل الشرائع بإسناده إلى الثمالي قال : صليت مع علي بن الحسين (عليه السلام) الفجر بالمدينة يوم الجمعة فنهض إلى منزله و أنا معه فدعا مولاة له تسمى سكينة فقال لها لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه فإن اليوم يوم الجمعة قلت له ليس كل من يسأل مستحقا فقال يا ثابت أخاف أن يكون بعض من يسألنا مستحقا فلا نطعمه و نرده فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب و آله إن يعقوب كان يذبح كل يوم كبشا فيتصدق منه و يأكل هو و عياله منه و إن سائلا مؤمنا صواما مستحقا له عند الله منزلة و كان مجتازا غريبا مر على باب يعقوب عشية الجمعة عند أوان إفطاره يهتف

    [177]
    على بابه أطعموا السائل الغريب الجائع من فضل طعامكم يهتف بذلك على بابه مرارا و هم يسمعونه قد جهلوا حقه و لم يصدقوا قوله فلما يئس أن يطعموه و غشيه الليل استرجع و شكا جوعه إلى الله عز و جل و بات طاويا و أصبح جائعا صابرا حامدا لله تعالى و بات يعقوب و آل يعقوب شباعا بطانا و عندهم فضلة من طعامهم فأوحى الله عز و جل إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة لقد أذللت يا يعقوب عبدي ذلة استوجبت بها أدبي عليك و على ولدك يا يعقوب إن أحب أنبيائي إلي من رحم مساكين عبادي و أطعمهم و كان لهم مأوى يا يعقوب ما رحمت عبدي ذميال العابد لما مر ببابك عند إفطاره و هتف بكم أطعموا السائل الغريب فلم تطعموه فشكا ما به إلي و بات طاويا حامدا لي و أصبح صائما و أنت يا يعقوب و ولدك شباع و أصبحت عندكم فضلة من طعامكم أ و علمت يا يعقوب أن العقوبة و البلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي و ذلك حسن النظر مني لأوليائي و استدراج مني لأعدائي أما و عزتي لأنزل بك بلواي و لأجعلنك و ولدك عرضا لمصائبي فاستعد لبلواي فقلت لعلي بن الحسين جعلت فداك متى رأى يوسف الرؤيا ف
    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11421
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب التاسع في قصص يعقوب و يوسف - عليه السلام - )

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:05 am



    خاتمة



    في تأويل قوله تعالى وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فقد اختلف فيه علماء الإسلام و نسب بعضهم نبي الله الصديق إلى الفاحشة التي نزهوا أنفسهم عنها .

    فقال فخر الدين الرازي اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها و في هذه الآية مسائل المسألة الأولى في أنه (عليه السلام) هل صدر عنه ذنب أم لا و في المسألة قولان أحدهما أنه (عليه السلام) هم بالفاحشة .

    قال الواحدي في كتاب البسيط قال المفسرون و الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هم يوسف أيضا بهذه المرأة هما صحيحا و جلس منها مجلس الرجل من المرأة فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه .

    قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) بإسناده عن علي (عليه السلام) أنه قال : طمعت فيه و طمع فيها و كان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة .

    و عن ابن عباس رضي الله عنه قال حل الهميان و جلس منها مجلس الخائن. و عنه أيضا أنها استقلت له و قعد لها بين رجليها ينزع ثيابه .

    ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب و ما ذكر آية يحتج بها أو حديثا صحيحا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة و لما أمعن في الكلمات العارية عن الفائدة .

    روي : أن يوسف لما قال ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبرئيل (عليه السلام) و لا حين هممت يا يوسف فقال يوسف عند ذلك وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي.

    ثم قال و الذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء و ارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا الهم عنه فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب. القول الثاني أن يوسف (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بريئا من العمل الباطل و الهم المحرم و هذا قول المحققين من المفسرين و المتكلمين و به نقول و عنه نذب .


    [188]
    و اعلم أن الدلائل الدالة على وجود عصمة الأنبياء (عليهم السلام) كثيرة ذكرناها في سورة البقرة فلا نعيدها إلا أنا نزيد هاهنا وجوها :

    فالحجة الأولى : أن الزنى من منكرات الكبائر و الخيانة من معرض الأمانة من منكرات الذنوب و أيضا مقابلة الإحسان العظيم الدائم بالإساءة الموجبة للفضيحة الباقية و العار الشديد من منكرات الذنوب و أيضا الصبي إذا تربى في حجر إنسان و بقي مكفي المئونة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه و كمال قوته فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم العظيم من منكرات الأعمال إذا ثبت هذا فنقول إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف كانت موصوفة بجميع هذه الأربعة و مثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله لاستنكف منها فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المؤيد بالمعجزات ثم إنه تعالى قال في عين هذه الواقعة كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ و ذلك يدل على أن ماهية الفحشاء مصروفة عنه و لا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الوقعة بكونه بريئا من السوء و الفحشاء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء و الفحشاء أيضا .

    فالآية تدل على قولنا من وجه آخر و ذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم و الثناء البالغ و لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه و يثني عليه بأعظم المدائح عقيب أن يحكي عنه ذلك الذنب العظيم فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب و أفحش الأعمال ثم يذكره بالمدح العظيم و الثناء البالغ عقيبه فإن ذلك يستنكر جدا فكذا هاهنا .

    الثالث : أن الأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك و أتبعوها بإظهار الندامة و التوبة و لو كان يوسف هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة و الاستغفار و لو أتى بالتوبة لحكى الله عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع و حيث لم يوجد شي‏ء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب و لا معصية .

    الرابع : أن كل من له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف (عليه السلام) عن المعصية .


    [189]
    و اعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف و تلك المرأة و زوجها و النسوة و الشهود و رب العالمين شهد ببراءته عن الذنب و إبليس أيضا أقر ببراءته من المعصية و إذا كان الأمر كذلك فحينئذ لم يبق للمرء المسلم توقف في هذا الباب .

    أما بيان أن يوسف (عليه السلام) ادعى البراءة من الذنب فهو قوله (عليه السلام) هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي و قوله رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .

    و أما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ و أيضا قالت الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ .

    و أما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك فهو قوله إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ .

    و أما الشهود فقوله شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ... إلى آخر الآية .

    و أما شهادة الله فقوله كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ فقد شهد الله في هذه الآية على طهارته سبع مرات أولها قوله لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ و اللام للتأكيد و المبالغة .

    و الثاني قوله وَ الْفَحْشاءَ أي كذلك يصرف عنه الفحشاء .

    و الثالث قوله مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ مع أنه قال تعالى وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً .

    الرابع قوله الْمُخْلَصِينَ و فيه قراءتان تارة باسم الفاعل و تارة باسم المفعول فوروده باسم الفاعل دل على كونه إتيانا بالطاعات و القربات مع صفة الإخلاص و وروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى أخلصه لنفسه و على كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها مما أضافوه إليه .

    و أما بيان أن إبليس أقر بطهارته فلأنه قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين و يوسف من المخلصين لقوله تعالى إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ و كان هذا إقرار من إبليس بأنه ما أغواه و ما

    [190]
    أضله عن طريق الهدى و عند هذا فقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف (عليه السلام) هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله على طهارته و إن كانوا من أتباع إبليس و جنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته و لعلهم يقولون كنا في ابتداء الأمر تلامذة إبليس إلا أنا زدنا عليه في السفاهة كما قال الحروري .
    و كنت فتى من جند إبليس فارتقى بي الأمر حتى صار إبليس من جندي
    فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي




    فثبت بهذه الدلائل أن يوسف (عليه السلام) بري‏ء عما يقوله هؤلاء الجهال و إذا عرفت هذا فنقول الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين المقام الأول أن نقول لا نسلم أن يوسف (عليه السلام) هم بها و الدليل أنه تعالى قال وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ و جواب لو لا هاهنا مقدم و هو كما يقال قد كنت من الهالكين لو لا أخلصك .

    ثم ذكر للزجاج سؤالات و أجاب عنها ثم قال المقام الثاني في الكلام على هذه الآية أن نقول سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول إن قوله وَ هَمَّ بِها لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد و لا يتعلق بالذوات الباقية فثبت أنه لا بد من إظهار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم و ذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة و نحن نضمر شيئا يغاير ما ذكروه و بيانه من وجوه الوجه الأول أنه (عليه السلام) هم بدفعها عن نفسه و منعها من ذلك القبيح لأن الهم هو القصد فوجب أن يحمل في كل واحد على القصد الذي يليق به فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة و التمتع و القصد اللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق و إلى زجر العاصي عن معصيته و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هممت بفلان أي بضربه و دفعه فإن قالوا فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ .


    avatar
    اميرالنجف
    .
    .

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 206
    نقاط : 11421
    تاريخ التسجيل : 28/10/2012

    رد: كتاب قصص الانبياء عليهم السلام(الباب التاسع في قصص يعقوب و يوسف - عليه السلام - )

    مُساهمة من طرف اميرالنجف في السبت نوفمبر 10, 2012 10:09 am



    فائدة



    قلنا فيه أعظم الفوائد و هو أنه تعالى أعلم يوسف (عليه السلام) لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام و كان في علم الله تعالى أن

    [191]
    الشاهد يشهد أن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف (عليه السلام) هو الجاني و لو كان ثوبه متمزقا من خلفه لكانت المرأة هي الخائنة فالله تعالى أعلمه هذا العلم فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربا عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة على براءته عن المعصية .

    الوجه الثاني في الجواب أن نفسر الهم بالشهوة و هذا مستعمل في اللغة فمعنى الآية و لقد اشتهته و اشتهاها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لدخل ذلك العمل في الوجود .

    الوجه الثالث أن نفسر الهم بحديث النفس و ذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن و الجمال إذا تزينت و تهيأت للرجل الشاب القوي فلا بد و أن يقع هناك بين الشهوة و الحكمة و بين النفس و العقل مجاذبات و منازعات فتارة تقوى داعية الطبيعة و الشهوة و تارة تقوى داعية العقل و الحكمة فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة و رؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية و مثاله الرجل الصالح القائم الصائم في الصيف إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أن دينه يمنعه منه هذا لا يدل على حصول الذنب بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل فقد ظهر بحمد الله صحة القول الذي ذهبنا إليه و لم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف و تعديد أسماء المفسرين و اعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال ما كذب إبراهيم (عليه السلام) إلا ثلاث كذبات فقلت الأولى أن لا تقبل مثل هذه الأخبار فقال على طريق الاستنكار فإن لم تقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت يا مسكين إن قبلنا لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم (عليه السلام) و إن رددنا لزمنا الحكم بتكذيب الرواة و لا شك أن صون إبراهيم عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي و من الذي يضمن أن الذي نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين .

    المسألة الثالثة في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبتون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه الأول أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنى و العلم بما على الزاني من العقاب. .


    [192]
    الثاني أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذميمة بل نقول إن الله تعالى طهر نفوس المتصلين بهم عنها كما قال إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً أو المراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق و تذكير الأحوال المردعة لهم عن الإقدام على المنكرات .

    الثالث أنه رأى مكتوبا في سقف البيت وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا .

    الرابع أنه النبوة المانعة عن ارتكاب الفواحش و الدليل عليه أن الأنبياء بعثوا لمنع الخلق عن القبائح و الفضائح فلو أنهم منعوا الناس عنها ثم أقدموا على أقبح أنواعها و أفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ.

    و أيضا أن الله عير اليهود بقوله أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و ما يكون عيبا في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات .

    و أما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أمورا الأول قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر و الياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب و قالت أستحي من إلهي هذا أن يراني على المعصية فقال يوسف تستحين من صنم لا يعقل و لا يسمع و لا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فو الله لا أفعل أبدا .

    الثاني نقلوا عن ابن عباس أنه مثل له يعقوب (عليه السلام) فرآه عاضا على أصابعه و يقول له لتعمل عمل الفجار و أنت مكتوب في زمرة الأنبياء (عليهم السلام) فاستحى منه و هو قول عكرمة و مجاهد و كثير من المفسرين .

    قال سعيد بن جبير تمثل له يعقوب (عليه السلام) فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله .

    الثالث قالوا إنه سمع في الهواء قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير له ريش فإذا زنى ذهب ريشه .

    الرابع نقلوا عن ابن عباس أن يوسف (عليه السلام) لم يزدجر برؤية يعقوب حتى ركضه جبرئيل (عليه السلام) فلم يبق فيه شي‏ء من الشهوة إلا خرج.

    [193]
    و لما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف و قال هذا الذي ذكرناه قول أئمة المفسرين الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل فيقال له إنك لا تأتينا البتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين الحجة و الدليل و أيضا فإن ترادف الدلائل على الشي‏ء الواحد جائز و إنه (عليه السلام) كان ممتنعا عن الزنى بحسب الدلائل الأصلية فلما انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار و كمل الاحتراز و العجيب أنهم نقلوا أن جروا دخل تحت حجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و بقي هناك بغير علمه قالوا فامتنع جبرئيل (عليه السلام) من الدخول عليه أربعين يوما و هاهنا زعموا أن يوسف (عليه السلام) حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبرئيل (عليه السلام) .

    و العجب أيضا أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبرئيل (عليه السلام) و لو أن أفسق الخلق كان مشغولا بفاحشة فإذا دخل عليه رجل صالح على زي الصالحين استحى منه و فر و ترك ذلك العمل و هاهنا رأى يعقوب عض على أنامله و لم يلتفت .

    ثم إن جبرئيل (عليه السلام) على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبرئيل إلى ركضه على ظهره فنسأل الله تعالى أن يصوننا عن العمى في الدين و الخذلان في طلب اليقين .

    فهذا هو الكلام الملخص في هذه المسألة انتهى كلامه و تسلطه على الواحدي فيما قمع به أساس كلامه هو مذهب أصحابنا قدس الله أرواحهم .

    و الوجهان اللذان اختارهما أومى الرضا (عليه السلام) إلى أحدهما في حديث أبي الصلت الهروي .

    حيث قال : و أما قوله عز و جل في يوسف وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها فإنها همت بالمعصية و هم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله فصرف الله عنه قتلها و الفاحشة و هو قوله كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ يعني الزنى .

    و أشار إليهما معا في خبر ابن الجهم .

    حيث قال : لقد همت به و لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما و المعصوم لا يهم بذنب و لا يأتيه و لقد حدثني أبي عن أبيه الصادق (عليه السلام) أنه قال همت بأن تفعل و هم بما لا يفعل.

    أقول : لا يتوهم خطأ في قصده القتل إذ الدفع عن الغرض و الاحتراز عن المعصية

    [194]
    لازم و إن انجر إلى القتل و لكنه تعالى نهاه عن ذلك لمصالح كثيرة و قد ظهر حقيقة الحال فما ورد في روايتنا مما يوافق العامة فأحمله على التقية .

    ثم قال الزجاج و أما قوله وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً ففيه إشكال و ذلك لأن يعقوب (عليه السلام) كان أبا يوسف و حق الأبوة حق عظيم و أيضا إنه كان شيخا و الشاب يجب عليه تعظيم الشيخ .

    و الثالث أنه كان من أكابر الأنبياء إلا أن يعقوب (عليه السلام) كان أعلى حالا منه .

    الرابع أن جده و اجتهاده في تحصيل الطاعات أكثر من جد يوسف .

    و لما اجتمعت هذه الجهات الكثيرة فهذا يوجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب هذا على تقرير السؤال و الجواب عنه من وجوه الأول هو قول ابن عباس إن المراد بهذه الآية أنهم خَرُّوا لَهُ سُجَّداً أي لأجل وجدانه سجدوا لله و حاصله أنه كان ذلك سجود الشكر فالمسجود له هو الله إلا أن ذلك السجود إنما كان لأجله .

    و الدليل على صحة هذا التأويل أن قول وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير ثم سجدوا و لو أنهم سجدوا ليوسف (عليه السلام) لسجدوا له قبل الصعود إلى السرير لأن ذلك أدخل في التواضع و حينئذ فيكون المراد من قوله إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ أي رأيتهم ساجدين لأجلي أي أنها سجدت لله لطلب مصلحتي و السعي في إعلاء منصبي و عندي أن هذا التأويل متعين لأنه يبعد من عقل يوسف و دينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولاة و الشيخوخة و العلم و الدين و كمال النبوة .

    الوجه الثاني في الجواب أن يقال إنهم جعلوا يوسف كالقبلة و سجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه كما يقال سجدت للكعبة قال حسان .

    ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

    ‏أ ليس أول من صلى لقبلتكم *** و أعرف الناس بالآثار و السنن

    فقوله وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً أي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه .


    [195]
    الوجه الثالث في الجواب أن التواضع قد يسمى سجودا كقوله.

    ترى الأكم فيها سجدا للحوافر .

    إلا أن هذا مشكل لأنه تعالى قال وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً و الخرور إلى السجدة مشعرة بالإتيان بالسجدة على أكمل الوجوه و أجيب عنه بأن الخرور يعني به المرور فقط .

    قال الله تعالى لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً يعني لم يمروا .

    الوجه الرابع في الجواب أن نقول الضمير في قوله وَ خَرُّوا لَهُ غير عائد إلى الأبوين لا محالة و إلا لقال و خروا له ساجدين بل الضمير عائد إلى إخوته و إلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التهنئة فالتقدير و رفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما .

    و أما الإخوة و سائر الداخلين فخروا له ساجدين و إن قالوا فهذا لا يلائم قوله يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ .

    قلنا إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا حسب الصورة و الصفة من كل الوجوه فسجود الكواكب و الشمس و القمر تعبيره تعظيم الأكابر من الناس له .

    و لا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجل نهاية التعظيم له فيكفي هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير في الصفة و الصورة فلم يقل بوجوبه أحد من العقلاء .

    الوجه الخامس في الجواب لعل الفعل الدال على التحية و الإكرام في ذلك الوقت هو السجود فكان مقصودهم من السجود تعظيمه و هو في غاية البعد لأن المبالغة في التعظيم كان أليق بيوسف منها بيعقوب فلو كان الأمر كما قلتم لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب الوجه السادس فيه أن يقال لعل إخوته حملتهم الأنفة و الاستعلاء على أن يسجدوا له على سبيل التواضع و علم يعقوب أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سببا لثوران الفتن و ظهور الأحقاد القديمة مع كونها فهو (عليه السلام) مع جلالة قدره و عظيم حقه بسبب الأبوة و التقدم في النبوة فعل ذلك السجود حتى تصير مشاهدتهم لذلك سببا لزوال تلك الأنفة و النفرة عن قلوبهم.

    [196]
    أ لا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب محتسبا فإذا أراد تربيته مكنه من إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سببا في أن لا يبقى في قلب أحد منازعة ذلك المحتسب في إقامة الحسبة فكذلك هاهنا .

    الوجه السابع لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو كما أمر الملائكة بسجودهم لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو و يوسف (عليه السلام) ما كان راضيا بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت انتهى .

    أقول أفعال الأنبياء (عليهم السلام) غير محتاجة إلى هذه التكلفات لأن النبي لا ينطق عن الهوى .

    و هذا السجود الذي رآه يوسف (عليه السلام) في المنام و منام الأنبياء نوع من الوحي. فما أوحى إلى يوسف في المنام أوحاه إلى يعقوب في اليقظة كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار سببا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة .

    و سواء كان ذلك السجود ليوسف (عليه السلام) أو لله تعالى شكرا على الوجدان أو غير ذلك لا إشكال فيه لأن السجود ليوسف إذا كان بأمر الله تعالى فهو سجود لله لأنه وقع امتثالا لأمره كالسجود إلى القبلة دون باقي الجهات .

    و الله أعلم و رسوله و أهل بيته المعصومون سلام الله عليهم أجمعين .


    [197]



      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 11:40 am